الأحد، 20 نوفمبر، 2016

فاعلية الجسد تشكيل لوحات الشعر

فاعلية الجسد تشكيل لوحات الشعر

         يمثّل الجسد بلاغة فنية مكثّفة في الرواية النسائية، يسهم في إنتاج العناصر المشكّلة للإبداع، وتشكيل لوحات شعرية مشفّرة، هذا التميّز في كتابة المرأة، يخلق تلك الخصوصية التي قد تعجز عنها الكتابة الذكورية لنمطية الجسد الأنثوي عند الرجل.
         مع تشكيل الجسد عند المرأة، نعيش المباغتة والتحوّل والانشطار، وما يترتّب عنها من تداع للأفكار، وتوليد للدلالات المطلقة، فيتقاطع الذاتي بالموضوعي، ويلتئم المتعدّد بالواحد الكلّي، كما يسمح للطاقة الخيالية بالعبور  والتسلّل إلى ما وراء الأشياء.
         تسعى الرواية النسائية – دومـا - إلى الاختراق والتجاوز، لكن بنوع من اللين والمرونة، قصد اكتشاف الحقيقة، ومواجهتها عبر الالتحام بالآخر. وظاهرة استحضار (الجسد) في الرواية النسائية تختلف عنها في الرواية الذكورية؛ فالرجل يرى المرأة جسدا ناميا، لا فكرا واعيا، بينما اختلف الأمر في الرواية النسائية، لخصوصية التعاطي الأنثوي مع هذه القضية، والانسجام المتميّز في اللغة التعبيرية عن المرأة التي ترصد أدق الأحاسيس والمشاعر دون خجل أو مواربة، معها يشتبك نبض الجسد مع نبض النص، في لغة متآلفة مبدعة خلاّقة، نلمس فيها فاعلية الجسد، فاعلية الصورة البلاغية المستمدّة منه، وتشكيلات شعرية مشفّرة تضيء أفق النص المؤنث، فتزيل الحجب الفاصلة بين الأنا والآخر، من خلال التشكيل المتجانس الإيقاع والدلالة.
         ولتقريب هذا المعطى، نورد مقطعا سرديا من "ذاكرة الجسد"، على لسان السارد "خالد بن طوبال"، وهو يعلّق على اللوحة الزيتية "حنين" ومدى التقارب بينها وبين "حياة":
         "... نظرت إليك خلف ضباب الدمع ، كنت أودّ لحظتها لو احتضنتك بذراعي الوحيدة ، كما لم أحضن امرأة.. كما لم أحضن حلما.. ولكنني بقيت في مكاني، وبقيت في مكانك متقابلين هكذا.. جبلين مكابرين، بينهما جسر سري من الشـوق والحنين، وكثير من الغيوم التي لم تمطر، استوقفتني كلمة جسر، وتذكرت تلك اللوحة... نظرت إلى اللوحة، وكأنّك تبحثين فيها عن نفسك. قلت: "أليست هذه قنطرة الحبال؟..". أجبتك: "انها أكثر من قنطـرة .. إنها قسنطينة ، وهذه هي القرابة الأخرى التي تربطك بهذه اللوحة ... يوم دخلت هذه القاعـة، دخلت قسنطينة معك، دخلت في طلّتك، في مشيتك، في لهجتك.. وفي سوار كنت تلبسينه..."[i].

   إنّ (أحلام مستغانمي) في رسمها للصورة، تستعير الجسد الأنثوي المشتهى، ليتشاكل عندها، في نظام بديع، مع كينونات رمزية، وطبيعية، وتاريخية، حيث يتناسل الوصف الموضوعي مع الإسهام والهذيان في تشكيل الصورة المستمدّة من الأنثى، أين الدفء والجاذبية والميل الغريزي. وإنّ تحقيق هذا النظام بين دوال الأشياء ومدلولاتها قد لا ينسجم دائما، ذلك أنّ "نظام تشكّل الأشياء واقعا، ونظام تشكّل معنى الأشياء لغة، لا يتلازمان"[ii].
   تلبس اللغة عند (أحلام مستغانمي) لباسا محجّبا، يخفي نصف الحقيقة، ويظهر النصف الأخر. وإنّ "اللغة لتعيش وجودها في جدل مع الواقع، تجاذبه ويجاذبها في فهم الواقع والتعبير عنه، أو تزويره والانحراف به، أو ولوجه والاستحواذ عليه، لا لسيطرة اللغة عليه، بل لتحويله وإعادة إبداعه تركيبا وصياغة وإنشاء"[iii].
   تحاول المؤلفة، في تشكيل صورها الشعرية، فتبدأ من الدلالات التي تدخلها في غلالاتها الضبابية: "... نظرت إليك خلف ضباب الدمع...". و"ضباب الدمع" لها مرجعية دلالية، تتمثّل في الحزن الشديد، أو الشوق الذي يحرق القلب، فيكوّن حاجبا حاجزا للرؤية. ولكن مع سياق النص، نعثر على الدلالة الضمنية التي تعبّر عن حميميّة المشاعر التي ألمّت بالسارد "خالد بن طوبال"، وهو يوشك على احتضان حياة: "... كنت أودّ لحظتها لو احتضنتك بذراعي الوحيدة...".
   فالصورة السردية المحفّزة هنا هو العناق والالتحام، حيث مشاعر العشق والفيض الوجداني ينزف من جسد ينقصه ذراع. وهذا المشهد المحموم المتوتّر الذي هو في حاجة إلى الالتحام لم يقع، بل بقيت المسافة بين الجسد المؤنث، وظلّ الآخر، تمثّل القوّة الفاعلة في مسار السرد النسائي، حيث البؤرة المحفّزة، والمستقطبة لمحاور السرد الباحثة عن الإشباع وعن الارتواء، فلا تكاد تعثر عليه: "... ولكنني بقيت في مكاني، وبقيت في مكانك، متقابلين، هكذا جبليين مكابرين، بينهما جسر سرّي من الشوق والحنين، وكثير من الغيوم التي لم تمطر...".
   تستوقفنا كلمة "جبل"، والجبال من الركائز التي استخدمها سبحانه وتعالى لتثبيت هذه الأرض واستقرارها، فهي من العلامات الدالّة التي لا يمكن أن تتحوّل، ذلك أنّ للجبل من القوة والصلابة ما يجعل الانحراف به أو تزويره أو الاستحواذ عليه أمرا مستحيلا.
   بهذا الاستحضار القصدي لـ "الجبل"، فيه صورة الذات وصورة للآخر؛ هذا الآخر الذي تمثله "حيـاة" التي هي "قسنطينة" الوطن والأرض. غير أنّ (الجبل) الآخر سيمثّله السارد "خالد بن طوبال" الرجل المجاهد الذي حمل السلاح دفاعا عن هذا الوطن، وهو الذي تربطه حلْقة وصل وانجذاب بهذا الوطن، هي حلْقة الشوق والحنين.
   وتحسن (أحلام مستغانمي) التوليد الدلالي المنسجم مع الإيقاع الصوتي، وهو ما يجعل أسلوبها التعبيري يقترب من الشعرية المكتنزة بالرموز، حيث إن الرؤيا عند الكاتبة تؤطّر لفلسفة الجسد، وتجسيد لآلياته المختبئة وراء اللغة الشعرية المشفّرة الغنية بالتأويل.
   فالنص "مكان الذات الذي تتجسد من خلاله رؤاها ومعاناتها وأحاسيسها، في علاقاتها بالكون والكائنات، والنص مكان الذات إذ تتموضع في اللغة، فتجد فيه سكنها، ومن خلال هذا التموضع تجد الذات - أو تحاول أن تجد - هويتها، وهذه الهوية مع الهوية المادية الجسدية هويتان تتحركان في جسد العالم، وفضاءات المكان، وهو تموضع وجودي حتمي؛ لأن المكان الأكبر (الأرض/ الوطن) ، يملك هويته، ويفرض خطابه الاجتماعي والثقافي والحضاري، في علاقة هيمنة وتملك"[iv]، فيكتسب الجسد في الرواية النسائية نكهة مغايرة ولغة وليدة تنشأ عنها تحولات وجماليات.
   ولعل بلاغة الجسد في تشكيل لوحات شعرية مشفّرة يشير إلى تلك العلاقات التي تبحث عن الالتحام والتوافق، فتصبح هذه الظاهرة سنّة كونية، تشمل الطبيعة ومظاهرها الشاعرية المحفّزة، داخل تشكّل المكونات الأخرى. "إنّ إحالة اللغة على الجسد، والجسد على اللغة، وتماهيهما، تجعل من الضروري التذكير بمفصل الكينونة القديم، والإشارة إلى تلك اللحظة التي أنشأ الله فيها جسد الكون بكلمة (كُـنْ) ، والجسد البشري، أو الكينونة البشرية جزء من هذه الكينونة الجسدية الكبرى، ولعلّ النص الصّريح قي قصّة خلق عيسى (عليه السلام) من كلمة اللّه، يشير بوضوح إلى هذه العلاقة المتجذّرة بين الخلق والجسد    واللغة"[v].
   وتتقـن (أحلام مستغانمي) أيضا شعرية الكتابة ببلاغة الجسد الذي يمدّها بلغة طافحة بالشعرية، مشحونة بالدلالات، مثيرة لخيال المتلقي، عبر النبش في مخزون الذاكرة والتاريخ، وعبر تفاصيل الجسد، وعوالمه الثريّة المتجدّدة المتناسلة باستمرار، مما يعبّر بصدق عن مهارة الكاتبة وموهبتها السردية، وبلاغة قصّها الذي يؤسّس لكتابة نسائية مغاربية بامتياز.
   وللاستدلال والتمثيل على هذا الزعم، نتوقف عند رواية "فوضى الحواس" مرة أخرى، والتي تعدّ محفلا إبداعيا ولغويا، مارست الكاتبة من خلاله غواية اللغة وفتنتها، كما تماهت مع الكتابة، مكوّنة منحوتة شعرية من جسد مؤنّث، غطّى فضاء النص إغراء ومتعة.

   "... كنا على مشارف قبلة، عندما جاءت تلك الموسيقى مباغتة لنا، زاحفة نحونا، متباطئة كسلى، ثم متقاربة الإيقاع، بمزاجية الرغبات الطاعنة، تناقضا كخطى راقص على أرصفة الشغف، تحت مطر السماء، كانت الأقدام الحافية، تنقل لنا إيقاعها العشقي، منتعلة خفّة شهوتنا في حضرة زوربا... خلع البحر نظاراته السوداء، وقميصا أسود، وجلس يتأملني.
   رجل نصفه حبر، ونصفه بحر، يجردني من أسئلتي، بين مدّ وجزر، يسحبني نحو قدري، رجل نصفه حياة، ونصفه إغراء، يجتاحني بحمى من القبل، بذراع واحدة يضمني، يلغي يدي، ويكتبني، يتأملني وسط ارتباكي، يقول: "إنها أول مرة، أطل فيها من نافذة الصفحة، لأتفرج على جسدك. دعيني أراك أخيرا..."[vi].

   تظهر الساردة "علامة" أساسية في رواية "فوضى الحواس"، فهي التي تحكي والرجل يستمع، وتبقى الساردة تضيء الأبعاد الدلالية والرمزية، بين الكثافة الشعرية والاسترسال الروائي. إنّهـا تستقطر رحيق الجسد الأنثوي، وتجمع عصارته الجمالية حين ترصف تلك العلاقة الجوّانية بين الـ (هي) والـ (هو)، وتختار حوافزها التي تؤسّس للحبكة الفنية من إيقاع الجسد.
   لقد كان جسد الساردة هاجس الرواية، الماسك بأعنّة شخوصها، معه تجسّدت شعرية السرد المؤسّسة لبؤرة الرواية النسائية ونقطة ارتكازها وأرضية توازنها. وهذه الخصوصية التي يتميّز بها السرد النسائي، تتباين - قوة وضعفا - من رواية إلى أخرى، لعلّ (أحلام مستغانمي) كانت أكثرهن تفعيلا لدفء الجسد وعبقه، وعرضا لتواريخه، وكشفا لأسراره.
   في رواية "ذاكرة الجسد"، بقي السارد "خالد بن طوبال"، و"حيـاة" متقابلين كجبلين مكابرين، بينهما كثير من الغيوم التي لم تمطر[vii]. لكن في رواية "فوضى الحواس" التي هي بمثابة تكملة للرواية الأولى، تمطر الغيوم، ويلتقي الجبلان، ويجتاح أحدهما الآخر عبر نزيف لغوي، نلمس فيه نفس الساردة الساخن بحمّى الكلمات المحبوكة على مقاس الجسد:

   "... أحاول أن أحتمي بلحاف الكلمات.. يطمئنني: "لا تحتمي بشيء، أنا أنظر إليك في عتمة الحبر، وحده قنديل الشهوة يضيء جسدك الآن، لقد عاش حبنا دائما في عتمة الحواس".
   أود أن أسأله: "لماذا أنت حزين إلى هذا الحد؟". ولكن زوبعة بحرية ذهبت بأسئلتي، وبعثرتني رغوة ... على سرير الشهوة. كان البحر يتقدم، يكتسح كل شيء في طريقه، يضع أعلام رجولته على كل مكان يمر به. مع كل منطقة يعلنها منطقة محتلة، وأعلنها منطقة محررة، كنت أكتشف فداحة خسائري قبله. كمن يتململ داخل قفص الجسد.. أنتفض واقفا، كان يريد أن يغادر ذاته، ويتّحد بي.
   أسأله:. "ماذا أنت فاعل بي؟". يجيب: لا تملك الأشجار إلا أن تمارس الحب واقفة. تعالي للوقوف معي" ..."[viii].

   حين نتأمل المادة اللغوية بوصفها (ملفوظا)، نجد معجم الجسد، وإيقاع الرغبة، وطقوس التلاحم الجارف هو المؤسّس للحيّز الأكبر من المدوّنة. وبعد تأملنا للمقطع السردي المنتخب بعفوية، نجده أقرب إلى المشاهد واللوحات الشعرية المتتابعة، والمتقاطعة أحيانا مع الجسد، المحبوكة والمكتملة بوجود الآخر.
   فـ (أحلام مستغانمي) تخط نصا قريبا من جسدها بحيث يتنفّس النص  هواءه، ويعيد أصداءه، ويجسّ نبضه. وهذه (الظاهرة الفنية) هي من خصوصية التعبير النسائي المطارد بعلاقات التماثل بين الجسد وبين الرموز والمعاني الكونية  ومظاهرالطبيعة الأخرى.
   مع (فضيلة فاروق)، نجد تفاوتا واضحا بينها وبين (أحلام مستغانمي) من حيث توظيف الجسد[ix]. لذلك فقد أخفقت، حين حاولت محاكاتها، أو منافستها، ليتحوّل الجسد - الذي يمثّل قيمة جمالية وفنية - إلى شيء مبتذل، نلمس فيه التكلّف، وانعدمت التقنية التصويرية له. كما فقد الجسد عند (فضيلة فاروق) تلك الكثافة الدلالية، وذلك الإيقاع العالي والعنيف، وبالتالي، فقد خصوصية العمل الفني،فكشفت عن عدم امتلاك للتقنيات الأسلوبية المؤثّرة في إنتاج النص التي تملكها (أحلام مستغانمي) بتفوّق.
   وتوظّف الكاتبة الليبية (فوزية شلابي) الجسد كشخصية وهوية، كما تتحوّل الرؤيا عندها إلى فلسفة للجسد، بموجبه تتشكّل حركية نمو الحدث وتطوره. فالجسد هو الذي يخلق التوتّر الدرامي في الجمل الشعرية، ويمثّل شرايين لا مرئية قويّة الدفع والحركة، والاستعانة بأصوات الجسد وحركاته هو الكفيل  بتلك الصور البلاغية التي تجسّد اللوحة الشعرية المبنية على مقاس الجسد في ثورته وصخبه، أو في هدوئه واسترخائه، ذلك الذي ورد على لسان الساردة:

         "... العالم، هذا الحوت الضخم المخيف؟ أسنانه حادة وكبيرة، وهذا الخدر... الأشياء تتلاشى.. الجمرة تخبو رويدا رويدا، وأنا أرقص/ أجمح/ أهمهم / أتلوى كأفعى/ أعدو مثل قطة فزعة/ أكشّر عن أنيابي القديمة، ثم أسقط في هذا الخدر اللذيذ.
   تعال، أجذبك من يدك، آخذك منهم، أنت لي، لي وحدي، تعال لأهرب بك. أجري وسط جموعهم التي تتفرج مد هوشة وحاقدة، يرجموننا بنظراتهم، وأنت، وأنا نركض. إلى أين..؟ لا أدري، لكنني فقط أعرف أنّك معي، أن أمسك يدك، أريد يدك، ولا أعرف !. أضحك/ أبكى/ أغني/ أبتهل/ أسب !. أقول لك أحبك، أقول لك أبغضك. أقول هيا قبلني، اصفعني. ماذا  أريد منك ؟. لا أدري. من أنت؟. لا ادري. متى – أين – كيف – لماذا؟. أرجوك، تسأل أو لا تسأل. أريد سيجارة أخرى. هذا غير معقول. الطرق ملأى بالعربات، والناس، وأكوام القمامة والحفر، والإشارات الضوئية، والمنعطفات، ورجال البوليس، وتقلب الأحوال الجوية، وفضول النوافذ  المغلقة، وشفاه السيدات الممطوطة. إيه.. وماذا أيضا؟! ..."[x].

   توحي المشاهد والوقفات السردية، بتبعثر الجسد المتشظّي تحت سلطة الرغبة المكبّلة بالإلغاء والمصادرة. فالنص مكتنز بتفاصيل الجسد المشحون بحركية الاجتياز إلى الآخر المعشوق، حيث يوظّف الجسد هنا، ليستوعب تجربة شعورية وشعرية، تعطي أجواء الغبطة الراقصة لهذا الجسد الذي  داهمتة خيول الشوق، شوق الآخر الغائب: "... وأنا أرقص/ أجمح/ أهمهم/ أتلوى كأفعى...".
   وتواتر ارتباط غبطة الجسد، وشراهته المحمومة بـ (الجمرة) و(القطة) و(الأفعى)، وهي محاولة تدخل في تسمية الأشياء بغير أسمائها ذلك أن "الألفاظ التي يعمل وجودها في نسقها الدلالي على إخراجها من دلالاتها القريبة المباشرة المعروفة، ويحصرها بدلالتها الجنسية الصرفة ، من خلال جعلها تشكّل ثوبا شفافا، وظيفته الأولى: لفت الانتباه إلى المنطقة المثيرة، وليس إلى سترها وتغطيتها[xi]."
   حين نصغي إلى النص، نشعر برغبة "جسد السادرة"، باعتباره كمون انتظاري، وطاقته كامنة تسمح بالتغّير ولكن إلى أين؟. "... أقول لك: أحبك، أقول لك: أبغضك، أقول: هيا قبلني، أصفعني، ماذا أريد منك...". ما تريد الساردة تحرير الجسد النسائي من المفاهيم المتداولة، وتأكيد الكينونة من خلال الإحساس بالأشياء والاندماج فيها. ويبقى "الجسد بمثابة الحاضن للتحوّل في الدلالات والرؤيا من المستوى الرمزي التجريدي، إلى المستوى الرمزي في الثقافة الشعبية، تماما كما لو أن الجسد أصبح ذلك الوسيط الشفّاف بين قناتي الوعي واللاوعي، وبا لتالي، تتولّد الرؤيا بفعل الصورة أو الهيئة المعطاء للجسد، والمعنى المنبعث منها"[xii].
   ثم تأتي (زهور كرام)، فتكسر جدار الصمت بتمرّدها وثورتها على الكثير من القيود والعوائق الاجتماعية، ولكنها لا تبرح جسدها؛ فهي تسكنه، وتكتفي بتفاصيله؛ لتكتب منها رواية تسمى: "قلادة قرنفل ".
   تغدو الساردة شخصية محورية فاعلة في اختراق (جبّة العمّة).. وقد أحسنت الكاتبة في ذلك التداعي الذي يولّد من الكلمة الواحدة موضوعا من خلال السياق المونولوجي وتداعياته. جاء على لسان الساردة:

   "... هو الذي حثّني على السير للقياه، كلّما هاجت نفسي، لكي أرتوي.. لكي أعانقه، أعانقني، أدور في الغرفة.. أرتطم بأشلاء حميميتي.. اختلطت فوق الأرض، تبعثرت، تمزّقت، تعريت، أشعر بالبرودة تلسعني.. برودة العري والفضح.. وأنا منتشرة غسيلا على الأرض، أفتّشني، يستعصى عليّ الأمر، أقلبني ورقة ورقة، أصبح كتابا تافها.. منسيا، ذكرى مخذولة، أين الطريق إليه. هل اغتصبوه.. سرقوه..
   انتبهت إلى انسحاب الشمس من الغرفة، خرجت من النافذة دون أن أدري.. انشغلت عنها.. جمعت خيوطها وانصرفت بهدوء.
   حسنا فعلت، حيث أضأت نور الغرفة.. مازلت أبحث عن الكتاب عن أثر العشق.. حيث أعياني الدوار.. ارتميت فوق السرير، وعيناي على السقف، فيما أفكر.. لا أدري.. ذهني منشغل... أعرف، أسبح في فضاءات..   أركب صورا، تحضرني كل  الأسماء..."[xiii].

   تكتب (زهور كرام) من خلال التوحّد مع جسدها، ومع ذاتها، ومن ثم، كانت الرواية معها هجرة داخل الجسد الذي ما فتئ يقف حائلا دون الصدام العلني، والمواجهة الحقيقية.
   ومن أجل استفزاز النص، واستفزاز القارئ من بعد ذلك، تركن الكاتبة إلى نسق سردي تركيبي، عماده وحدات نحوية قصيرة غير مقيّدة دلاليا، تتوسّل بها للتعبير عن آفاق التجربة الإنسانية المفتوحة، ومن هنا، ترد الأفعال الموجّهة إلى الذات، لتتحوّل بعد ذلك إلى (مفعول به)، مثل: "... لكي أعانقه أعانقني، تبعثرت تعريت، تلسعني، ..."، كما نلمس التكرار المعجمي، مثل: "... أركب، أركبني،..."، الذي يتحوّل إلى مؤشّر صوتي متكرّر، يكثّف المدلول الصوتي للألفاظ.
   كما نجد الكاتبة تكسّر (نمطية) الخطاب، ومألوف اللغة، فتعتمد على (المجاز)، وهي بهذا توجّه منظور الرؤية ليكون للأشياء بعدها المغاير، ونكهتها المميّزة، مثل: "... انتبهت إلى انسحاب الشمس من الغرفة، خرجت من النافذة دون أن أدري ...".
   لقد أحسنت (زهور كرام) في صياغة جملها السردية، حين أقامتها على (شعرية اللغة)، من خلال الانزياح الذي يشغل ذهن المتلقي، ويربك أفق انتظاره.
فذات الساردة تفتّش دوما في الجسد، وتستأنس بظلّه، وتختبئ بداخله، وتنجذب إلى التأمل في الآخر الذي يعتبر عناقـه عناقا لجسدها وذاتها، مثل ذلك، قولها: "... لكي أعانقه أعانقني، أركبني..."
   تعمل (زهور كرام) على تحرير (الآخر) بوصفه جزءا جوهريا في تحرير الذات، وتحرير الجسد. وهي بهذا، تحاول تحطيم التراث، من خلال الاختفاء وراء جدران الجسد وجغرافيته، لذا، كان التشابه النحوي والصرفي بين مفردات اللغة التي تعمل على نسق واحد، كون الكتابة يمتزج فيها المشهد المرئي الحسي بمشاعر السادرة الساعية إلى إرباك قواعد اللعبة السردية، من خلال تشتيت البرنامج  السردي، من (الثابت) إلى (المتحوّل)، حيث الإفرازات الجديدة المتناسلة للتحولات المتسارعة، قصد تغذية السرد، وتحريكه، مثل تحوّل الساردة إلى غسيل، ثم إلى كتاب.. وهكذا، يبقى مسار التحولات خاضعا لنفسية السادرة، ووضعها الجسدي الباحث عن كيانه، ووجوده.
مع (آمال مختار)، نجد توظّيف الجسد يأخذ طريقة هي أقرب إلى المباشرة والحسيّة، حيث تستبد به الواقعية في صياغة المشهد، ففقد الجسد خلاها شحنته الدلالية، وضاعت رموزه الدالة، جراء سعي الكاتبة إلى الالتقاط المباشر لتلك الفاعلية المشهدية (البصرية) التي تجعل التوظّيف الجسدي ماديا، يفقد سخونته وفتنته، ويخيّب أفق انتظار القارئ، كونه يجهر ويعلن ولا يخفي، لذا، كانت نصوص (آمال مختار) السردية أبلاغية، إخبارية، أكثر من بلاغية، إشارية[xiv].

   وعلى الرغم من ذلك، يبقى الجسد في السرد النسائي، يمثّل الومضة الإبداعية التي تحمل الكثير من الدلالات المشحونة بالاحتمالات المضاعفة، يكفي معها القول إن الجسد غدا قناعا ملازما لإبداع الأنثى، حيث "القناع يتعمّد لفت الانتباه إلى القيمة الخاصة التي تنطوي عليها المنطقة المقنّعة المستشفّة، وهكذا، تتحوّل هذه الكلمات إلى درجة أخرى من درجات البوح، وبعدا من أبعاده، وليس إلى مجرد مجاز لغوي


[i]- أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، صص133 - 135.
[ii] -  منذر عياشي، الكتابة الثانية وخاتمة المتعة، مرجع سابق، ص.47.
[iii] - المرجع نفسه، ص. 39 .
[iv] - فاطمة الوهيبي، المكان والجسد والقصيدة (المواجهة وتجليات الذات)، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط.1، 2005، ص. 43. 
[v] - نفسـه، ص. 13.
[vi] - أحلام مستغانمي، فوضى الحواس، ص. 287.
-[vii] أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص. 133 - 134 .
[viii] - أحلام مستغانمي، فوضى الحواس، ص 288- 289 .
-[ix]ينظر، فضيلة فاروق، اكتشاف الشهوة،مصدر سابق
[x] - فوزية شلالي، رجل لرواية واحدة، ص. 97.
[xi] - صلاح صالح، سرد الآخر (الأنا والآخر عبر اللغة السردية)، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط.1، 2003، ص. 161.
 -[xii] محمد  الحرز، شعرية الكتابة والجسد (دراسات حول الوعي الشعري والنقدي)، مطبعة الانتشار العربي، بيروت، ط.1، 2005، ص. 33.

-[xiii]  زهور كرام، قلادة قرنفل، ص.167.
[xiv] - آمال مختار، نخب الحياة، مصدر سابق
[xv] - صلاح صالح، سرد الآخر، مرجع سابق، ص.161

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق