الجمعة، 25 نوفمبر، 2016

بحث عن قانون الاجراءات الجنائية

بحث عن قانون الاجراءات الجنائية
قانون الاجراءات الجزائية
       يعرف القانون الجنائي بأنه مجموعة القواعد التي تحدد الافعال المجرمة والعقوبة المقررة لها وتبين كيفية اقتضاء هذه العقوبة .
       ومن هذه التعريف يتبين أن القانون الجنائي يضم بجانب القواعد الموضوعية المتعلقة بالتجريم والعقاب والتي يطلق عليها قانون العقوبات يضم القواعد الاجرائية او المسطرية التي تبين اقتضاء الدولة للحق العام عند الاعتداء على القواعد الموضوعية ويطلق على هذه القواعد قانون الاجراءات الجزائية.
       صدر قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني النافذ ابتداءً من منتصف مايو 2001م بعد طول انتظار وترقب، وبصدوره يستطلع المهتمون محتوياته لعلها تستجيب لما كان معقوداً عليه من تطلعات، ومعلقاً عليه من آمال.
       يصدر هذا القانون جنيناً حديث الولادة في ظل مؤسسة السلطة الفلسطينية إذ لم يعهد من قبل أن كان هناك قانوناً فلسطينياً خالصاً مماثلاً، يصدر هذا القانون خلال منعطف تاريخي متسم بالدقة على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، وذلك نتيجة التحولات الكبرى والأحداث الخطيرة والمتسارعة التي يشهدها مجتمعنا الفلسطيني ومؤسساته، مع هيمنة المفهوم العام لحقوق الإنسان والحريات الأساسية لدينا، وفي غياب واضح لمفهوم المشروعية التي دست رأسها في التراب أمام التحديات الجسام آنذاك، وافتقاد غير محدود لآليات تطبيق ما صلح منه.
       لقد شكل ولا زال قانون الإجراءات الجزائية نقطة التماس بين الحرية والسلطة، ولذلك سيبقى هذا القانون وثيق الصلة بالأوضاع والتوجهات السياسية باعتباره يرسم هامش الحريات والحقوق الذي تعترف به الدولة للأفراد، والذي يتعين على السلطة العامة التقيد به، واحترامه وحمايته لمواجهة التعسف والظلم، ويحدد من جهة أخرى واجب الفرد نحو المجتمع والتزامه بالضوابط الإجرائية والقوانين المرعية، ضمن أهداف السياسة الجنائية التي يفترض فيها ضمان واحترام شروط المحاكمة العادلة كما تقررها العهود والمواثيق الدولية.
ماهية قانون الإجراءات الجنائية 
       من المبادئ السائدة في التشريعات الجنائية المعاصرة "ألا عقوبة بدون محاكمة"، ومن نتائج هذا المبدأ أن حق الدولة في العقاب يوصف بأنه حق قضائي، ومعنى ذلك أنه ليس للدولة أن تقتضي حقها بالتنفيذ المباشر، وإنما عليها أن تستصدر حكماً قضائياً يكشف حقها ويقضي بنفاذه بعد ثبوته، فتحديد الجريمة وأركانها والعقوبة اللازمة لها لا يكفي بذاته لتحقيق العدالة الجنائية، وإنما لا بد من جهاز خاص لملاحقة المجرم والتحقيق معه ومحاكمته وتنفيذ العقوبة في حقه، وهو ما يطلق عليه بصفةٍ عامة القانون الجنائي.
       وقد درج شراح القانون الجنائي على تقسيمه إلى قسمين رئيسيين: قانون الموضوع وقانون الشكل، فالأول عبارة عن مبادئ وأحكام عامة تتناول ميدان التجريم والعقاب وتحديد المسؤولية الجنائية ودرجة الإثم فيها، والثاني عبارة عن قواعد إجرائية تعني بتنظيم العدالة الجنائية أي البحث عن مرتكبي الجريمة، وتحديد ملابساتها، والكشف عن أدلة إثباتها، ومن ثم إسناد التهمة لهم عبر حكم قضائي، ومن ثم تنفيذ العقوبة المحكوم بها.
       واقتضاء حق الدولة في العقاب يمر بعدة مراحل إجرائية تبتدئ بالبحث عن الجرائم وجمع الأدلة عنها، وتعقب مرتكبيها، ثم متابعتهم أمام القضاء لإصدار الحكم المناسب بحقهم، أو تبرئة ساحتهم، ثم تنفيذ هذا الحكم، كل هذه المراحل الإجرائية التي يمر بها حق الدولة في العقاب ينظمها قانون الإجراءات الجنائية، فهي -المراحل الإجرائية- موضوعه الأساسي.
       من هنا فإن 
(1) : من نتائج هذه الفكرة أن رد الفعل الاجتماعي في مواجهة الجريمة يتسم بطابع قضائي، ويتجسد هذا الطابع في كون الادعاء الجنائي يتولاه المجتمع عن طريق النيابة العامة في مواجهة المتهم، وينتهي الأمر إلى محاكمة جنائية يتولى قانون الإجراءات الجنائية تنظيم ممارستها .
       (2) : ينظم قانون الإجراءات الجنائية أيضاً حق الضحية في الحصول على تعويض الضرر عن طريق الدعوى المدنية التابعة، كما ينظم حقوق الدفاع من خلال آليات وضمانات الحق في محاكمة عادلة، كما يرسم العلاقات القضائية مع السلطات الأجنبية، وغيرها .
المبحث الأول
تعريف قانون الإجراءات الجنائية وبيان أهميته
       المطلب الأول
       تعريف قانون الإجراءات
       قانون الإجراءات الجنائيةC.P.P. اختصاراً لـ code de la procédure pénale أحد أفرع القانون الجنائي إلى جانب قانون العقوبات الذي يحدد سياسة التجريم والعقاب في الدولة، وهما المظلة الأساسية لحماية حقوق الإنسان وحرياته، ما لم تتخذ سلطات دولة ما من  القانون الإجرائي أداة لانتهاك هذه الحقوق وقمعها.
       ويتناول هذا القانون تحديد الدعاوى الناشئة عن الجريمة من حيث ثبوتها وقواعد إقامتها وسبل انقضائها، ثم بيان المسطرة أو المراحل التي تمر بها الدعوى الجنائية، والتي تتبع عند وقوع الجريمة والمتعلقة بالبحث الأولي من تحرٍ واستدلال والكشف عن ملابسات ارتكابها، ومن ثم التحقيق الابتدائي وما يتخلله من عمليات البحث عن الأدلة والتأكد من مشروعيتها، وما قد ينتج عن ذلك كله من مساس بحرية الشخص في حريته أو ماله وجسده، وما يترتب على ذلك من وجوب اتخاذ سلطة التحقيق موقف من كيفية التصرف في الدعوى بالإحالة من عدمه، مما قد ينتج عنه نقل الدعوى الجنائية لمرحلة المحاكمة صاحبة السلطة المطلقة في التأكد من صحة وقوع الجريمة، وإمكانية نسبتها إلى المتهم والبحث في مدى جدوى توقيع العقوبة الملائمة، كما يضمن قانون الإجراءات الجنائية طرق الطعن بالأحكام الجنائية حتى يصبح الحكم باتاً.
       ويمكن تعريفه بأنه ” "مجموعة القواعد التي تتضمن ضوابط نشاط السلطة المختصة وتنظيم إجرائه وهي بصدد تطبيق مقتضيات القانون الجنائي على من أخل بها"
المطلب الثاني
أهمية قانون الإجراءات الجنائية 
1.      يستهدف قانون الإجراءات الجنائية حماية مصالح المجتمع ويرعى في الوقت ذاته مصالح الأفراد، وبقدر ما يتيسر لهذا القانون التوفيق بين المصلحتين بقدر ما يتحقق من أهدافه.
2.      من مظاهر أهمية قانون الإجراءات الجنائية أنه ضروري من اجل تطبيق قواعد الموضوع، إذ أنه يحدد وظيفة القضاء الجنائي في سعيه نحو اكتشاف الحقيقة وتطبيق العدالة بالوصول إلى حكم بات قائماً على اليقين من أن القانون الجنائي قد طبق على الوجه السليم، فيخلص القاضي إلى الحكم بالإدانة إذا تكون لديه الاقتناع الجازم بأن المتهم قد خرق قواعد القانون الجنائي، أو ينتهي إلى البراءة كلما انتفى هذا الاقتناع أو خيم الشك حول نسبة التهمة إلى المتهم، كما أن قانون الإجراءات ومن هذه الزاوية ذات أهمية بالغة في تحديد ما يتصل بوظيفة القضاء الجنائي سواء في مرحلة جمع أدلة الجريمة والتثبت من وقعها، أو في مرحلة تنفيذ العقاب وما يتصل بهما من إجراءات وضمانات، وبالتالي وضع الضوابط المتعلقة بحماية حقوق المتهم ضد ما تتمتع به سلطة الاتهام من مميزات قد تستعمل للإساءة بموضع الاتهام.
3.      تتجلى أهمية قانون الإجراءات الجنائية أيضاً في كونه يتناول بالتفصيل المبادئ الأساسية التي يقرها الدستور، ومن الأمثلة على ذلك المبادئ المتعلقة بحرية الأفراد أو حرمة المسكن.
4.      توصف نصوص قانون الإجراءات الجنائية بكونها من النظام العام، وهو مظهر آخر من مظاهر أهميتها، ويترتب على هذا الوصف أنه لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، فلا يصح التصالح بشأنها إلا ما استثناه القانون صراحةً، كما لا يجوز مبدئياً التحكيم في المنازعات الجنائية، ناهيك أن الطرف المدعي في الدعوى الجنائية هو الدولة ممثلة في النيابة العامة لا حق لها في التنازل عن هذه الدعوى، أو الامتناع عن مواصلة السير فيها بعد طرحها أمام القضاء الجزائي
المبحث الثاني
المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قانون الإجراءات الجنائية 
       المطلب الأول: مبدأ قرينة البراءة La présomption d΄innocence
       المطلب الثاني: الشك يفسر لمصلحة المتهم
       المطلب الثالث: الحق في الدفاع
       المطلب الرابع: إمكانية التفسير الواسع لقواعد الإجراءات الجنائية
       المطلب الخامس: عدم إلزام المتهم بإثبات براءته
المبحث الثالث
تقسيمات قانون الإجراءات الجنائية وعلاقته بالقانون الجنائي 
       المطلب الأول: أقسام قانون الإجراءات الجنائية
       أولا: القسم العام
       يقصد بقانون الإجراءات الجنائية في قسمه العام القواعد المسطرية المنظمة للخصومة الجنائية الداخلة في اختصاص القضاء العادي والمطبقة على كافة الدعاوى التي ينظرها القضاء الجنائي بصرف النظر عن شخص المجرم، أو طبيعة الجريمة محل المتابعة .
       ثانياً: القسم الخاص
       يدل قانون الإجراءات الجنائية في قسمه الخاص على مجموعة القواعد الإجرائية المنظمة للخصومة الجنائية في نوع معين من الدعاوى، والتي تدخل ضمن اختصاص جهة قضائية متخصصة وتسري عليها قواعد إجرائية خاصة 
طرق الطعن في الأحكام وقواعد تنفيذها.
المطلب الثاني
علاقة قانون الإجراءات الجنائية بالقانون الجنائي 
       يرتبط قانون الإجراءات الجنائية بعدة روابط مع غيره من فروع القانون الأخرى بشكل عام، ولكن نظراً لخصوصية علاقته مع القانون الجنائي –قانون العقوبات- باعتبار أن تلك العلاقة تمثل علاقة الابن بأبيه والجزء من الكل فبينهما ارتباط مباشر، فإننا سنتطرق في عجالة فقط لهذه العلاقة.
       يوصف القانون الجنائي بأنه قانون قضائي، ومعنى ذلك أنه قانون لا يطبق من تلقاء نفسه وإنما بتدخل القاضي وبناء على دعوى جنائية تحركها النيابة العامة، تتلوها محاكمة قضائية، والقانون الجنائي بهذا المعنى يحدد نشأة حق الدولة في توقيع العقاب على الجاني ومصدره، في حين يتولى قانون الإجراءات الجنائية تنظيم كيفية التجاء الدولة إلى القضاء من اجل المطالبة بإقرار حقها في عقاب ذلك الجاني بهدف إخضاعه للجزاء المستحق، ومن هنا تبدو التفرقة والارتباط في نفس الوقت بين القانونين.
       فمن حيث التفرقة يتضح لنا أن القانون الجنائي هو قانون موضوعي إذ يحدد الجريمة وعقوبتها، في حين أن قانون الإجراءات في اغلب قواعده هو قانون شكلي إذ يبين كيفية ثبوت هذه الجريمة وسبل توقيع العقوبة المستحقة لها، هذا من زاوية.
       ومن زاوية ثانية ندرك أن قواعد القانون الجنائي تبقى جامدة لا تحرك ساكناً في التطبيق حتى ومع وقوع الجريمة، أما قواعد قانون الإجراءات فهي قواعد حيوية تتحرك بمجرد وقوع الجريمة وحتى النطق فيها بالحكم، لا بل يمكن أن تتحرك قبل وقوع الجريمة وذلك من خلال إجراءات منعها، أو فرض بعض التدابير الوقائية للحيلولة دون وقوعها، كما يتجلى لنا من زاوية ثالثة أن قانون الإجراءات قانون تبعي في شكله إذ لا يمكن الحديث عن إجراء معين مع انعدام موضوعه، وهو ما يمثله في الغالب القانون الجنائي، أي قانون العقوبات.
المطلب الثالث : الفرق بين قانون الإجراءات الجنائية وقانون أصول المرافعات المدنية والتجارية
       - الاختلاف من حيث موضوع القانونيين، ومن هذه الزاوية نجد أن موضوع قانون الإجراءات الجنائية يدور حول ممارسة الدولة لحقها في معاقبة الجاني لحماية أمن المجتمع وصيانة استقرار وإبعاد خطر الجريمة عنه وإصلاح أو/ وإقصاء المجرمين وشرورهم، في حين ينحصر موضوع الدعوى المدنية في المطالبة بحق مدني "عيني أو شخصي" بهدف إعادة التوازن للمصلحة المالية أو الشخصية للمتضرر.
       - من حيث الحق في تحريك الدعوى والتصرف في مصيرها والحقوق المخولة لأطرافها، ومن هذه الزاوية نجد أن النيابة العامة هي صاحبة الاختصاص في ممارسة الادعاء الجنائي، وتبقى ملتزمة بالسير في مطالبتها الجنائية حتى صدور حكم فيها، وبالتالي فالنيابة العامة ملزمة بتحريك الدعوى إذا توافرت مقتضياتها، وفي الوقت نفسه لا تملك حق التنازل عنها بعد إثارتها، وهي بذلك تتمتع بسلطات أوسع من الأفراد ويعتبر حضور الادعاء العام –النيابة العامة- بالجلسات إلزامياً تحت طائلة البطلان.
       أما في الادعاء المدني فإن المتضرر من ورائه هو من يسعى لإقامته، وهو يملك الحق في التنازل عنه متى شاء، وبالتالي فهو يملك بداية تحريك ادعاه ويبقى مالكاً لهذا الحق وله أن يتنازل عنه متى شاء، كما أنه وفي هذا الادعاء المدني يكون كل من المدعي والمدعى عليه من الأفراد العادين أي الخواص وهما بذلك على قدم المساواة، وقد يمثلهما أو ينوب عنهما نائبان دون أن يكونا ملزمان بالحضور شخصياً.
       - اختلاف المراحل والإجراءات التي تمر بها الدعوى الجنائية عن مراحل وإجراءات الدعوى المدنية، فقانون الإجراءات الجنائية يطبق تلقائياً منذ اللحظات الأولى للكشف عن الجريمة وحتى أخر مراحل عمر الدعوى الجنائية، كما أنه يمكن أن يطبق دون وجود واقع معين "جريمة" لتطبيقه كما هو الأمر بالنسبة للإجراءات التي تقوم بها السلطات المختصة لمنع وقوع الجرائم، أو القيام ببعض التدابير الوقائية، الأمر الذي لا يجد له مثيلاً في القانون المدني.
المبحث الرابع
النظم المتبعة في قانون الإجراءات الجنائية 
       المطلب الأول: النظام الاتهامي أو القانوني (Procedure Accusatoire)
       يعتبر النظام الاتهامي من أقدم النظم ظهوراً في الإجراءات الجنائية، ولقد ارتبط ظهور هذا النظام بمعطيات محيطه الاجتماعي، إذ أن سلطة الدولة في ظل هذا النظام لم تكن بالصورة التي هي عليها في النظم الأخرى، ويتمثل جوهره في اعتبار الدعوى الجنائية بمثابة خصومة عادية بين طرفين متكافئين في مراكزهما القانونية، فهي تجسيم لصراع بين طرفين أمام قاضي محايد ويلتزم بإعلان الحق في جهة هذا الطرف أو ذاك.
       وانطلاقاً من تسميته فإن النظام الاتهامي تنطلق فيه الدعوى الجنائية باتهام يوجهه المتضرر لشخص المتهم وليس بشكاية، بحيث أن المتضرر يتحمل كامل المسؤولية في توجيه الاتهام تجاه شخص تسبب لـه في ضرر نتيجة جرم ارتكبه في حقه.
المطلب الثاني: النظام التنقيبي  والتحري (Procedure Inquisitoire)
       كان لظهور الدولة ولو في شكلها الأولي وتطور وظائفها انعكاساً واضحاَ علي السياسية الجنائية بشكل عام، فلقد أصبحت السياسة الجنائية في العصور القديمة أصبحت غير ذات جدوى مع متطلبات التطور في شكل الدولة وتعدد وظائفها، لأنها لا تنسجم –السياسة الجنائية- مع احتياجات تلك المرحلة المليئة بالتطور والتغير في عالم الجريمة وقوة الدولة ونفوذها معاً، ولعل التأملات الفقهية الحديثة والموسوعات القانونية في الفقه الجزائي لاسيما في العقدين الآخرين استتبعت تطورات جوهرية اشتملت على الإجراءات المتبعة حال وقوع الجريمة وكذلك على أساليب المحاكمة للوصول إلى الحقيقة المرجوة .
       ومن نافلة القول أن رغبة الدولة في المحافظة على هيبتها وضمان استمرارها من جهة، وحفظ أمن مجتمعها وصيانة سلامة أفرادها وفرض نظامها من جهة ثانية، دفع الدولة لدخول ميادين جديدة أهمها الميدان الجنائي، مما مهد لظهور نظام التنقيب والتحري، إذن فالدافع لظهور هذا النظام تطور النظرة إلى الجريمة وآثارها، فلم تعد تلك الآثار تقتصر على المجني عليه وحده بل أصبحت تهدد استقرار المجتمع وأمنه، مما ينعكس ذلك كله على هيبة الدولة وسلطتها وبسط سيادتها.
       هذا التغير في نظرة الدولة للجريمة استتبع تغير في إجراءات الخصومة الجنائية، فقد رأت الدولة ضرورة توافر هيئة أو جهة حكومية تتولى زمام البحث عن الجرائم، وتتبع مرتكبيها، وتسليمهم للقضاء الجزائي الذي يتولى مهمة محاكمتهم، وصاحب ذلك تغير لدور القاضي في الخصومة الجنائية الأمر الذي استدعى توسعاً لدور القاضي الجنائي من كونه دوراً رقابياً بحثاً إلى دوراً أكثر فعالية ومرونة.
       وبالتالي فإن نظام التنقيب والتحري هو عكس نظام الاتهام، ومؤداه أن الاتهام تقوم به سلطة عامة تختارها الدولة لتتوب عن المجتمع في زجر المجرمين وإقصاء خطرهم عنه، كما أن القاضي في ظل هذا النظام لا يعين من طرف الخصوم بل من طرف الدولة، فأصبحنا نسمع ما يطلق عليه السلطة القضائية التي تتمتع بدور فعال تجاه الخصومة الجنائية، حيث أن القاضي يلعب دوراً هاماً في سير الدعوى من خلال مناقشة الأدلة والحجج، أو الأمر بها ويسعي بكل السبل التي وفرها له القانون لمعرفة الحقيقة.
       كما تعددت المراحل التي تمر بها الدعوى الجنائية في ظل هذا النظام تبدأ بالبحث التمهيدي، أو ما يطلق عليه في بعض القوانين الإجرائية الجنائية مرحلة جمع الاستدلالات وتنتهي بمرحلة المحاكمة، وتتصف الإجراءات هنا بالسرية والعلنية والشفهية والتدوين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق