الأحد، 20 نوفمبر، 2016

قدسية الماء



الماء مورد يأتيه القاصي والداني؛ لذا فإن لحظات الرؤية الأولى قد تكون مقدمة لقصة عشق, لأن طلب الماء والاستجابة يعني, في بعض الأحيان, اتفاقا غير معلن لبدء علاقة عشق؛ لأنها إن لم ترغب بذلك ستخلي مكانها, وتغطي جزءا من وجهها, تحصينا لها من الغريب, وربما لا يقترب من الماء إلا بعد ذهابها, وإذا حضر أثناء تعبئة قربتها أو الوعاء الذي تحمله, تخلي المكان وتمشي, لهذه الأسباب, ولأسباب تتعلق بقدسية الماء ودورته في الحياة,

الماء له القدرة السحرية في رد الرعب, و القضاء على أثره, ولهذا فليس هناك أفضل من الماء في إعادة الشخص إلى توازنه, خاصة إذا تم تناوله بوعاء خاص, يسمى طاسة الرعبة, عليها بعض الآيات القرآنية, فالماء الذي ضمن الوعاء يقضي على أي اثر للخوف, وهذا نابع من صفات الخصب المائي الذي يقضي على الضعف الحاصل عن المفاجئة.

المياه التي لا تصلها تأثيرات الجو والشمس قد تكون مسكونة بأرواح خيرة, ولهذا فان قدراتها على الشفاء أكثر, أما مياه الينابيع المكشوفة فقد تستولي عليها الأرواح الشريرة؛ لذا فإنهم يعتقدون أن وضع ماء النبع للزيتون الأخضر أثناء أعداده وتخليله من اجل الأكل, يتلفه, فيضعون عليه ماء البئر الذي لم يتعرض لأي تغييرات في صفاته المخصبة.

أما دليلنا على سكنى الأرواح الشريرة للينابيع فهناك العين المسحورة؛ من يشرب منها  ويتنفس يتحول إلى حيوان أو طائر,  وهناك مياه وضع فيها الغول خصبة: تقول حكاية البلاد طلبت أهلها كيف حملت امرأة  من غول؛ لأنها شربت من ماء فيه غول:"كان يا مكان, في قديم العصر والزمان, إلا هالمرة, إلها ثلث أولاد, وفي يوم من الأيام,  أخذت  المرة الغنمات اترعيهم, وعطشت, وصارت تدور على ميه, ولقيت معصرة -أي حفرة تتجمع فيها المياه- في هالصخرة, وشربت منها, وكانت الميه فيها غول, وراحت حامل, وجابت بنتو وهاي البنت كانت غولة ....(12).

للماء قوة الخلق والإخصاب, وهذا واضح من الدور الذي أعطي للماء في الموروث الشعبي, فمثلا جبينة لا تعود للحياة إلا بعد غسلها بالماء, وإخراج المسمار من رجلها, وإذا أردنا أن نتفحص هذه الحكاية؛ فهناك جبينة التي هي رمز للخير, تقابلها الغولة رمز الشر والدمار . المسمار أداة في يد الشر, والماء أداة في يد المرأة التي غسلتها (13).

 نلاحظ كيف ينتصر الماء ويقضي على الموت, وهذه الفكرة بالذات تلخص لنا المفهوم الشعبي للماء, الذي يقضي على الموت بإنبات الحياة والربيع, وقد كانت هذه الجدلية مرتبطة بدورة أدون, الإله الكنعاني, التي تبدأ مع فصل الربيع, وتستمر حتى الخريف؛ إذ تستمر المواسم  والأفراح طوال هذه الفترة التي ارتبطت, ميثولوجيا, بعودته إلى الحياة, بعد أن صرعته الخنازير البرية, فكان نزوله إلى العالم السفلي نهاية الحيا, وبداية الجدب وجفاف الينابيع وتعري الأشجار, بينما عشتارت تبحث عنه, وأثناء بحثها وقعت في متاعب شتى, وتجرحت قدماها, وسالت منها الدماء التي لطخت أزاهير شقائق النعمان, ولهذا ارتبطت عودة أدون للحياة بهذه الأزاهير البرية (14) .

وهذا غير منفصل عن تراثنا الشعبي, ففي حكاية جبينة تجف الينابيع, وتموت الأشجار وتصمت العصافير عن التغريد طوال فترة غياب جبينة عن أرضها وأهلها, بعد رحلة عذاب توجت بانتصارها, وزواجها, ثم عودتها لزيارة أهلها, وهنا نلاحظ أن الحياة فارقت أرضها, ولكن ما أن تمس قدمها أرض وطنها حتى تخضر الأرض, وتعطي الينابيع مياهها, فيرقص الناس ويغنون لعودة الفرح والحياة ـ عودة جبينة ـ كما رقصوا لعودة أدون إله الخصب (15) .

الماء في رمزيته يمثل جانب الخلق وبقاء الحياة, ولكنه أحيانا يمثل الجانب العدائي, كما في دور المياه  التخريبي في رمزية الأسطورة " يام ـ نهار " الذي يمثّل بغطرسته الجانب العدائي للبحر والأنهار؛ مهددا بغمر الأرض وتخريبها, بينما يمثل بعل الجانب الصالح من المياه في شكل أمطار (16).

ونحن نلمس مثل هذا الدور التخريبي في محاولة عالم المياه المستمرة في سرقة الشمس والقمر, وإعادتهما إلى عالم الظلمات؛ لدمار الأرض وما عليها. وأما الطوفان, فإنه يحمل بذرة الشر والخير؛ فهو بعمله التخريبي يهدف إلى إعادة الوجه المشرق للحياة؛ لإعادة تكوينها على أسس صالحة .

للماء قوة الشفاء، خاصة من الأمراض الجلدية، تعزو المعتقدات الشعبية شفاء أيوب _ عليه السلام _ إلى اغتساله بالماء, ومنهم من يرى أنه اغتسل بماء البحر, ومنهم من يرى أنه استحم ببركة ماء تدعى الآن باسم حمام أيوب, في شمال فلسطين, والرأي الثاني أقرب إلى الصواب؛ لأن حمام أيوب معروف في فلسطين. والدتي أخذتني إليه قبل 1948 وعمري سنتان, وتروي أنه مكان مقدس, ولزيارته طقوس معينة .

إن المداواة والشفاء نتيجة الاستحمام والاغتسال بالمياه متوارثة منذ أقدم الحضارات, فالاغتسال في النهر من أجل الشفاء ورد في ملحمة كرت الكنعانية, وأيضا بالتواراة من قصة أيوب الذي ابتلاه الله, وصار جسده مليئا بالقروح والدمامل  . كان بجانب بركة, فجاء طائران: أحدهما منتوف الريش ذا منظر مقرف, دخل البركة وخرج منها لا أحلى ولا أجمل, أما أيوب, فقد أخذ يزحف باتجاهها حتى وصلها, فاستحم فيها, وشفي, واستعاد شبابه, وكان لماء البركة الدور ذاته عندما مسح أيوب بالماء على شعر زوجته المقصوص؛ فعاد له جماله وطوله .

يتم الاحتفال بأربعة أيوب في أول يوم أربعاء من شهر نيسان, وتبدأ الاحتفالات مع غروب شمس يوم الثلاثاء؛ إذ يكون الناس بانتظار هذه اللحظة للسباحة في البحر في منطقة غزة،  أما في شمال فلسطين؛ فتقام الاحتفالات عند مصادر المياه, وتنحر ذبائح بدء الموسم في أول نيسان, وذبيحة عند حمام أيوب. إن أربعة أيوب يوم احتفالي يستحم فيه الناس,  ويفركون أجسادهم أحيانا بنبات أخضر؛ لما لذلك من دور في إعطاء الجمال والخصب والحياة, ويخرجون للتمتع بالطبيعة, وتناول الطعام والأكولات التي لها علاقة بالخصب كالبيض الملون .

المياه تعوق عمل القوى الشريرة, وتقف حائلا دون تحقيق أهدافها العدوانية, وأكثر من ذلك أن تتحول إلى أداة للعقاب؛ ففي حكاية نانا تستخدم الفتاة نانا بعد هربها مع عشيقها وسائل عدة, لمنع أمها الغولة من اللحاق بها, فتحمل معها جرة الماء للاستعانة بها وقت الحاجة, وليفصل الماء بينها وبين أمها؛ فتتحول المسافة بينهما إلى بحور بعد إلقاء زجاجة الماء. تحاول الغولة شرب الماء, ولكنها لم تستطع؛ فيتفجر بطنها. وما يهمنا كيف ساعد الماء الابنة على الهرب, وقضى على الغولة, فكان استخدامه لصالح الخير والخصب واستمرار الحياة .

للماء علاقة مع الحياة وبقائها على شكلها الجميل. بعض الحكايات تتحدث عن غوران الماء نتيجة الظلم, وعودته ثانية بعد زوال الظلم, وله  قدرة عجيبة في تحقيق الأماني والدعوات, كما قالت الغولة في دعوتها للخير لليتيمة, وذلك في حكاية اليتيمة وبقرة النبي :
يا بير يا بير حملها خراخش ودنادش
كل ما انقطع واحد ينبت أربعين(17)

الماء يملك صفات الخير والمحافظة على وجه الحياة الزاهي؛ فهو الذي يسقي الأرض, وينبت الخصب, وهو وسيلة أمينة لحمل طفل حي داخل صندوق تسير به المياه محافظة عليه, كما لو أنه في رحم أمه, والحكايات الشعبية التي تتحدث عن ذلك كثيرة, منها زقزق رقص, إذ يتم التخلص من الوليد بوضعه في صندوق خشبي, وقذفه في النهر, فتحمله المياه إلى منطقة بعيدة حيث يلتقطه صياد ويربيه. وفي قصة قنديل الذهب ترمى فتاة القنديل في البحر بعد أن توضع في صندوق خشبي, فتحمل المياه الصندوق ليطلع لصياد فقير .... ( 18) .

المياه تلبي رغبة الإنسان, خاصة إذا كان مظلوما, تحمله إلى شط الأمان, كما أن طلب الماء يحتاج إلى طقوس معينة, لها علاقة بمحاكاة رمزية الحركة والخلق, كأن يترافق ذلك مع بعض التعابير والاستجداء, أو القيام  بالاحتفالات التي تعني تجديد الحياة, كالفرح, وما يرافقها من إقامة الدبكات والأغاني والزغاريد ... ففي حكاية القطة التي يقطع ذنبها؛ تذهب إلى النبع لتطلب الماء, فيطلب النبع إليها أن تذهب  وتأتي بأطفال صغار يلبسون أحذية حمراء, وثيابا زاهية جميلة, يغنون ويدبكون عند حافته؛ لتتدفق مياهه, وليعطيها ما شاء من الماء .

أحيانا, يكون للدعاء مفعوله السحري الأكيد؛ إذا صدر عن حاجة ماسة, خاصة إذا تعلق ذلك باستمرار الحياة والخصب, لأن للماء وظيفة إعطاء الحياة شكلها الزاهي الجميل؛ فإذا تصادف وجود مياه غائرة, وطلب إليها أن تروي ظمأ طفل صغير؛ فإنها ستفعل, وهذا ما حدث مع مريم العذراء؛ إذ تروي قرويات بيت جالا عن بير عونة أنه" عندما كانت ستنا مريم تحمل طفلها في يوم شديد الحرارة عطش الطفل, وعندما وصلت إلى بئر وجدته ناشفا، فركعت على حافته, وصّلت قائلة:امتلي يا بير؛ تيشرب الصغير.

قدسية الماء :
الماء مهبط عرش الله، وهو مقدس خلق الإنسان منه، ومنه كل شئ حي، ودليلنا على ذلك القران الكريم (وكان عرشه على الماء) (وجعلنا من الماء كل شيء حي) (19 ) فالماء، بشكل عام، مقدس، خاصة النوع الذي يصله بمساعدة قوى شريرة, ولكنها تتصرف معه بشكل جيد, يساعده على الخلاص والحصول على طلبه؛ لأنه يعرف مفتاح سرها.

 الماء مقدس, به يتم التعميد لدى الطوائف المسيحية كافة, كما حوّل المسيح الماء إلى خمر, إضافة إلى كون الماء رمز الطهارة في الإسلام, وهو في كل الأحوال رمز الخصب, وبداية الحياة ؛  لذا وجب على الإنسان الاغتسال بالماء ليظل نظيفا, وعليه دائما اللجوء إلى الحمام لهذا الغرض, وعند انتقاله إلى مرحلة جديدة كما في العرس والحمام, للعريس والعروس, كل يغسله بني جنسه, فيقال للعروس عند خروجها من الحمام :
العروس طلعت من الحمام مبسوطة
كأنها في ليالي القدر مخلوقة
العروس طلعت من الحمام عرقان
كأنها في ليالي القدر خلقانة

إذن فقدسية الماء تتجلى في كونه أداة وحيدة للتطهر والوضوء والاستحمام, وهو المكان المناسب لقسم اليمين, كما في حكاية هق هق يا هالشعيرة, حيث يتم حلف اليمين عند البحيرة, ويغرق فيها الحمار الذي أكل الشعير المزروع؛ إذ نط ووقع في الماء وغرق ومات.

تقام المواسم الفلسطينية في شهر نيسان بجانب الأنهار والمياه والبحر؛ ففي موسم روبين, الذي كان يسمى نهر بعل في أيام الكنعانيين, الواقع في منطقة يافا, (ولا تقتصر الاحتفالات على المنطقة الموجود فيها النهر, بل يأتيه خلق كثيرون من أنحاء فلسطين كافة, حتى بدو النقب, يأخذون خيامهم ويضربونها في تلك المنطقة) فاحتفالات الموسم يقام فيها سباق الخيل وفنون الطرب كافة, وهناك سبب بالنسبة للبدو, هو مشاهدة الحضريات والتغزل بهن, وهذا ما يؤدي إلى الزواج في كثير من الأحيان, وهناك أيضا موسم وادي النمل في غزة, تتم احتفالاته على شاطئ البحر, وموسم الخضر في حيفا ـ الكرمل ـ هذه الاحتفالات الموسمية وغيرها تترافق باحتفالات كرنفالية تقام فيها الموالد النبوية والحضرات, والنـزول إلى الماء والاستحمام. وتلحظ أهمية هذه المواسم والاحتفالات في إصرار النسوة على المشاركة والاحتفال؛ فمثلا تصرّ المرأة  اليافاوية على حضور احتفالات موسم روبينو فتقول لزوجها: يا تروبنّي يا طلقني .

 إن  الاحتفالات عند مصادر المياه ومنابعها والبحر تعطينا فكرة واضحة عن أهمية الماء وقدسيته؛ فاللجوء إليه يعني امتلاك الحياة وإعطاء الخلق ديمومته، فالعديد من الأمهات والفتيات يأتين إلى البحر يكشفن صدورهن رافعات نهودهن ليقبل الله دعاءهن, كما في طلب العزباء من البحر أن يحقق أمنية زواجها :
يا بحر جيتك زايرة من كثر ما أنا بايرة

كل البنات وانا على شطك سايرة


و تلجأ المرأة إلى البحر وتطلب منه أن يكون المولود الذي ستضعه كرا :

 

يا بحر راسي عريانة                   بدي ولد يغطيها

وان ما جاني ولد                     لأقد ثيابي وارميها (20)


وإذا سألنا أنفسنا لماذا يطلب إلى البحر تحقيق الأماني, فنحن نعرف أنه يحتوي على الماء والملح, وكلاهما مقدس, فالماء رمز للخصب, وهو روح الخلق وبدايته, أما الملح فإنه طعام الإله, واجتماعهما يعني القدرة على الفعل :

أيها الملح يا من خلقت في كان نظيف
طعامك للإله جعلك ( انليل )
بدونك لا تمد مائدة في ( إيكور )

بدونك لا ينشق البخور إله أو ملك أو سيد أو أمير

أنا فلان ابن فلان
وقعت أسيرا للسحر
وقعت محموما في أحابيله
أيها الملح حل عني العقدة
ارفع السحر عني وكخالقي
ارفع المجد والتسبيح لك (21)

ويستخدم الماء في الرقية كأداة تطهير, في حال عدم نجاح التخريجة, فتحضر الأم قطعة من الرصاص, توضع في وعاء معدني فوق مصدر حراري, تذوّب ثم تصب في وعاء ماء فوق رأس الطفل، فتحدث صوتا، وترسم شكلا ما، يعتقد أنه التجسيد لصاحب العين التي أدت إلى هذا الوضع، والهدف من ذلك تطهير الشكل الحاصل عن إذابة الرصاص، وأثناء ذلك يقال دعاء خاص اقتطع منه هذه الأبيات :

اخسي يالخسية صاحبة الدروب الردية
اخسي خسيت لا أصبحت ولا أمسيت
حطيناك ببير الغطاس وسكبنا عليك الفضة والرصاص
اسوق عليك الله وجاهه الله مالك بالمكان مكان
شملي واسكني الخراب
وانبحي نبح الكلاب.....(22)

وللتعويذة مفعولها في الحضارات القديمة, وهي تصب فوق الماء لما له من خواص الخصب والسحر, و نقرأ عنها النص التالي  : " فيضطرب الإله لهذا الخبر, ويتراكضون هنا وهناك دونما هدف, ثم يهدؤون ويجلسون صامتين صمت اليأس, ليس هناك من يستطيع مجابهة الموقف الجديد.

إلا ( أيا ـ انكي ) الحكيم :
أيا الخارق الذكاء والمهارة والابتكار
أيا العليم بكل شيء أدرك حطتهم
فكون وأقام إزاءها
تشكيل الكون
وصنع بفائق مهارته رقيته القدسية الغالبة
تلاها ثم ألقى بها على الماء
وصب النوم عليه فأغرقه في السبات (23)

ومعروف عن (أيا) أنه إله الحكمة وإله السحر والرقى, كان يلجأ إلى الرقى ورسم دوائر سحرية تحيط بالآلهة, تقيها و تحرسها, أما معبده ففي أريدو, قرب نبع ماء عذب, وكان يكفي الفقراء من الشعب أن يشربوا من الماء ليشفوا مما هم فيه. وإيل (أبو الآلهة الكنعانية) مقيم في حقل ايل عند منابع الأنهار, وابنه بعل إله الخصب والبرق والرعد مرسل الأمطار, والمسؤول عن سقاية الأرض البور, والتي لا تزال تسمى باسمه أرض بعل حتى يومنا هذا .

الماء كان, ولا يزال, له دور فعال في حياة الناس, فقد نسجت حوله المخيلة البشرية العديد من القصص؛ فتحولت بعض عيون الماء والحمامات إلى مزارات حتى يومنا هذا, فنساء القدس يذهبن في العاشر من شهر محرم يغتسلن بماء حمام الشفاء؛ لأنهن يعتقدن أن مياه زمزم في ذلك اليوم تطفو وتختلط بمائه.

 وقصص الماء لا تنتهي لارتباطها بالخصب والحياة والخلق, بداية بقصة  أو قصص الخلق, مرورا بقصة الطوفان الذي جاء مقدمة لحياة جديدة قائمة على تمثل الماضي والعطاء, ونهاية بالحكايات التي تروي قدسية الماء وقدراته الخارقة, وهذا كان لكل ما يتصل بالماء إله : البحر ، النهر ، البرق ، الرعد, وعند مرض الإله أو اختفائه, أو مرض الحاكم وموته, تمحل الأرض, وتبلع السماء ماءها, فتؤثر سنوات الجفاف على المحصول, فيخرج الناس طالبين الماء, يسيرون فيما يشبه مظاهرة النسوة والأطفال لدق أبواب السماء, واستدرار عطفها. النسوة يحملن الغرابيل والمناخل وحتى الطواحين؛ دلالة على الحاجة, بينما يرتدي الصغار الألبسة البالية؛ ليقنعوا الإله بحاجتهم إلى المطر, كل ذلك مترافق بطقوس معينة, فيها الكثير من الرقص والغناء, أما إذا كانت الحاجة ماسة إلى المطر؛ فيخرج أهل القرية كلهم, بما يملكون من دواب ودواجن, يدورون حول قريتهم دورات عدة, يمضون النهار طالبين الغيث, في قداس أقل ما يقال فيه إنه كشف عن حالتهم السيئة إلى الإله, وإذا تصادف وجود مرتفع قريب يقصدونه, وهنا يجرون طقوسهم؛ لأنهم عندها سيكونون أقرب إلى الل,ه ويطلب إلى بعض الأولياء مساعدة الناس في محنتهم, وإنزال المطر كما كان يفعل بعل الكنعاني :
يا ستي بدرية اسقي زرع البرية
يا ربي تسقينا المطر ببركة الشيخ مطر
يا ربي تسقينا الغيث ببركة سيدنا الشيخ غيث
يا ام الغيث غيثينا بلي بشتوي راعينا
راعينا حسني الأقرع طول الليل وهو يزرع (24)
وفي مقطع آخر يطلب إلى عين سلوان وإلى أيوب الشفاعة وسقاية الزرع :
يا ستي يا ين سلوان تسقي زرعنا العطشان
يا سيدي يا نبي أيوب تسقي زرعنا المنكوب
وإذا شئنا معرفة عمر هذه الطقوس فهي قديمة؛ إذ كانت موكلة بالإله الكنعاني (بعل) الذي يروي السهول العطشى, وينـزل المطر, وتقدم له القرابين, ويطلبون إليه أن يؤدي مهمته :
الأرض عطشانة مطر البعل جميل
مطر العالي على الحقول
كعطر على الصخور
الفلاحون رفعوا توقعوا سقوط المطر
فرغت كوارير الحنطة والذرة
جفت جرار الزيت فرغت دنان الخمر ..
 دخلوا بيت كارت (25)

يركز التراث الشعبي على تقديس الخصب, وبما أن المطر هو الذي يجلب الماء للأرض ويسقيها؛ فقد كان واهب العطاء, سبب حياة الدنيا وربيعها؛ الربيع الذي بقدومه تبدأ دورة الحياة, وتبدأ الاحتفالات التي تستمر طوال فصلي الربيع والصيف, وأيضا حتى بدايات الخريف؛إذ عندما يأتي الخريف تظهر علائم الحزن والموت؛ الذي يتجسد بتعرية الأشجار من أوراقها, لتبدأ دورة الموت, هذه الدورة التي يقتلها مطر البعل, لأن الأمطار كالمياه, تملك روح التمرد والتجدد والعطاء والحركة, تعطي قوة خلقها للطبيعة, ولهذا؛ فالماء له روح الحياة, ارتبطت به بعض التقاليد مثل : مرور العروس ليلة الدخلة من فوق وعاء فيه سيف وماء, ومعروف أن السيف رمز القوة التي تحرس الغرفة, وتمنع الشر من التسلل إليها, وأيضا, أي أرواح خبيثة إن كانت من الإنس والجن أو المردة, ستلاقي المنع ذاته.

أما الماء, فإنه يهب البركة, ويعيد الخلق, ويهب خصبه للعروس؛ لتكون قادرة على الحياة والحمل والإنجاب, وللسبب نفسه تذهب إلى نبع الماء  لتملأ جرتها, لكن يحظر على العروسين قطع نهر  لمدة أسبوع, حرصا على عدم قطع نسلهما؛ لأنهما لا يزالان في بداية حياتهما, ودماء العذرية لم تجف بعد, كما أن رش الماء بعد فعل أو حدث ما, يعني إبعاد هذا الحدث, والتعوذ منه, وكذلك إبعاد الأرواح الشريرة والموت, كان يرش الماء بعد الجنازة, أما في العرس فهو يرش قبل وصول الموكب؛ ليزرع البركة والخصب, أما إذا رشت بعده ففي الغالب تأخذ عكس ذلك, فيصير المقصود بذلك الدعوة بعدم التوفيق, وتؤدي إلى  نتائج عواقبها وخيمة, كما كانت ترش البيوت في أوقات محدودة بالماء, وغالبا لا تترك الغرف بدون ماء, حتى لو كانت فارغة.

 أحيانا, لا يؤدي السحر فعله إلا إذا أحضروا ماء من بيت الفتاة المطلوب سحرها, أحدهم حين علم أن أحد أبنائه ذهب إلى جيرانه وأحضر ماء, فاستطاع أن يفشل زواج البدائل القائم بين الجيران والأقارب, في الوقت نفسه قال لجارته, وهي أم الفتاة المخطوبة والتي أعطت الماء : يا هبلة شلون تعطيهع المي؟ ما إنت عارفه أنهم سحروا بنتك,  و خربطوا الجيزة (26)

إذا قل الماء, وشح النبع, فإن ماردا أو روحا شريرة تكون قد تسللت إلى الماء, وسيطرت عليه, وعندها وجب إعادة الخصب والجريان وتقديم الأضاحي ومنها البشرية, إذ غالبا ما يطلب المارد فتاة ليعيد للماء تدفقه, وإذا لم يتحقق له ذلك؛ فإنه يحاول اغتصاب أي فتاة وحجزها رهينة.
 وهناك حكايات عدة تحكي عن تخليص فتاة جميلة, أحضرها مارد أو تنين,  كما نوهنا في بداية البحث, ما حصل مع مار جريس؛ إذ  ينقذ ابنة الملك التي كان دورها في أن تكون ضحية للتنين, الذي سيطر على الماء. وفي حكاية حشيش بنت العرب يأخذ الغول الفتاة حشيش مقابل الماء, ولكن حشيش التي استطاعت معرفة سير الماء, تحينت الفرصة المناسبة, وصبت السم في كأس المارد, فقتلته. ويسيطر المارد أيضا على الماء في حكاية الغولة, ولكنه لم ينجح؛ لأن المكائد والأعمال الشريرة والأعمال التي لها علاقة بمنع الماء مصيرها الفشل في تراثنا الشعبي, كما لا ينجح الغول الذي يخبئ الفتاة التي اختطفها في بئر الماء, في حكاية الرحيل يا عرب الرحيل, فتعرف أختها بذلك, وتستطيع إعادتها إلى إنسانيتها التي أفقدها إياها الغول, وهنا يكون مصير ه القتل (27).

في تراثنا الشعبي تحذير من زيارة الأنهار ليلا,  ومن سكب الماء على الأرض أو المرور بمحاذاة نبع ماء بعد الغروب؛ خوفا من العواقب التي قد يجلبها هذا الذهاب؛ لاعتقادهم أن كل الأماكن حتى الخَرِبَة مسكونة, وعيون الماء مسيطر عليها بفعل قوى يخشى أن تكون شريرة, إضافة إلى  أن الظلام يضر هذه القوى .

أخيرا, للماء لغته الخاصة, لا يعرفها إلا الأذكياء, وهذا ما اتضح في حكاية المي شو بتقول فتكشف الحكاية قول الماء ممثلا في " أنا في نهر جريت, وعود اخضر سقيت, وبنارو انكويت " أن  الماء روح الحياة. وارد في المأثورات الشعبية كافة, في التطريز والثوب الفلسطيني؛ إذ يدل عليه وجود خط متعرج, أما في المثل الشعبي, فهناك العديد من الأمثال التي تخص المياه منها:

ـ خض المي وهي مي
ـ الميه بتكذب الغطّاس
ـ ابرد من مية كانون
ـ شتوة نيسان بتحيي الإنسان

وترد كلمة المياه في بداية لعبة الحبلة, تحت اسم بوي, وهي أول كلمة ترد في اللعبة, وبعدها كلمات تدل على ما هو موجود في الكون, ونص اللعبة بما يحمل من تعداد منظم قد يضع أيدينا على الهيكل العام نظرية خلق تم المحافظة عليها بسبب إدخالها إحدى ألعاب الأطفال(28). وقبل أن انهي بحثي أود إيراد جزئية من حكاية سمعتها, وأنا صغير, ما زلت أذكرها, ربما لغرابتها حتى اليوم, الراوية أغلب الظن أنها عمتي المتوفاة منذ فترة قالت :
" وكانت المي كل شيء في الدنيا, تغطي الأرض والجبال والبحور, وبيوم من ذات الأيام, قلّت المي فخرجت منو دودة صغير كثير, توها طالعة من البيضة, مشت  الدودة على الأرض, ما لاقت بطريقها حدا, كبرت وشافت ما في غيرها, فسيطرت على الأرض,  وبعدين غيرت شكلها وصارت الإله ". والجدير بالذكر أن عمتي هذه كانت متدينة جدا, تصلي في اليوم ست صلوات؛ الصلاة الزائدة هي  صلاة الضحى, ووقتها بعد طلوع الشمس بقليل, وهي تختلف عن صلاة الصبح . إن هذا الجزء الذي أوردته من الحكاية, إن دل على شيء فإنما يدل على أسبقية الماء وأهميته بالنسبة للكون, وبالنسبة للإله الخالق الذي خرج من الماء .

وفي الربط ما بين حكاية جبينة وأسطورة أدون كشف على درجة كبيرة من الأهمية, لم يسبق لأي باحث التطرق له, وملخص حكاية جبينة: ( أن جبينة ابنة أمير بيضاء اللون كقرص الجبنة, وهذا نتيجة استجابة الله لطلب أمها التي طلبت إليه أن يرزقها ابنة مثل قرص الجبنة, وتسمى جبينة. لجبينة مكانة اجتماعية غير عادية  في أسرتها وفي بلدها. ولها خادمة سوداء اللون, ذهبت جبينة مع الفاردة لإحضار العروس من مكان بعيد, وأخذت معها, كعادتها, خادمتها. ومع الطريق تكيد العبدة لسيدتها, وتستطيع التغلب على جبينة, وتأخذ مكانها, وتطلب إلى جبينة أن تكون عبدتها, وتحقق لها ذلك عن طريق تغير لونهما: بطلاء جبينة بالفحم, ودهنها جسدها بالشيد أو الكلس. صارت جبينة راعية تسرح في البراري, وتشكو همها عن طريق الغناء, بينما تزوجت العبدة أميرا في النهاية, يسمع الأمير غناء جبينة وحزنها, ولدى إصراره على معرفة الحقيقة, تكشف جبينة ما حصل معها, فيأمر الأمير بغسلها, فتعود جبينة إلى حقيقتها بيضاء, عندها يأمر بحرق العبدة, بعد فترة تعود جبينة لزيارة أهلها, فتجد أن  العمى  أصاب أمها؛ لكثرة بكائها وحزنها على ابنتها الوحيدة, والقحط أصاب الأرض وغارت المياه, ومع قدوم  جبينة تخضر الأرض, وتعطي الينابيع مياهها, و تعود الطبيعة كما كانت, بينما تستعيد أم جبينة بصرها. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق