الأحد، 20 نوفمبر، 2016

الشعر في الحكاية الشعبية


الشعر في الحكاية الشعبية:

        "لم تفترق القصة عن الشعر في القديم، ولا في الحديث، كان القصّاص شاعراً، وكان الشاعر قصّاصاً في الماضي البعيد والحاضر المشهود. ذلكم هوميروس الملقب "بأبي الشعراء" لم يكن إلا قاصاً تأنس إليه نبوة القصة، كما تأنس نبوة الشعر. ودونكم روائع شكسبير وغوته، وأضرابهما من نوابغ القصاص ،كثير من هذه الروائع يستمد من الإطار الشعري روعته، ورونقه .وأخيرا احتفظ لنا الشرق بلقب (الشاعر) يطلق على ذلك القصاص  الجوال ،حين تنعقد  حوله السوامر ،فينشد قصص البطولة،أشعارا على أنغام الربابة ،مصورا فيها شتى  المشاعر،من رقة وعنف ،ومختلف المواقف من هزيمة وانتصار .فالقصة والقصيدة بينهما لحمة،وهما تمتزجان منذ هفت النفس إلى التعبير  والبيان ،ولم يكن ذلك ليتم إلا لأن الشاعر   والقصاص يهدفان لغرض مشترك، ويمضيان إلى غاية واحدة. كلاهما يلتمس الإفصاح عن العواطف والمشاعر، وكلاهما يعالج تمثيل الاستجابة الوجدانية للحياة(29).

        إن استخدام الشعر في الحكاية لم يكن نوعاً من الترف، أو التزيين للحكاية، إنما كان موظفاً لتثبيت غايات ومضامين الحكاية. ويلخص غسان الحسن المواقف التي استخدم فيها الشعر في الحكاية على النحو التالي:
اللحظات الوجدانية: إن مزج الموسيقى والعاطفة، له قدرة أكبر على التعبير من طريقة السرد لوحدها، ولنتأمل ما قيل من شعر على لسان (اجبينه)، لنرى عواطف (اجبينه) الملتهبة:
يا طيور طايرة                       يا مية* يا سايرة
سلمي ع* أمي وبوي*         وقوليلهم* إجبينه راعية
                ترعى غنم، ترعى بقر               وتقيل* تحت الدالية
إنها رسالة (اجبينه) لوالديها شعراً، وبالتأكيد لها أثر أكبر من قولها نثراً أو سرداً..
الغناء: البطل يقوم بالغناء، أو يتغنى بأمنية، أو أمل، لنتأمل كيف يحاول (إحديدون) إغراء بنت الغولة، كي تفتح باب الكيس الذي سجن فيه.
احديدون بالميدان             برعى بجحشة* خالته
سيف أمه ع جنبه             ويصيح* يـا ندامتـه


النداء والإعلان:
        يقصد به الإيحاء بأن الكلمات الحرفية هي التي نقلت لنا، وغالباً ما يختلط النداء بعاطفة أخرى مثل الاستنجاد. ففي حكاية (الغزال) حين استنجد الأخ بأخته لأنهم سوف يذبحونه:
خيتي يا بدور         مظين* لي الخوص    وغلين لي القدور
 كلام الأشياء غير الإنسانية: فهذه الفأرة عندما تستنجد زوجها تقول في حكاية (الفأرة):
يا راكب الفرس والفرفسينة             سلم لي على الفار وابن الفار
وقل لــه زينـة الــدار*             وقعت في البحـر الهـدّار (30)

.






خصائص البناء الفني للحكاية
يتسم البناء الفني للحكاية الشعبية بعدة خصائص، تميزه عن غيره من فروع الأدب الشعبي ومن هذا الخصائص(21):
عدم الولوج في التفصيلات: تميل الحكاية الشعبية عموماً للاختصار في كل عناصرها، فهي تستبعد التفصيلات غير اللازمة، ولا تذكر إلا ما كان ضرورياً لفهم الأحداث، ومتابعة خط سير البطل. فإذا حددت بطلاً لحوادثها فإنها تحدده باسمه (الشاطر محمد مثلاً)، أو صفته، (نص انصيص) أو مهنته (كالصياد)، ولا تتدخل الحكاية من قريب أو بعيد، في تحديد قسمات البطل مثلاً، من وصف لوجهه أو عينيه أو سمنته، وكأنها بهذه الخاصية تهتم بالحدث، والفاعلية وليس برسم الشخصية بكل دقائقها..

إن هذا الاختصار لا ينسحب على شخص البطل فحسب، بل ينعكس أيضاً على الأحداث الهامشية لنتأمل هذا المقطع من حكاية (زقزق رقص):- "… أجوز بنت الراعي، ولدت، جابت ولد، نسوانه اللّي في الأول خبيّن الولد، وقلن له جابت كلب، راح طحاها، بعدين الولد طحينه النسوان هذولاك في صندوق ورمينه في البحر..".
        نلاحظ أن هذا المقطع قد أشار إلى جملة من الأحداث المتتالية، وكل حدث قاد للذي يليه، بشكل تقريري مختصر، وكأن السارد، يذكر هذه الأحداث في عجالة من أمره، ليصل إلى نقطة مركزية، ينطلق منها، ويكون لها أهمية في تحديد مسار القصة… والنقطة المركزية التي أراد أن يصلها السارد في هذا المقطع، ميلاد بطل سجن في قمقم في البحر..

نظام السلب والإيجاب: شرحنا هذا النظام في بند عناصر الحكاية ولاحظنا عند تحليل الحكاية ، أنها تتكون من أحداث يكون نتيجتها في صالح البطل ، وأخرى ضده ، والفرق بين الجزيئات الإيجابية والجزيئات السلبية يؤثر في سير القصة وهدفها النهائي .

 المصادفات المقصودة: تلعب الصدفة في الحكاية الشعبية ، عاملاً مهماً من عوامل الإثارة والتشويق، فحين يقع البطل في ورطة، تثير السامع مشاعر الخوف على مصير البطل، ويكون البطل على مفرق طرق يواجه احتمالات كثيرة، هنا تتدخل الصدفة لتنقذ البطل، وتحله من ورطته، وتحرك الحكاية إلى أحداث أخرى في نفس مسار القصة، وتسبغ الصدفة أيضاً مشاعر الراحة والاطمئنان على السامع.
الاعتبار الأخير: إذا قام عدة أشخاص بعمل ما، فإن الذي ينجح فيهم هو الأخير، وهو بطل الحكاية. فقد يحاول عدة أشخاص تباعاً الوصول لأميرة –في الحكاية، لكنهم يفشلون ولا يصلها، -أو ينقذها- إلاّ بطل الحكاية، والذي يحاول بعدهم.

كيف وظف العرب الحكاية الشعبية؟..
اهتم العرب بأيامهم، وقصصهم في الجاهلية، وذكروا الكثير منها في شعرهم –ديوان العرب-، وما أن جاء الإسلام حتى تمعن العرب بالقصص القرآني، وأغنوا تراثهم، وموروثهم الشعبي بأخبار الفتوحات والمغازي.

        ودخلوا البلدان المفتوحة منتصرين، وكما أثروا في أهل البلاد المفتوحة، فإنهم تأثروا بهم في مناحٍ كثيرة، ولعل الأدب الشعبي أحد هذه المناحي. فأخذوا من الشعوب حكاياتهم، وترجموها، وأضحت أدباً عربياً.. ولعل العصر الذهبي في تداول وتناول الحكايات الشعبية، هو العصر العباسي، وتحديداً عصر "هارون الرشيد"، إذ بلغت الدولة الإسلامية أوج ازدهارها في تلك الفترة، ومما زاد في ثراء هذا الازدهار، ذاك الاختلاط الذي حصل بين العرب وغيرهم من الشعوب، وما أشار إليه د. شكري عيّاد في دراسته في الأدب الشعبي(22) لدور الأصمعي في تداول الحكاية في مجالس "هارون الرشيد" واتهام البعض له في تأليف سيرة عنترة بن شداد، لهو أوضح القرائن التي تظهر ازدهار الأدب الشعبي في العصر العباسي.

        إن هذه الملاحم التي عرفها العرب ليست تشبه بالضرورة وبالضبط، ما عرف عند الإغريق كملحمتي (هوميروس) المنسوبتين له، بشكل أدق: الإلياذة والأوديسا، أو عند الرومان كملحمة (فرجيل) المعروفة بالإنياذة، أو عند الفرس كملحمة (الفردوسي) المعروفة (بالشاهنامة)، ولكنها ملاحم عربية، ومصنوعة من تقليد العرب، وتراثهم، ومن طبعهم الذي يميل للبديهة والارتجال، ومن نظرتهم إلى أن أدبهم العربي زمن نقل الملاحم وهو العصر العباسي، ليس فوقه أدب أياً كان مصدره. وبالطبع ما يعرضه الدكتور "عمر الساريسي" هنا، لا يتناقض، ولا يتضارب بأي حال من الأحوال مع عوامل الأثر والتأثر، بين الأدب الشعبي العربي وآداب الشعوب الأخرى. وكل ما بينه أن الحكاية الشعبية العربية ليست تقليداً أعمى لشبيهتها الرومانية، أو الفارسية، أو اليونانية(23).

        ولم يقتصر دور العرب في الحكاية على تناولها وتداولها فقط، بل استطاعوا توظيفها لتخدم كمّاً وافراً من الأهداف والمضامين، سواء في عصر تأليفها، وفيما تلاه من عصور ولهذا استحقت البقاء والخلود، نتيجة هذا الدور الوظيفي.
        يلخص الساريسي(24) عدداً من هذه المضامين: "وكما أن العرب جعلوا القصة، وعاءً للوعظ الديني، كذلك جعلوها إطاراً للإخبار عن أسمارهم، ونوادرهم، ومجتمعاتهم، وأساطيرهم، وموضوعات التفاخر بين قبائلهم، والتعليم لصغارهم، وعن العشق، والعشاق من شعرائهم، كذلك فإن العرب جعلوا للقصة إطاراً للقصص البطولي، مثل قصة عنترة وقصة سيف بن ذي يزن، وهي ملاحم شعبية أو قصص تتداولها العامة، ولا يأبه لها الخاصة، كذلك فإن القصة تصور لنا الأحداث الجاهلية والإسلامية، وتصف لنا الحياة العربية داخل الجزيرة العربية وخارجها، وقد أريد من تأليفها تثقيف الشعب وتعليمه تاريخه القومي ليتبصر في ثقافته ويتعصب في قوميته.

        وعن دور الحكاية يقول توفيق زياد(25) إنها تصوير للصراع الحضاري، وصراع الوجود الذي تخوضه الأمة، وتثبت الحكاية –كما هو غيرها من فروع التراث- الهوية الوطنية للشعب، والهوية القومية للامة.

        أما علي الخليلي(26) فيصور بالحكاية حركة الشعب، ويركز على حركة الشريحة المسحوقة من هذا الشعب (العمال والفلاحين). وبالإضافة لكل هذه الأغراض فإن الدكتور عبد اللطيف البرغوثي(27) يوظف الحكاية في استنباط القيم والمعايير الاجتماعية، والتقاليد من خلال درس الحكاية وتحليلها. بينما نرى د. شريف كناعنة(28) يرى الحكاية وعاء يتسع للمجتمع، فالمجتمع بطل، وزمان، ومكان، وحدث، وتفاعل وبالتالي قضية اجتماعية.

        إن موضوع توظيف الحكاية الشعبية في المجتمع، بحاجة إلى المزيد من البحث والدرس، والتحليل، لنصل إلى استقراء المجتمع عبر حقبه التاريخية المتعاقبة من خلال حكاياته، ونستنبط المنحى النفسي والعاطفي، والسلوكي، والاجتماعي للشخصية العربية من خلال الحكاية، وما آراء علمائنا التي طرحناها إلا بدايات على هذه الطريق المنهجي العلمي.


* مية: ماء. * ع: على  *بوي : ابي           *قوليلهم:  قولي لهم   *تقيل :تجلس وقت القيلولة
جحشه: أنثى الحمار.                لقدور: جمع قدر (قدور)                يصيح: يصرخ         مظين: جعلن السكاكين حادة. زينة الدار: الفأرة.     الخوص: السكاكين              

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق