الأحد، 27 نوفمبر، 2016

افتراض البراءة والشرعية الإجرائية

افتراض البراءة والشرعية الإجرائية

1-      تمهيد وتقسيم :
     سبق لنا القول أن افتراض البراءة في الإنسان ، حال اتخاذ إجراءات ماسة بحريته الشخصية أو حال خضوعه للاتهام من قبل سلطات التحقيق ، هو المرتكز الذي تقوم عليه دعائم الشرعية الجنائية في شقها الإجرائي ، بل لقد قيل أن قاعدة شرعية الجرائم والعقوبات التي تسود حال تطبيق القواعد الجنائية الموضوعية إن هى إلا تعبير عن ضمان افتراض البراءة في الإنسان ولو كان متهماً[1]. فحماية الحرية الشخصية التي كفلتها الدساتير والمواثيق لا يتسنى بلوغها إلا إذا افترضت براءة من خضع لاتهام جنائي إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تتوافر فيها كافة ضمانات القضاء العادل.

والحق أن افتراض البراءة "مبدأ سيادي" يهيمن على كافة مراحل الإجراءات الجنائية أياً كانت المرحلة التي تتخذ فيها ، بدءاً بمرحلة جمع الاستدلالات ، ومروراً بمرحلة التحقيق ، وانتهاءً بمرحلة المحاكمة. ولا يتسنى لنا التأكد من "سيادية" هذا المبدأ إلا بتتبع بناءه ، وذلك بالكشف عن التيار الفقهي الذي ناصره حتى جعله واقع ملموس في كافة التشريعات الجنائية المعاصرة (المبحث الأول) ، وكذا بتتبع أثاره وخاصة فيما يتعلق بعبء إثبات الاتهام وتقييم أدلة الإدانة ، وضرورة السماح للمتهم بالمساهمة في تدعيم براءته المفترضة (المبحث الثاني).

أصل البراءة في مرحلة البناء

2-      أولاً : الظهور الوضعي للمبدأ :
     يقصد بأصل البراءة كمبدأ عام من مبادئ الإجراءات الجنائية المعاصرة ضرورة معاملة من وجه له اتهام بارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها قانوناً باعتباره بريئاً حتى تثبت سلطة الاتهام بالدليل القانوني إدانته أمام محكمة مستقلة ومحايدة[2]. فالجريمة تظل أمر استثنائي وخارق للناموس الطبيعي في حياة الفرد والمجتمع ، ومن ثم وجب على من يدعي وقوعها ونسبتها إلى شخص معين أن يثبت ذلك ، فإذا لم ينجح في إثبات ادعائه إثباتا قاطعاً ، تعين الإبقاء على الأصل. وينتج عن ذلك أنه لا يجوز بحال أن يكلف المتهم بإثبات براءته ، ذلك أنها أصل فيه. 

والمؤكد أن مبدأ أصل البراءة ما نشأ إلا ثمرة كفاح طويل عاشته الإنسانية عبر رحلتها الطويلة. ففي وقت أن كانت الإنسانية تعيش عصورها الأولى سيطرت الأساطير والمعتقدات الدينية على طرق الإثبات الجنائي ، فأوجبت إخضاع الأفراد حال اتهامهم بارتكاب جريمة ما إلى عدد من الاختبارات القاسية (كالإمساك بالحديد المحمي ، أو وضع الأيدي في ماء مغلي...الخ) ، والتي تحمل في طياتها معنى افتراض الإدانة وأن المتهم هو المتحمل لعب إثبات براءته[3]. ولم يكن يبرر اللجوء إلى تلك الوسائل البدائية في إثبات البراءة إلا اعتقاد الأولين أن تلك الاختبارات هى حكم الله Judicium Die ، وأن الآلهة لن تتخلى عن البرئ ، بل أنها سوف تتدخل لحماية جسده من تلك العذابات[4]. وبمعنى آخر لم يكن هناك ما يشير في المحاكمات القديمة إلى وجود نظرة متسامحة مع المتهم ، بل الثابت أنه كان يقاسي صنوف العذاب التي تسد أمامه كل أمل في البراءة.      

ولا مرية في أن قاعدة افتراض البراءة – خاصة في شقها المتعلق بالإثبات - تعود في مبتدئها الوضعي إلى الأصول الفقهية الرومانية التي سطرها شراح القانون الروماني ، ويدعم ذلك جملة القواعد التي جاءت بها مدونة جوستنيان[5] فيما يتعلق بالإثبات الجنائي : ومنها قاعدة أن البينة على من ادعى ، وأن في المواد الجنائية يجب التأويل بالأرحم ، وأن المنكر لا يطلب منه الدليل ، وأن الأصل عدم اعتبار أحد مسيئاً ، وأن الدفاع عن المتهم مباح ، وأنه إذا عجز المدعي عن البينة برئت ساحة المدعى عليه[6]. 

وإذا كان تتبع تاريخ أصل البراءة في القانون الوضعي يكشف عن أن انجلترا تعد البلد الأم لهذا المبدأ بحسبانها مهد النظام الاتهامي ، إلا أن المؤكد أن تلك البلد لم تعرفه إلا في بدايات القرن التاسع عشر. فكما يكشف بعض الفقهاء الإنجليز[7] أنه قبل تلك الفترة كان القانون الجنائي يمثل تناقضاً غريباً ، وأنه بدراسة الدعاوى الجنائية أو دعاوى الحق العام Pleas of the crowin يستبين لنا أنها كانت تحتوي على ما يمكن تسميته بتفاهات البراءة Platitudes of innocence ، والتي تبدو في ظهور براءة العديد من المتهمين بعدما يكون قد نفذت أحكام صادرة بالإعدام في حقهم أو بعد فوات مدد طويلة من سلب الحرية.

والمؤكد أنه طيلة حقبة القرن الثاني عشر سيطر نظام المسئولية المشتركة Frankpledge system على تنظيم الإثبات الجنائي في إنجلترا. ويبنى هذا النظام على فكرة الاتهام الفردي الذي كان يتولاه جيران المتهم بناء على معلوماتهم الشخصية مع إخضاع المتهم لعدد من الاختبارات والمحن الجسدية من أجل إثبات براءته. ومع مطلع القرن الثالث عشر بدأ التفكير في تشكيل جهة تتولى الإثبات الجنائي ، الأمر الذي كرسه قانون ونشستر Winchester عام 1285 ، الذي بموجبه يتولى مئة شخص عب ملاحقة المجرمين واثبات إدانتهم ، بحيث إذا ما فشلوا في ذلك تحملوا عبء تعويض الضرر الناشئ عن الجريمة (وعلى الأخص في جرائم السرقات) ، بل عدوا شركاء في الجرم إذا ما أهملوا واجبهم في إثبات الاتهام[8]. ولما كان هذا القانون يفتح الباب أمام إثراء الأفراد على حساب الغير ويحمل أفراداً عبء المسئولية عن جرم لم يشاركوا حقاً فيه ، فقد رؤى التخفيف منه عام 1749 (أي بعد قرابة الخمسمائة عام) بأن تحدد مبلغ التعويض الذي يتحمل به هؤلاء المئة في حد أقصى لا يجوز بحال تجاوزه. وفي ذات الآونة تم اللجوء في إثبات الوقائع إلى هيئتين من المحلفين ، أحدهما كبري Grand Jury ويتولى الاتهام فيها قضاة ، والأخرى صغرى ، Petty Jury ويتولى شأن الاتهام فيها أفراد من الشعب. وفي ذلك وتلك لم تكن تفترض براءة المتهم ، وليس أدل على ذلك من حرمان المتهم من الاستعانة بمحام حتى في الجرائم الخطيرة ، وعدم أحقيته في العلم بتفاصيل التهمة الموجهة ضده ، وعدم أحقيته في الاستعانة بشهود نفي ، بحسبان أن هيئات المحلفين كانت تعمل باسم التاج ، وفي الاستعانة بشهود نفي ما يبرز عدم ولائهم لهذا الأخير. وعلى حد فقهاء ذلك العصر ، فإن التاج يعد حارساً للجماعة وأمنها ، وفي سبيل ذلك ليس بوسعه أن يقدم أية تنازلات للمتهم[9]. 

وبحلول منتصف القرن التاسع عشر بدأت أقلام الفقهاء الإنجليز تكرس هذا المبدأ ، حتى لقد صار المبدأ من قبيل "الحكمة" التي طالما واظب القضاة على ترديدها بقولهم أنه "خير للعدالة إطلاق سراح عشرة مذنبين من إدانة واحد قد يكون بريئاً"[10]
  It is a maxim of English Law that ten guilty men should escape rather than that one innocent man should suffer.

ويكفينا دليلاً على استقرار أصل البراءة كمبدأ من مبادئ القانون الإنجليزي في تلك الفترة أن نقارن بين التعبيرات التي كان يستخدمها القضاة فيما يتعلق بالإثبات حتى مطلع القرن التاسع عشر ، وبين ما بدأ التعارف عليه أواسط هذا القرن. فالملاحظ أنه وإلى حين بلوغ القرن التاسع عشر كان تفترض إدانة المتهم في بعض الأحوال. فها هو القاضي بست Best يقول في قضية R. v. Burdett  عام [11]1820 : يجب ألا يفترض بدون دليل ، ويجب ألا نتخيل افتراض ذنب ضد المتهم عندما لا توجد أية بينة تشير إلى صحة الافتراض ، ولكن هناك أموراً دلت التجربة على أنه عند ثبوتها لابد أن أمراً آخر – ولو لم يثبت – يجب افتراض حدوثه. وكذا يؤكد القاضي هولرويد Holroyed في ذات الدعوى أنه وفقاً للقانون الإنجليزي يجب ألا يدان أي شخص بناءً على مجرد قرينة عارية Mere Naked Presumption ، غير أن أكثر الجرائم خطورة يمكن إثباتها بناءً على قرائن الإثبات فقط حتى لا يفلت مجرم من العقاب ، ومن المقرر كقاعدة عامة في الإثبات أن عبء الإثبات يقع على عاتق الشخص الذي يرغب في أن يدعم قضيته بناءً على واقعة معينة هو على علم بها على وجه الخصوص. ويؤمن على ذلك القاضي بيلي Bayley بقوله : أن الافتراضات يمكن أن يؤخذ بها في القضايا الجنائية ، وأن التجربة المستمرة تؤكد صحة الاعتماد عليها ، بل أن أكثر من نصف المتهمين تتم إدانتهم استناداً إلى قرائن الإثبات ، بحيث يقع على عاتق المتهم عبء إثبات براءته.      

كل تلك الأقوال تكشف عن التوجه المتشكك للقضاء الإنجليزي من مبدأ اصل البراءة ، هذا التوجه الذي سرعان ما لبث أن تبدل منتصف القرن التاسع عشر ، وعلى الأخص عام 1865 ، في قضية R. v. White والتي خاطب فيها القاضي مارتن Martin هيئة المحلفين بقوله "إذا كانت هيئة المحلفين تريد أن تصل إلى قرار بالإدانة ، فإنه يجب عليها ألا تقرر الإدانة حتى تثبت إدانة المتهم وراء أي شك معقول ، وإذا كان كل ما يعتمد عليه في إدانة المتهم يقوم على مجرد الاحتمال ، فإن من واجبهم تبرئة المتهم". بتلك العبارات القليلة يكون قد ثبت من ذلك التاريخ رسوخ أصل البراءة في القانون الإنجليزي على وجه اليقين[12].

ولقد تبع القانون الأمريكي شقيقه الإنجليزي في رحلته التاريخية حول أصل البراءة. فكما يؤكد العديد من الفقهاء فإن غموضاً ظل يكتنف هذا المبدأ في القانون الأمريكي إلى أن ترسخ في عام 1803 مع بدء جلسات قضية Despard’s Case والتي خاطب فيها النائب العام المحلفين بقوله : "أن بشاعة الجريمة المرتكبة يجب ألا تخلق في أذهانكم أي نوع من الكراهية ضد المتهم ، بل على العكس ، يجب أن يكون ذلك حافزاً لكم لإعطائه أكبر قسط من العدالة يسمح به قانوننا ممثلاً في ذلك المبدأ المتسامح والمفيد ، وهو مبدأ افتراض براءة المتهم...وإنني لجد متأكد من أنكم...لن تقرروا إدانته ما لم تقنعكم البينات المقدمة إقناعاً جازماً بأنه مذنب".
   
ولم يكن القرن التاسع عشر يلفظ سنواته الأخيرة حتى تأكد هذا المبدأ في القضاء الأمريكي مرة أخرى في قضية William Plamer’s Case حين وجه القاضي اللورد كامبل نظر المحلفين إلى أنه : في تلك البلاد يجب أن تفترض براءة المتهم حتى تثبت إدانته ، وهى لا تثبت إلا بناءً على بينات مباشرة من قبل الاتهام ، وإذا لم تكن بينة الاتهام مقنعة إلى درجة تؤدي إلى الإدانة ، فإنه يجب أن تبرئ ساحة المتهم ، فيجب ألا تتقرر إدانته بناءً على الشبهات مهما كانت قوية...فإذا ثار أدنى شك معقول فإن من الواجب أن يعطى المتهم فائدة ذلك الشك.

ويكشف عن رسوخ هذا المبدأ في القضاء الأمريكي الحكم الذي أصدرته المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية عام 1895 في قضية كوفن Coffin’s Case والذي قررت فيه برأي جماعي Dissenting opinion : أن افتراض البراءة هو مبدأ بديهي وأولي ، وأنه يجد سنداً له في الأساس الذي يقوم عليه إدارة القانون الجنائي. وفي ضوء ذلك فلا يمكن أن تتقرر الإدانة إلا بناءً على بينات واضحة تكاد تصل إلى درجة اليقين[13].

وقد يقال أن اعتناق القانون الفرنسي - ومن سار في فلكه - للنظام التنقيبي Système inquisitoire في الإجراءات الجنائية قد لا يدعم مبدأ أصل البراءة الذي تفتخر بلدان النظام الاتهامي Système accusatoire بأنها التي احتضنته في مهده حتى استقام على عوده في التشريعات المعاصرة. والحق أنه أياً ما كانت الفوارق بين النظامين السابقين من حيث كيفية تنظيم الإجراءات الجنائية فإن الدول التي أقرت النظام التنقيبي – ومنها فرنسا – قد ساندت مبدأ البراءة في الإنسان ، وكل ما يتحصل من فارق فيما يخص هذا المبدأ هو ظهورها في النظام الاتهامي كقاعدة تباشر أثرها في نقل عبء الإثبات إلى عاتق الاتهام ، وكذا في حماية الحرية الشخصية في المرحلة السابقة على المحاكمة : يفترض براءة المتهم فيما يتعلق بالإجراءات الماسة بالحرية الشخصية ، وكذلك يفترض براءته فيما يتعلق بعبء الإثبات. هذا التوسع في مجال أصل البراءة قد لا نراه بذات الحجم في دول النظام التنقيبي ، إذ لا يقام وزناً كبيراً للحرية الشخصية في مرحلة التحقيق السابقة على المحاكمة ، وذلك حين يسمح القانون باتخاذ بعض الإجراءات الماسة بحرية المتهم الشخصية وتغلب افتراض الجرم في الأخير[14]. وقد لا يعلل النيل من مبدأ أصل البراءة في المرحلة السابقة على المحاكمة في دول النظام التنقيبي إلا لتغليب هذا النظام لمصلحة المجتمع فوق مصلحة المتهم. وهكذا لا يمكن القول بأن اعتماد النظام التنقيبي من شأنه التغاضي التام عن الأخذ بمبدأ أصل البراءة المفترض في الإنسان ، فها هى مرحلة المحاكمة تجمع من جديد جناحا النظم الإجرائية المعتمدة في العالم (النظام الاتهامي والنظام التنقيبي) في مسار إجرائي واحد بحيث لا يظهر فارق بين النظم ، اللهم إلا من حيث دور القاضي الجنائي ، الذي هو سلبي ومحايد في النظام الاتهامي وايجابي هو في النظام التنقيبي[15]. فالنظم الإجرائية مهما توزعت أصبحت تعتمد عدة مبادئ تمثل ركيزة وعماد المحاكمة الجنائية ومنها : مبدأ افتراض البراءة في المتهم ، وشفوية المرافعة ، وكفالة حق المتهم في الدفاع ، وعدم إجبار المتهم على الكلام...الخ.

والحق أنه من الناحية التاريخية فإن القانون الفرنسي القديم والذي اعتمد النظام التنقيبي - والذي اعتنقته فرنسا منذ القرن الثالث عشر وتكرس في نظامها القانوني بموجب القار الصادر في عام 1670 - لم يكن يركز إلا على الوصول للحقيقة بأي ثمن كان ولو تأتى ذلك على حساب حرية المتهم وحقوقه ، ومن ثم سمح باتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها إثبات الذنب على المتهم ، الأمر الذي يتسنى معه القول بأنه قد افترض إذناب المتهم في كافة إجراءات التحري والتحقيق. فكان يسمح باستخدام التعذيب للحصول على الاعتراف بالتهمة ، وكان الاستجواب يتخذ كوسيلة للإرباك المتهم والتأثير عليه ، وسمح بأن يتولى القاضي بنفسه مهمة الاستجواب خروجاً على ما توجبه العدالة من فصل بين سلطتي التحقيق والحكم ، وكان المتهم يكلف بأداء القسم خروجاً كذلك على مقتضيات الحق في الدفاع. وكان الإثبات يتقيد بأدلة قانونية محصورة لا سبيل للقاضي حيالها أن يقيم اقتناع ذاتي. وفي ظل نظام هذا شأنه لم يكن هناك مجال لإعمال قاعدة تفسير الشك في صالح المتهم طالما أن القاضي ملزم بأن يقضي بالإدانة طالما توافرت أدلة قانونية معينة ، خروجاً كل ذلك على ما يجب للقاضي من حرية في تقدير الدليل[16]. وبالجملة لم يكن يعرف القانون الفرنسي القديم افتراض براءة المتهم فيما يتعلق بالإجراءات الماسة بالحرية الشخصية ، فالأصل فيما يسبق المحاكمة كان افتراض الإدانة في المتهم. ولم يكن ينبع ذلك في حقيقته من نص قانوني بقدر ما يستنبط من طبيعة الوسائل المسموح باتخاذها في سبيل الوصول للحقيقة حول الواقعة الإجرامية ومرتكبيها.

ولم يكن لهذا النظام التعسفي أن يحيا كثيراً وقد بدأ فلاسفة القرن الثامن عشر - من أمثال فولتير (1689-1755) ومونتيسكيو (1686-1755) وروسو (1712-1778)[17] - ينددون به ويدعون لاحترام كل مظهر من مظاهر الحرية الشخصية. وأمام هذه الحركة التنويرية التي قادها على المستوى الجنائي الماركيز الإيطالي سيزار دي بيكاريا (1738-1794) في مؤلفه العمدة "عن الجرائم والعقوبات" Die delitti e delle    pene(1767)[18] - والتي تبعتها ثورة فرنسية الموطن ، عالمية الصدى ، حفظت ودعمت للإنسان الكثير من حقوقه ، وأهمها حق الإنسان في افتراض براءته - صدر إعلان حقوق الإنسان والمواطن في 27 أغطس عام 1789 مقرراً في مادته التاسعة أن كل إنسان تفترض براءته إلى أن تثبت إدانته  Tout homme étant présumé innocent jusqu'à ce qu’il ait été déclaré coupable. وامتثالاً لما تقرر في هذا الإعلان صدر قانون في 18 أكتوبر عام 1789 ملغياً كل ما كان مسموحاً به من قبل من انتهاكات جرى عليها العمل من قبل وفق النظام التنقيبي في مرحلتي التحري والتحقيق ، لولا الأحكام الدموية التي صدرت في 10 يونيو 1794 من المحاكم الثورية التي جعلت مما جاء بهذا القانون وما جاء بإعلان حقوق الإنسان والمواطن حبراً على ورق.

غير أنه يظل لهذا الإعلان قيمته القانونية ، ذلك أن قانونا الإجراءات الجنائية الفرنسي لعامي 1808 ، 1958 قد أغفلا النص على مبدأ أصل البراءة ، بما سمح بنشوء جدل قانوني حول قيمة هذا المبدأ في النظام القانوني الفرنسي[19]. وقد انتهى هذا الجدل إلى وضع هذا المبدأ في مصاف المبادئ الدستورية ، ذلك بأن دستور الجمهورية الخامسة لعام 1958 قد تضمن في ديباجته النص على ما جاء من مبادئ في إعلان حقوق الإنسان والمواطن ، الأمر الذي يزيل كل شك حول استقرار مبدأ أصل البراءة في القانون الفرنسي ، بحسبانه دعامة النظامي الإجرائي التنقيبي.                                  

3-      ثانياً : التكريس الإسلامي لمبدأ :   
     آيا ما بدا من نشأة وضعية غربية لأصل البراءة ، إلا أنه من الثابت أن هذا الأخير مبدأ إسلامي النسب. فالقاعدة الشرعية توجب أن الأصل براءة الذمة ، تلك القاعدة التي يتسع مجال تطبيقها ليشمل ليس فقط المجال الجنائي ، بل كافة فروع القانون المختلفة[20]. وفي مقام الاتهام تفترض براءة من توافرت في حقه دلائل على ارتكاب جريمة ، ذلك أنه إن لم تفترض تلك البراءة ، فسوف يكون المتهم مطالباً بإثبات موقف سلبي يتمثل في عدم ارتكابه للجريمة ، وهو أمر يتعذر في كثير من الأحول تحقيقه ، ويوصل إلى انعقاد المسئولية في حق شخص على أساس الظن[21] ، بما يعارض قول ربنا عز وجل "وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ "[22] ، وقوله عز من قائل "وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا"[23]. ويتفرع عن ذلك أن البراءة شرعاً لا تزول بالشك ولا عقاب عند الظن[24] ، مصداقاً لقول الرسول الكريم "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله فإن الإمام يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"[25]. 

ولقد أسس الفقه الإسلامي أصل البراءة على قاعدة استصحاب الحال ، أي بقاء كل شيء على ما كان حتى يوجد ما يغيره أو يثبت خلافه[26]. فالأصل إذاً استدامة إثبات ما كان منفياً أو نفي ما كان منفياً ، أي بقاء الحكم إثباتا ونفياً حتى ينهض الدليل المغير[27]. وفي ذلك يقول العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله[28] "الاستصحاب يؤخذ به في قانون العقوبات ، وهو أصل فيه ، لأن الأمور على الإباحة ما لم يقم نص يثبت التجريم والعقوبة ، وأن قضية المتهم برئ حتى يقوم دليل على ثبوت التهمة...هى مبنية على الاستصحاب ، وهو استصحاب البراءة الأصلية". واعتماداً على هذا التأسيس استنبط الفقه الإسلامي قاعدة أن ما يثبت باليقين لا يزول إلا بيقين مثله ، ولا يزول بالشك[29].     

ويتسنى لنا هنا القول أن النبع الحقيقي لمبدأ افتراض البراءة هو القانون الطبيعي الذي جبلت عليه فطرة الإنسان قبل هبوط الرسالات والعمل بالشرائع. هذه الفطرة التي نسجت وشكلت قاعد أن الأصل في الأشياء الإباحة ، وأن الاستثناء هو التجريم والعقاب ، واستنتاجاً من هذا يتعين النظر إلى الإنسان بوصفه بريئاً ، إلى أن يخرج من دائرة الإباحة إلى دائرة التجريم بحكم القضاء. فالإنسان بفطرته يدرك أن فاعلية إدارة العدالة الجنائية وصون الحرية الشخصية للأفراد لا يتأتيان إلا باستصحاب البراءة التي تقررت للفرد منذ ميلاده خلال كافة مراحل عمره وحتى ولو خضع خلالها إلى اتهام جنائي. ولعلنا نلمح صدق هذا التحليل في عبارات المحكمة الدستورية العليا[30] حين قالت أن : "أصل البراءة قاعدة أولية توجبها الفطرة التي جبل الإنسان عليها ، وتقتضيها الشرعية الإجرائية ، ويتطلبها الدستور لصون الحرية الشخصية في مجالاتها الحيوية ، وبوصفها مفترضاً أولياً لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة ، ليوفر بها لكل فرد الأمن في مواجهة التحكم والتسلط والتحامل ، وكان افتراض البراءة لا يقتصر على الحالة التي يوجد الشخص فيها عند ميلاده ، بل يمتد إلى مراحل حياته حتى نهايتها ، ليقارن الأفعال التي يأتيها ، فلا ينفصل عنها باتهام جنائي أياً كان أو الأدلة التي يؤسس عليها...هذا الأصل كامناً في كل فرد سواء كان مشتبهاً فيه أم متهماً".

4-      ثالثاً : التكريس المعاصر للمبدأ :
     رغم ما يبدو لمبدأ افتراض البراءة في الإنسان - وإن صار متهماً - من بداهة تتسق والفطرة الطبيعية إلا أنه قد تعرض لنقد شديد من قبل العديد من الفقهاء ، بيد أن هذا النقد لم يفلح في النيل من سلامة هذا المبدأ ومن التوجه نحو تكريسه على المستوى التشريعي ، سواء في المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان ، أو في الدساتير الوطنية على تنوعها. على أن هذه المقبولية يجب أن يتزاوج معها غطاء حمائي وتدعيم يفرضه المشرع كي لا يفرع مبدأ أصل البراءة من قيمته.  
  
5-      أ : المقبولية الفقهية للمبدأ :
     لم يلقى مبدأ أصل البراءة مقبولية لدى البعض من الفقه ، ويأتي على رأس هؤلاء أنصار المدرسة الوضعية ، ويشاركهم البعض من الفقهاء المعاصرين توجهم الرافض.


[1] K. Vasak, La Convention européenne des droits de l’homme, Paris, 1964, p. 48 et s.
[2] د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص423 ، د. أحمد إدريس أحمد ، افتراض براءة المتهم ، رسالة دكتوراه ، القاهرة ، 1984 ، ص60 وما بعدها ، د. مصطفى فهمي الجوهري ، الوجه الثاني للشرعية الجنائية "قرينة البراءة" ، دار الثقافة الجامعية ، 1990 ، ص10 وما بعدها ، د. عمر الفاروق الحسيني ، مدى تعبير الحكم بالإدانة غير الصادر بالإجماع عن الاقتناع اليقيني للقاضي الجنائي ، 1995 ، ص51 وما بعدها.
[3] لمزيد من التفصيل ، ويل ديورانت ، قصة الحضارة ، ترجمة د. زكي نجيب محمود ، ج1 ، ص53 وما بعدها.
[4] في ذات المعنى ، د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص89.. ويشير إلى أن من بين الاختبارات التي كان يتعرض لها المتهم لإثبات براءته ذلك الاختبار الذي يقوم على إلقاء المتهم موثوقاً في نهر ليرى ما إذا كان سيطفو إلى سطحه فيكون مداناً إذ لفظه النهر ، أم سيغوص إلى قاعه فيكون النهر قد حماه من العقاب.
[5] تنسب هذه المدونة إلى الحاكم الروماني جوستنيان الذي وضعها عام 533 ميلادية أبان حكمه للإمبراطورية الشرقية. وقد عكف على ترجمتها للعربية المرحوم عبد العزيز باشا فهمي. راجع بصفة خاصة ، مدونة جوستنيان في الفقه الروماني ، دار الكتاب المصري ، 1946 ، ص365 وما بعدها.
[6] د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص101-102.
[7]  C. K. Allen, Legal Duties, Clarendon Press, Oxford, 1931, p. 256.
مشار إليه لدى د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص103.
[8] د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص92.
[9] د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص98.
[10] Glanville Williams, Proof of Guilt, A study of the English Criminal trial, 3rd Ed. 1963m London, Steverns & Sons, p. 186.
[11] حول تلك القضية وما جاء بها من أقول لقضاتها د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص110 وما بعدها.

[12] C. K. Allen, op. cit., p. 283.
مشار إليه لدى ، د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص113.
[13] لمزيد من التفصيل حول تلك القضية وحكم المحكمة الاتحادية العليا فيها راجع د. أحمد إدريس أحمد ، المرجع السابق ، ص119 وما بعدها.
[14] M. J. Essaid, La présomption d’innocence, th. Paris, 1969, p. 12 et s.
[15] د. نجاتي سيد سند ، القضاء الجنائي الأمريكي ودوره الرقابي على الدعوى الجنائية ، القاهرة ، 1994 ، ص44 وما بعدها. ويجب التنويه إلى أن النظم القانونية المعاصرة لا تأخذ بأي من النظامين على إطلاقه ، فالميل يبدو الآن نحو الأخذ بنظام مختلط يأخذ بمزايا كل من النظامين ويتفادى ما بهما من عيوب. راجع د. عبد الرءوف مهدي ، شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية ، 2003 ، ص45 وما بعدها ، د. أحمد عوض بلال ، التطبيقات المعاصرة للنظام الاتهامي في القانون الأنجلو أمريكي ، دار النهضة العربية ، 1992 ، ص66 وما بعدها.
Davorkpac, Quelques questions de l’organisation de la procédure préparatoire dans le type mixte de la procédure pénale européenne, RIDP. 1985, p. 231 et s. 
[16] د. أحمد فتحي سرور ، الشرعية والإجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية ، 1977 ، ص77 وما بعدها.
M. J. Essaid, op. cit., p. 15 et s.
[17] وقد ذكر مونتسكيو في مؤلفه روح القوانين قوله الشهير " أنه عندما لا تؤمن براءة المواطنين فلن يكون للحرية وجود".
Montesquieu, De l’esprit des lois, 2ème partie, Livre XII, Ch. II.
[18] راجع سيزار دي بيكاريا ، الجرائم والعقوبات ، ترجمة د. يعقوب محمد حياتي ، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ، إدارة التأليف والترجمة ، ط1 ، ص1985.
Cesar de Beccaria, Des délits et des peines, Traduction française, éd. Flammarion, 1979.
[19] M. J. Essaid, op. cit., p. 26 et s.
[20] الشيخ محمد أبو زهرة ، أصول الفقه ، دار الفكر العربي ، 1957 ، ص291 وما بعدها ، أ. محمد الحسيني حنفي ، أساس حق العقاب في الفكر الإسلامي والفقه الغربي ، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية ، يوليو 1971 ، ص404 وما بعدها ، د. زكريا البري ، أصول الفقه الإسلامي ، دار النهضة العربية ، 1977 ، ص169 وما بعدها.
[21] د. عبد القادر عودة ، التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالفقه الوضعي ، ج2 ، دار الطباعة الحديثة ، 1984 ، ص515 وما بعدها ، د. عبد المجيد مطلوب ، الأصل براءة المتهم ، بحث مقدم إلى ندوة "المتهم وحقوقه في الشريعة الإسلامية" ، المركز لعربي للدراسات الأمنية بالرياض ، السعودية ، يونيو ، 1982 ، ص229 وما بعدها.
[22] سورة يونس ، الآية 36.
[23] سورة النجم ، الآية 28.
[24] د. محمد محي الدين عوض ، درء الحدود بالشبهات ، مجلة قضايا الحكومة ، س27 ، ع33 ، يوليو-ديسمبر 1978 ، د. مأمون سلامة ، المبادئ العامة للإثبات الجنائي في الفقه الإسلامي ، مقال في دراسات في حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية ، مجلة القانون والاقتصاد ، عدد خاص ، س50 ، 1980 ، ص152 وما بعدها.
[25] رواه الترمذي ، راجع الجامع الصحيح المشتهر بسنن الترمذي ، دار الفكر للطباعة ، بيروت ، ص133. نيل الأوطار للشوكاني ، ج7 ، ص271.
[26] الإحكام في أصول الأحكام ، الإمام الحافظ أبو محمد على بن حزم الأندلسي الظاهري ، ج5 ، ط1 ، 1347هـ - 1927م ، مطبعة ومكتبة الخانجي ، ص3 وما بعدها ، د. زكريا البري ، المرجع السابق ، ص164 ، الشيخ محمد أبو زهرة ، المرجع السابق ، ص283. 
[27] أعلام الموقعين عن رب العالمين ، ابن قيم الجوزية ، ج1 ، مطبعة ومكتبة عبد السلام بن محمد بن شعرون ، 1968 ، ص339 وما بعدها.
[28] الشيخ محمد أبو زهرة ، المرجع السابق ، ص291.
[29] في ذات المعنى ، د. زكريا البري ، المرجع السابق ، ص169.
[30] م.د.ع. جلسة 15 يونيو 1996 ، القضية رقم 49 لسنة 17ق دستورية ، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا ، ج7 ، رقم 48 ، ص739. تؤمن على ذلك المحكمة الدستورية العليا في حكم أخر بقولها أن "أصل البراءة مفترض في كل متهم ، فقد ولد الإنسان حراً ، مطهراً من الخطيئة ودنس المعصية ، لم تنزلق قدماه إلى شر ، ولم تتصل يده بجور أو بهتان ، ويفترض وقد كان سوياً حين ولد حياً أنه ظل كذلك متجنباً الآثام على تبيانها ، نائياً عن الرذائل على اختلافها ، ملتزماً طريقاً مستقيماً لا يتبدل اعوجاجاً ، وهو افتراض لا يجوز أن يهدم توهماً ، بل يتعين أن ينقض بدليل مستنبط من عيون الأوراق وبموازين الحق ، وعن بصر وبصيرة ، ولا يكون ذلك إلا إذا أدين بحكم انقطع الطريق إلى الطعن فيه ، فصار باتاً". م.د.ع. جلسة 5 أكتوبر 1996 ، القضية رقم 26 لسنة 12ق دستورية ، الجريدة الرسمية ، 17 أكتوبر 1996 ، ع41ق دستورية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق