الأحد، 20 نوفمبر، 2016

عناصر الحكاية الشعبية


عناصر الحكاية الشعبية:
أ- البطل:
         البطل في الحكاية الشعبية عصب الحكاية، هذا ما يقرره غسان الحسن في دراسته عن الحكاية(14) ، ذلك لأن البطل، هو الذي يقرر امتداد الأحداث، فالحدث فيها تابع للبطل، وليس البطل تابعاً للحدث، فموضوع الحكاية هو البطل أولا وأخيراً، وامتداد الحكاية لا يتقرر بحدث معين حتى ينتهي، وإنما يتقرر بمصير البطل نفسه، ووصوله إلى هدفه.

إن البطل في الحكاية، يمكن أن يكون أي شخص في المجتمع، ويمكن أن يكون كل شخص. حيث تتمحور الحكاية حول الإنسان الشعبي، وتستخدم ما يفيدها من عناصر أسطورية وخرافية، ثم تتطور هذه الحكاية فتنبذ كل ما له صلة، بالأساطير والخرافات لتتجذر حول هموم الإنسان مباشرة(15). أما الشاعر "توفيق زيّاد" فيربط البطل بكفاح الشعب على مر العصور، ويرى أن الوجوه المختلفة للأبطال ما هي إلا صورة البطل الأساسي، الشعب كمجموع(16).

   إن مهمة البطل الشعبي هي الكشف عن الطريق المؤدي إلى النجاح وإن كان وعراً.. وتقتضي مهمته هذه أن يأتي بالخوارق والمعجزات، أحياناً وبأشياء غير عادية، أو مألوفة، فهو ساحر بكلماته، وأفعاله، بحياته وموته، أما الذين يقفون في وجهه، فإما أن يتغلب عليهم، أو يطيح بأعناق قاتليه حتى ولو بطريقة ما، بعد مماته. إن البطل هو المحور الذي تدور حوله الحكاية، وتبعاً لهذه الأهمية، فقد أبرزت الحكاية بشكل جلي:
ميلاد البطل: أظهرت الحكاية تميزه في ولادته ففي محاضرات الأدباء(17) "النيروز هو يوم ولد كيومرث بن هبة الله بن آدم، لأن الجدران اخضرت لمولده، وأثمرت الأشجار لغير أوانها"، وقد تكون ولادة البطل مسبوقة بنذر كما في حكاية (بنات الطرنج) إذ تنذر الأم أن تجري قناة سمن وعسل للناس عامة إذا هي أنجبت، وبالفعل فقد تم لها ما أرادت. وقد يكون الميلاد نتيجة أمنية، كما في (اجبينة)، إذ تمنت الأم أن تلد فتاة بيضاء كقرص الجبن، حينما رأت قرصاً من الجبن.
تميز البطل عن غيره من الأنداد: كأن يكون ولداً لامرأة مسكينة، مظلومة مثل (نص انصيص)، وكجعل هذا البطل محط معاملة سيئة واحتقار. ويمكن للحكاية الشعبية أن تميز البطل بأخلاقه الحسنة، وصفاته، وبطولته.
الفاعلية ومرحلة بلوغ البطل وشبابه: وهذه أهم مرحلة للبطولة، حيث غالباً ما تدور حبكة الحكاية في مرحلة بلوغ البطل وفاعليته في شبابه. وما الموت في الحكاية الشعبية، على اختلاف أنواعها، إلا النهاية الزمنية، سواء كانت مرحلية أم نهائية، يصل إليها الكائن الحي عند انتهاء الفاعلية. فالفاعلية تعني الحركة والاستمرار، وبالتالي فهي تعني الحياة، فإذا انتهت وصل الإنسان للجمود، الذي هو الموت بعينه.
ب- الزمان:
         كثيراً ما تبدأ الحكاية بعبارة "كان يا ما كان في قديم الزمان"، لا شك أن هذه العبارة مبهمة وعامة، ولا تحدد زماناً بعينه، وهناك حكايات أخرى تفصح عن انتمائها لعصور معينة(18) فحكاية (احديدون) تجيز لنا الاعتقاد، أنها تعود لعصر الحديد. (فاحديدون) تعني تصغير لفظة (حداد)، ومما يؤكد هذا الاعتقاد أن الغولة تخشى من حربة (احديدون) الحديدية. ونلاحظ في الحكاية نفسها أن الغولة عدوة (احديدون) تملك وعاءً للطبخ مصنوعاً من النحاس الأحمر، وهذا يدفع للاعتقاد بأن الغيلان هم نوع من البشر المتوحشين، الذين تخلفوا عن ركب الحضارة، وكانوا ما زالوا في عصر النحاس، في حين كان الإنسان المتمدن الذي ينتمي إليه (احديدون) قد دخل عصر الحديد.

وهناك من الحكايات التي نستطيع من خلالها التكهن على اقل تقدير بعصرها ،  وذلك من خلال القيم والمعايير التي كانت تسود ذلك العصر ، فحكاية تحكى عن الجواري والحريم ، نحكم عليها بالانتماء للعصور الوسطى ، وأخرى عن  الأرض ،  والحيوان  ،  والإنسان  ، والاستغلال ، نستطيع أن نرجعها لعصر الإقطاع .. وهكذا
إلا أن أدق طريقة لمعرفة العصور التي سادت أو انبثقت فيها الحكاية ، لا يمكن إن يتم إلا بتحديد (موتيفات) الحكاية، أو أجزائها الأولية، حيث أن كل موتيف يمت لعصر بعينه.
         فالحكاية كما هو معروف ليست بنت قائلها الأول فحسب.. بل اشتركت في تأليفها الأجيال المتعاقبة عن طريق سردها مشافهة، وأحاط بطريقة السرد هذه كل أشكال التحرف والتغير، والحذف والإضافة، تبعاً لحالة السارد النفسية والعاطفية، وتلبية لحاجات المتلقي النفسية والعاطفية، وذلك بما يتلاءم مع ظروف البيئة المادية والمعنوية. ففي حكاية (ست اليدب) مثلاً: نجد الغول، ثم في (موتيف) آخر نجد شعائر العبادة الإسلامية من صلاة وصوم، بينما في (موتيف) ثالث نجد المدرسة، والأستاذ، والطلبة الأوائل. إن هذه العملية التراكمية للجزيئات، تمثل مراحل حضارية مختلفة، وقيم عصور مختلفة أيضاً، فالحكاية هنا ومن خلال هذه الموتيفات الثلاثة يمكن أن تحدد في ثلاثة عصور:
عصر الأسطورة، حيث كان الغول شخصية واقعية.
عصر الإسلام، وانتشار الحضارة الإسلامية بقيمها ومعاييرها.
عصر متقدم أكثر –ربما- من زمن الكتّاب، وهو مرحلة الانتقال من مرحلة الكتّاب إلى مرحلة المدرسة في مفهومها الحديث، إن طريقة التحليل هذه، لمعرفة زمان الحكاية، هي أصدق طريقة تتطابق مع مفهوم الحكاية، وسمتي الانتشار والتداول وبنية الحكاية.
ج- المكان:
         يمكن أن يكون:-
مبهماً وعاماً، لا ذكر له في بداية الحكاية.
قد يذكر بشكل مسطح مثل: "من هان لها(1)، بقي هالزلمي(2)، مجوّز(3) هالمرة(4) وحالته بالويل(5). راح عند ملك الصين…….."
قد لا يذكر مكان بداية الحكاية، ولكن تذكر أمكنة أخرى، قام بها البطل بتفاعلات معينة مثل رحيل البطل من مكان البداية غير المذكور إلى بدل معين…
ولما كانت الحكاية الشعبية حكاية بطل أولاً وأخيراً، وحركة هذا البطل هي موضوع الحكاية، لم يأبه السارد ولا المتلقي بمسألة المكان، إلا من تلك الزاوية التي يكون المكان فيها دخل في تحديد حركة وتفاعل البطل.

فالبطل يقطع الفيافي والمسافات، ولا تذكر أية محطة له كمكان محدد، في هذا المسير، لأن طول المسافات هذا لا يحدد حدثاً للبطل.. في المقابل قد ينام هذا البطل في "كهف"، وتسهب الحكاية أو السارد في وصف هذا الكهف، ذلك للدور البيئي الذي يقوم به هذا الكهف، في صراع البطل، ويأتي وصف المكان، من بيئة السارد والمتلقي، أي أن السارد، يسقط سمات مكانه، أو مكان المتلقي على مكان الحكاية، لأن السارد –ضمن ثقافته- لا يفهم إلا الأمكنة التي يعرفها، كذلك فإن استجابة المتلقي النفسية والعاطفية تكون أكثر للمكان الذي يعرفه، وأولى هذه الأمكنة التي يعرفها، هو بيئته، ومكان سكناه..
د- الحدث:
         ما يقوم به البطل، وما يتوجب عليه القيام به، إن هذا العنصر هو الذي يعكس صورة البطل في الحكاية، وهو أداة التغيير أيضاً، فلانتقال البطل من مرحلة لأخرى لا بد من حدث، ولوصول البطل لغاية نهائية، لا بد من مسلسل أحداث، وعنصر الحدث الذي يشكل مجمل الصراع، هو العنصر الذي يشد السامع، ويسهب فيه السارد، لأن السارد والسامع، يحاولان تبني الحدث، وكأنهما هما بطلا القصة، فيسقطان الحدث على نفسيتهما، من هنا نستطيع أن نفهم، تنفس السامعين الصعداء، بعد حدث معين قام به البطل وخرج من ورطته.. وربما سمعنا أو قمنا بالتصفيق لذلك البطل الذي قام بما يتلاءم ولحظات الترقب عندنا كسامعين..

         والحدث يخضع لنظام السلب والإيجاب(19) فهناك الأحداث الإيجابية (الخيرة)، التي تكون نتيجتها لصالح البطل، مثل حجر تكلم وأعلم البطل عن أفعوان تحته، وحذره من النوم بقربه، وأحداث سلبية: نتيجتها ضد البطل، كالأفعوان يلدغ البطل مثلاً.

           إن هذا النظام يمكننا من تحديد حوادث السلب، والإيجاب في الحكاية، ويزود الباحث بميزان لتقدير (+)، (-)، وهو ما يؤثر بشكل جازم على النهاية المحتمة للحكاية.. ومن الجدير بالذكر هنا، وبعد تحديد الإيجاب والسلب نستطيع أن نخضع الحكاية للمعادلة الرياضية التالية:
مجموع (الأحداث +) -  مجموع (الأحداث -) >1، أي مجموع الأحداث الخيرة، والتي هي لصالح البطل يجب أن تكون أكثر من الأحداث السلبية، لتسير القصة نحو نهايتها الملبية لاحتياجات السارد والسامع. أما إذا قلبت هذه المعادلة –ونادراً ما تقلب-، وكانت الأهداف السلبية أكثر من الإيجابية، فإن هذا يعني عدم تمكن البطل من الوصول للنتيجة المرتقبة، وربما عنت موته، وبالتالي نهاية مأساوية للبطل والحكاية.
هـ _ الخاتمة (النهاية):
         غالباً ما تكون مخرجات نظام الحكاية، وصول البطل لمبتغاه، وتأتي النهاية بأشكال فوز متنوعة: كقتل البطل لعدو شرير، أو وصوله لسدة حكم، أو زواجه من أميرة أو بنت سلطان، وتأتي هذه النهاية عادة تتويجاً لمسلسل الصراع (العمليات) التي يقوم بها البطل… فبينما يتوتر السارد والسامع أثناء تفاعله مع بطله في مسلسل الصراع، نجده في الخاتمة وقد تقلص توتره لدرجة الاسترخاء، والغبطة والراحة. وزيادة في الراحة النفسية والغبطة، قد تأتي الخاتمة، بأكثر مما يتوقع السامع، ممزوجة بعنصر التشويق. ففي الحكاية الشعبية وعندما ينقذ البطل فتاة ما، من مشكلة، فإن النتيجة الحتمية تكون، بتزويج البطل لهذه الفتاة، مكافأة له، وتعزيزاً لموقفه، وقد تأخذ هذه النهاية منحى آخر، لنتأمل نهاية حكاية (بنت اللّي لابسها الجن)، يقول: والد الفتاة للبطل: "البنت اللّي أنقذتها أجتك(20)"*، البطل: مشكور يا عم، بس أنا خاويتها*، قال: أجتك أختها.. فالخاتمة هنا أكبر من توقع السامع، وتعطيه المزيد من الراحة، وهي لا تقتصر على الظفر بالفتاة الناجية، وإنما بمخاواتها، والزواج من أختها.


(1) من هان لهان: بداية عامية تبدأ بها الحكاية.       (2) زلمي: رجل بالعامية.
(3) مجوز: متزوج.                 (4) مرة: امرأة   (5) حالته بالويل: فقير بشكل مدقع
* أجتك: خذها زوجة لك، كمكافأة للبطل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق