الأحد، 27 نوفمبر، 2016

حق المتهم في الصمت

1-      حق المتهم في التزام الصمت :
     إذا كان للمتهم حق المساهمة الإيجابية في الإثبات عن طريق الحق في تقديم الأدلة التي تدحض الاتهام المنسوب إليه فإنه يستطيع أيضاً أن يلتزم الصمت دون أن يفسر هذا الصمت على إنه اعتراف بالتهمة ، ومن ثم دليل على الإدانة. فحق المتهم في الصمت Droit au silence حق أصيل من حقوق المتهم[1] ، الذي يجب أن يسمح له بمساحة حرة في تنظيم دفاعه كيفما يريد ، ولو بالصمت ، دون أن يستنج من هذا الصمت دليل على سلامة ما ينسب إليه من اتهام.
ولا شك أن حق المتهم في الصمت حق حديث النشأة ، ذلك أنه لم يكن مقرراً في العصور القديمة ؛ إذ كان إجبار المتهم على الكلام من الأمور المباحة قانوناً ولو تأتى ذلك باستخدام القسوة والتعذيب[2]. كما أن صمت المتهم قد مر تاريخياً من اعتباره واجبا عليه إلى اعتباره حقا له ؛ إذ أن واجب الصمت كان معروفا في إنجلترا حتى سنة 1898. وفى جلسات المحاكمة كان المتهم لا يستطيع الإدلاء بأية أقوال لصالحه ، كما كان لا يجوز له أن يترافع كمتهم منذ البداية ولم يكن مسموحا له بالكلام ؛ إذ أن محامية كان هو الناطق بلسانه. ولكن اعتبار من عام 1898 كرس في القانون الإنجليزي حق المتهم في الصمت، وأصبح من حق المتهم أن يختار بين الشهادة بالنفي أو البقاء صامتاً[3].

على أن تقرير هذا الحق حين غزا القوانين والمواثيق الدولية قد تم بدلالات لفظية مختلفة[4] ، ففي القانون الأمريكي ، وطبقا للتعديل الخامس للدستور الأمريكي عام 1791 ، يكون للمتهم الحق في البقاء صامتاً (قضية ميراندا عام 1966) ، وفى القوانين الإنجليزي والكندي يعبر عن هذا الحق "بالحق في أن لا يكره المتهم على الشهادة ضد نفسه". وفى القانون الإيطالي تم التعبير عن هذا الحق بأن "يكون لكل متهم الحق في السكوت ولا يساهم مطلقاً فيما يخص تجريمه". وفى القانون البرتغالي يكون للمتهم "الحق في عدم الإجابة على الأسئلة". وفي القانون الفرنسي للمتهم الحق في "عدم القيام أو الإدلاء بأي إقرار" (م. 114-1) ، "وعدم جواز سؤال المشتبه فيه إلا بموافقته" (م. 116-3 إجراءات فرنسي). وفى القانون المصري "لا يجوز استجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك" (م 274 إجراءات مصري).

وهنا يثور التساؤل حول الطبيعة القانونية للصمت ، أي ما إذا كان صمت المتهم يمثل حقاً ، أم حرية ، أم رخصة. الواقع أن الصمت امتياز أساسي يمنح للمتهم في مواجهة المجتمع والسلطات القضائية ، يقف على ذات المستوى مع افتراض البراءة ، والحق في الاستعانة بمحام ، بحسبان أن الصمت يدخل ضمن دائرة حقوق الدفاع. وأياً ما كان المدلول الحقيقي لعبارات حق ، حرية ، رخصة ، فإن الصمت يمثل حقاً ، بحسبان أنه ينسب لشخص طبيعي كان أو معنوي ، وبحسبان أن من التشريعات ما كفل حمايته ضد خطر العدوان ، وبحسبان أنه لا يحتاج إلى تبرير من صاحب الحق فيه حال ممارسته ، شانه في ذلك شأن سائر الحقوق[5].

فالصمت – أياً كانت دوافعه - حق للمتهم ، يمنحه إمكانية اتخاذ موقف سلبي. ويتخذ الموقف السلبي شكل الامتناع عن الإجابة على الأسئلة الموجهة إليه من سلطة التحقيق ، وكذلك الامتناع عن المشاركة في المناقشات ، والتحقيق بالجلسة. فالقانون لا يجبر الشخص على اتهام نفسه بنفسه ، ولكن يكلف النيابة العامة بتقديم دليل الاتهام ، والقول بغير ذلك يهدر كل قيمة لأصل البراءة.

ولما كان الصمت حق[6] ، فإنه يمنح المتهم ميزة الحق في الكذب[7] Droit de mentir. هذا الأخير الذي يعد أحد مظاهر حرية المتهم في الدفاع عن نفسه ، تلك الحرية المقررة للمتهم سواء كان دفاعه صادقاً أم مشتملاً على أكاذيب. وهنا يأخذ الكذب أحد سبيلين : إما يتمثل في إدلاء المتهم بأقوال مناقضة للحقيقة ، وذلك على سبيل الخداع والتضليل ، أو إنكار واقعة حقيقة ، أو إنكار المساهمة في ارتكاب الجريمة بل وتحويل دفة الاتهام إلى شخص آخر. وإما يتمثل في الكذب نتيجة النسيان ، أو تعمد إخفاء واقعة جوهرية تتعلق بظروف الجريمة.

فالكذب يأخذ بالنسب للمتهم – خلافاً للشاهد[8] - نفس أهمية الصمت من حيث اعتباره وسيلة للدفاع. فللمتهم أن يكذب متى كان ذلك سبيله إلى تقرير براءته[9] ، ولا يكلف باتخاذ موقف معين تجاه الأدلة والشبهات القائمة ضده[10]. والاعتراف للمتهم بالكذب يكون باعتباره حقاً ، وليس رخصة كما ذهب البعض ؛ لأنه يتقرر في وقت يكون فيه المتهم معتصماً بأصل البراءة، والقاضي يعلم جيدا أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وأنه لا يمكن الاعتماد على الكذب لتأسيس الإدانة. والقول بغير ذلك يهدر حق المتهم في أن يتخفى وراء أقوال كاذبة، وبالتالي حقه في الدفاع كما يريد، بالإضافة إلى أنه بوسع القاضي أن يطرح الأقوال الكاذبة إذا لم يقتنع بها. وما يؤكد أنه حق أن بعض التشريعات قد نصت صراحة على عدم عقاب المتهم إذا أدلى بأقوال كاذبة (م. 180/2 من قانون المحاكمات الجزائية العراقي ، م. 158 من قانون المحاكمات الجزائية الكويتي). وهو ما أكدته محكمة النقض المصرية بقولها إن "مسلك المتهم في الدفاع عن نفسه بكل السبل لا يصح اتخاذه دليلا على قيام موجب المسئولية ى حقه"[11].

وإذا كان تقرير حق المتهم في الصمت يجد قبولاً في مرحلة المحاكمة[12] ، إلا أن بعض التشريعات قد دعمت هذا الحق كذلك في المرحلة السابقة على المحاكمة. ففي القانون الإنجليزي يجب على الشرطة وجهة التحري إحاطة المتهم بالحقوق التي يتمتع بها قانونا ، وليس لهذا الأخبار شكل محدد ، إذ قد يكون شفويا أو كتابياً.  ويلتزم رجل الشرطة بإحاطة المتهم بأنه غير مكره على الإجابة على الأسئلة التي توجه إليه ، وأن كل قول له يمكن الاستناد إليه قضائياً[13]. وكذا تقرر في القانون الأمريكي هذا الحق في المرحلة الشرطية. ففي عام 1966 كرست المحكمة العليا القواعد التي تطبق على استجواب الشرطة وذلك في قضية ميراندا Miranda   ، ومنها وجوب إعلان المتهم بعبارات واضحة وغير غامضة في أن له الحق في البقاء صامتا ، وأن كل ما يقوله أو يدلى به يمكن أن يستخدم ضده أمام المحكمة ، وإذا فضل المتهم البقاء صامتاً تعين وقف الاستجواب على الفور[14].

هذا الأمر بذاته قد تقرر في قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي الجديد المطبق منذ عام 1989 ، حيث وضع هذا القانون تصوراً جديداً لاستجواب المتهم بمعرفة الشرطة وذلك تحت تأثير تحول هذا القانون من النظام التنقيبي إلى النظام الاتهامي على غرار النظام الإنجليزي. ووفقاً للمادة 350 من هذا القانون لا يجوز استجواب المتهم بواسطة الشرطة القضائية إلا بتوافر شرطين : الأول احترام الضمانات المنصوص عليها في المادة 64 من قانون الإجراءات والتي تقضي بتأكيد حق كل شخص يستجوب في عدم الإجابة على الأسئلة ، أي صمته وحقه أن يخبر مقدماً بهذه الميزة. وتستلزم المادة 64 ضرورة إخبار المتهم بحقه في البقاء صامتاً ولو كانت الجريمة في حالة تلبس. وتلتزم أيضاً بهذا الإخبار النيابة العامة. ومخالفة ذلك يترتب عليه بطلان ويكون إخبار المتهم بالحق في الصمت والمحامي خلال كل استجواب وليس الاستجواب الأول فقط وذلك من أجل تحقيق فعالية الحق في الصمت واحترام إرادة المتهم[15].

وقد اعترف المشرع الفرنسي بحق المتهم في الصمت في مرحلة جمع الاستدلالات بنص صريح بعد تعديل المادة 63/1 من قانون الإجراءات الجنائية بموجب القانون رقم 516 لسنة 2000 الصادر في 15 يونيو 2000 حيث نص التعديل الجديد على أنه يتعين إخبار الشخص المحتجز بوليسياً بحقه في عدم الإجابة على الأسئلة التي توجه إليه من المحققين. وكذا يطبق الحق في الصمت في مرحلة التحقيق الابتدائي وفقا للمادة 116/3 والمتعلقة بالحضور الأول أمام قاضي التحقيق ، حيث تنص هذه المادة على عدم جواز استجواب محل الملاحظة (المتهم) إلا برضاه.

أما على مستوى القانون المصري فليس هناك من نص يقرر حق المتهم في الصمت في مرحلة ما قبل المحاكمة. وإذا كانت المواد 29 ، 35 إجراءات جنائية تعطي الحق لمأمور الضبط القضائي في سؤال المشتبه فيه وكل من لديه معلومات عن الجريمة ، وتجيز له أن يستدعي الأشخاص المشتبه فيهم فإن رفضوا الحضور جاز له أن يستصدر أمرا من النيابة العامة بضبطهم وإحضارهم ، إلا أنه ينعقد الاتفاق على أنه يجب عند سماع أقوال المقبوض عليه أن يسمح له مأمور الضبط بالإدلاء بما يشاء من أقوال بحرية تامة ودون تأثير عليه ، بحيث إذا رفض المشتبه فيه الإجابة على الأسئلة فلا يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يكرهه على الإجابة لأن له الحرية الكاملة في الإجابة أو عدم الإجابة ، فهو غير ملزم بالكلام[16]. هذا الأمر بذاته ينطبق في مرحلة التحقيق الابتدائي- رغم عدم وجود نص صريح - ، تأسيساً على حظر المشرع تحليف المتهم اليمين ، وحمايته من الإكراه حال إدلائه بأقواله (م.302/2 إجراءات).

وتكاد تجمع التشريعات على عدم جواز استخلاص القاضي من صمت المتهم شيئاً في غير صالحة. وبدلالة أخرى ، لا يجوز للمحكمة أن تعتبر الصمت دليلاً على الاعتراف بالذنب أو صحة الاتهام. ففي القانون الكندي لا تستطيع سلطة الاتهام ولا المحكمة التعليق على صمت المتهم أمام هيئة المحلفين ونفس الأمر في القانون الأمريكي ومع ذلك يجوز للمتهم أو مدافعه توجيه المحلفين بأن صمته يجب ألا يؤدي إلى قرينة سلبية ضده. ويقضي القانون البرتغالي بهذا الحكم في صراحة إذ تنص المادة 343/1 من قانون الإجراءات الجنائية على أن صمت المتهم لا يمكن أن يضر به. وهذا ما استقر عليه قضاء النقض المصري حيث قضي بأن "سكوت المتهم لا يصح أن يتخذ قرينة على ثبوت التهمة ضده"[17].

ويقرر البعض بحق[18] أنه وإن كانت القاعدة تقضي بأن القاضي لا يستطيع أن يتخذ من صمت المتهم قرينة على ثبوت التهمة ضده ، إلا أن مبدأ حرية القاضي الجنائي في الاقتناع يحد من فاعلية مباشرة الحق في الصمت ، ذلك أن القاضي يستطيع أن يحتفظ داخلياً بدلالة عكسية من هذا الصمت دون أن يفصح عنها ويكون لها أثر بلا شك على قراره[19].  


[1] لمزيد من التفصيل حول هذا الحق ، د. حسام الدين محمد أحمد ، حق المتهم في الصمت ، دراسة مقارنة ، ط3 ، دار النهضة العربية ، 2003.
[2] د. حسام محمد أحمد ، المرجع السابق ، ص12 وما بعدها.
[3] G. Charlotte, Culpabilité et silence en droit comparé, éd. L²²Harmattan, 1997, p. 103 et s.
[4] راجع :
J. Pradel, Droit pénal comparé, op. cit., 448.
[5] د. حسام محمد أحمد ، المرجع السابق ، ص43 وما بعدها.
[6] يري لبعض أن الصمت هو وضع يستفيد منه المتهم تأسيساً على قرينة البراءة وليس حقاً شخصياً. د. عبد الرءوف مهدي ، حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته ، محاضرات ألقيت على طلبة الدراسات العليا بدبلوم العلوم الجنائية ، المنصورة ، 2000 ، ص28.
[7] يرى البعض أن الكذب إنما هو رخصة للمتهم وليس حقاً ، د. حسن محمد ربيع ، الكذب وحق المتهم في الدفاع عن نفسه ، مجلة الأمن العام ، ع133 ، س29 ، أبريل  1986 ، ص53.
[8] جدير بالذكر أن التشريعات الأنجلو أمريكية تأخذ بفكرة المتهم-الشاهد. ووفقا لهذا النظام يختار المتهم بحرية بين الشهادة أو عدم الشهادة لصالح دفاعه. ففي القانون الأمريكي إذا اختار المتهم عدم الشهادة ، أي التزم الصمت ، فلا يجوز لسلطة الاتهام أو المحكمة أن تستدعيه للشهادة أو الإدلاء بأقواله. أما إذا اختار المتهم الشهادة أو الإدلاء بأقواله فإنه يعامل كشاهد عادي ، وبالتالي يجبر المتهم على أداء اليمين ،      ويتعرض فضلا عن ذلك إلى استجواب مضاد Cross– examination من الاتهام وبالتالي تكون مصداقيته معرضة للانتقاد بواسطة الأحكام السابقة الصادرة ضده. ولا يعرف القانون المصري نظام المتهم الشاهد ، إذ لا يجوز سماع المتهم شاهداً ضد نفسه لما يترتب على ذلك حرمانه من الحق في الدفاع. كما أنه لا يجوز أن يكون الشاهد في وضع الخصم وبالتالي لا يخول للشخص أن يكون شاهداً وخصما في وقت واحد. ويترتب على عدم جواز سماع شهادة المتهم ضد نفسه أن الشاهد يخطر بأنه في موضع الشهادة لا موضع الاتهام. ولقد تبع القانون الفرنسي ذات النهج حين نص في المادة 105 إجراءات جنائية على عدم جواز سماع الشخص إذا كان هذا السماع سوف ينال مما لديه من ضمانات الدفاع ، وإنما يتعين استجوابه كمتهم. د. أحمد فتحس سرور ، المرجع السابق ، ص504 وما بعدها ، د. علاء الصاوي ، المرجع السابق ، ص606-607.
[9] د. عبد الرءوف مهدي ، المرجع السابق ، ص29. 
[10] عكس ذلك د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص681.
[11] نقض 3 يونيو 1968 ، مجموعة أحكام النقض ، س19 ، رقم 133 ، ص657.
[12] غير أن غالبية التشريعات لا توجب على القاضي إعلام المتهم بحقه في الصمت. يستثنى من ذلك قانون الإجراءات الجنائية البرتغالي الذي قرر صراحة أن المتهم يتمتع في كافة مراحل الدعوى الجنائية بحق عدم الإجابة على الأسئلة التي تطرح عليه ويترتب على ذلك أنه إذا لم تصرح المحكمة للمتهم بهذه الإمكانية فإن الأقوال التي يدلي بها تعتبر غير مقبولة (المادة 58/3).
J. Pradel, op. cit., p. 448 ; A. Rodrigues, La preuve en procédure pénale comparée, Rapport portugais, RIDP. 1992, p. 306 et s.
تدعم التشريعات ذات الأصل الأنجلو أمريكي حق المتهم في الصمت خلال مرحلة المحاكمة عبر نظام المفاوضة على الاعتراف Plea Bargaining ، والذي يسمح للمتهم بالخيرة بين أن يترافع كمتهم أو كغير متهم في بداية الجلسة. وهذا النظام عبارة عن مفاوضات تجري بين النيابة العامة والمتهم وتنتهي باتفاق بينهما بموجبه يعترف المتهم بالتهمة الموجهة إليه في مقابل حصوله من النيابة العامة على بعض المزايا ، مثل تغيير وصف التهمة من وصف أشد إلى وصف أخف ، أو حفظ التحقيق عن تهمة أخرى ، أو الحصول على وقف تنفيذ الحكم ، أو الإفراج الشرطي بعد فترة من تنفيذ العقوبة. وبناء على ذلك فإن المتهم بعد أن يحاط علما الأدلة القائمة ضده يستدعي للمرافعة بالجلسة كمتهم أو غير متهم وبقبوله الترافع كمتهم فإنه يتنازل عن الحقوق المقررة له في الدعوى الجنائية ويعترف بالتهمة بكل عناصرها ، وكذلك ليس له أية وسائل دفاع يبديها أمام هذا الاعتراف ، والمحكمة بعدما تتأكد من هذا الاعتراف تحكم عليه مباشرة بالعقوبة. وبقبول المتهم الاعتراف بالتهمة يكون قد تنازل عن حقوق أساسية مثل الحق في الصمت ، والحق في عدم جواز العقاب عن ذات الفعل مرتين ، وكذلك الحق في مناقشة الشهود والحق في طلب تأجيل الجلسة. والحق أن هذا النظام المقرر في التشريعات الأنجلو أمريكية لا يصلح بذاته للتطبيق في الدول ذات الصبغة اللاتينية ، ومنها مصر ، نظراً للاختلاف نطاق الدور الذي تلعبه النيابة العامة في تلك الأنظمة. ففي النظم اللاتينية تملك محكمة الموضوع تغيير الوصف القانوني للواقعة ، بالإضافة إلى أن سلطة النيابة العامة على الدعوى الجنائية تنتهي بمجرد دخول الدعوى في حوزة المحكمة المختصة ولا تملك سوى إبداء الدفوع والطلبات والطعن على الحكم باعتبار خصم في الدعوى الجنائية. فضلاً عن أن تطبيق هذا الإجراء سيقصر وظيفة القاضي على  مجرد التوزيع الأوتوماتيكي للعقوبة. هذا فضلاً عن أن الاعتراف يبطل بسبب الوعد والوعيد وبسبب الترغيب أو الترهيب ، كما أن الحقيقة التي يكون الحكم القضائي عنوانا لها لن تظهر لأن الحكم المبني على هذا الإجراء يكون بدون تحقيق وبدون مرافعة حضورية. وأخيراً فإن من شأن قبول هذا الإجراء في التشريعات اللاتينية من شانه حرمان المضرور من الجريمة من اللجوء للقضاء الجنائي بدعواه المدنية. راجع لمزيد من التفصيل ،
J. Richart, La procédure du Plea bargaining en droit américain, RSC. 1975, p. 397 et s.
د. غنام محمد غنام ، مفاوضات الاعتراف بين المتهم والنيابة العامة في القانون الأمريكي ، دار النهضة العربية ، 1993.
[13] J. Spencer, Le procès pénal en Angleterre, in Procès pénal et droits de l’homme, op. cit., p. 117 et s.
هذا وتجب الإشارة إلى أن القانون الخاص بالشرطة والإثبات الجنائي Police and criminal Act الصادر عام 1984 من أجل مواجهة ظاهرة الإرهاب قد وسع من سلطات الشرطة أثناء التحقيق دون أن يمس حق المتهم في الصمت. راجع :
A. Reid, Un nouveau départ dans la procédure pénal anglaise : Le ''Police and criminal Act'', RSC. 1987, p. 577.
[14] راجع تقرير  الأستاذ ب.ج. جورج حول مرحلة ما قبل المحاكمة في النظام الأمريكي ، أعمال المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي ، حماية حقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية في مصر وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ، الإسكندرية ، من 9 إلى 12 أبريل 1988 ، ص313 ، د. أحمد عوض بلال ، التطبيقات المعاصرة للنظام الاتهامي في القانون الأنجلو أمريكي ، دار النهضة العربية ، 1992 ، ص320 وما بعدها.
[15] M. Chiavario, Le procès pénal en Italie, in Procès pénal et droits de l’homme, op. cit., p. 77 et s.
[16] د. سامي صادق الملا ، حق المتهم في الصمت ، مجلة الأمن العام ، س14 ، ع53 ، أبريل 1971.
[17] نقض 18 مارس 1973 ، مجموعة أحكام النقض ، س24 ، رقم 73 ، ص337.
[18] د. عبد الرءوف مهدي ، حدود حرية القاضي في تكوين عقيدته ، المرجع السابق ، ص30 ، د. علاء الصاوي ، المرجع السابق ، ص610.
[19] ومما يجب التنويه به أن القانون الإنجليزي قد قرر بموجب قانون العدالة الجنائية والنظام Criminal Justice and order Act الصادر عام 1994 أنه إذا كان الصمت لا يبرره دوافع جادة فيجوز للمحكمة والمحلفين أن يستخلصوا كافة النتائج من هذا الصمت في القانون الإنجليزي. هذا الموقف الذي يبرره البعض في الرغبة في مكافحة ظاهرة الإرهاب ، على غرار بعض القوانين التي صدرت في أيرلندا الشمالية منذ عام 1988. د. رمزي رياض عوض ، حماية المتهم في النظام الأنجلو أمريكي ، دار النهضة العربية ، 1998 ، ص58 وما بعدها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق