الأحد، 20 نوفمبر، 2016

وظائف الأدب الشعبي


وظائف الأدب الشعبي:
         إن كل نوع من أنواع الأدب، بل كل قطعة أدبية شعبية، لها وظيفتها المعينة، والوظيفة: هي الدور الذي يقوم به الجزء أو النوع في الحياة الثقافية لدى شعب معين(30). فالأغنية الواحدة لها وظيفة واحدة، أو أكثر، وقد تشترك معها أغانٍ أخرى بل أشكال أخرى كأمثال، أو أساطير، أو حكايات للقيام بنفس الوظيفة. وهذه بعض الوظائف التي يقوم بها الأدب الشعبي:
1- الوظيفة الجماعية:
ينتمي كل إنسان إلى جماعية معينة، ويشعر بهذا الانتماء، ويتكيف تبعاً لانتمائه، وقد قيل "الإنسان مدني بالطبع"، والإنسان اجتماعي بالطبع"، ويمكن أن يقال أن "الإنسان منتم بالطبع" أيضاً، فالفرد في المجتمع الفلسطيني مثلاً ينتمي لفكر سياسي معين، أو ينتمي لأسرة، أو حامولة، أو ينتمي لقريته، وقد يتحول هذا الانتماء إلى نوع من العصبية أحياناً، إن هذا الانتماء، وهذه العصبية قد انعكسا بأصدق الصور في الأدب الشعبي، والمثل التالي من أغاني النساء الذي يمجد رب الأسرة، أو زعيم الحامولة، وهي ما تسمى "بالمهاهاة" تعكس بصدق صورة التعصب(31).
      هي يا بي فلان لا ترخي الحبل بيـنا       هي ولا تشمت بينا يا طيب الفالـي
     هي وحنا إن رحلنا جعلناك الدلول لينا         هي وحنا إن نزلنا جعلنا بيتك العالي(32)
المهاهاة: أو الزغرودة: أغنية نسائية منفردة، تقابل الموال الذي يغنيه الرجال(33)، والزغرودة من أربع شطرات غالباً، وتنتهي بزغرودة من النساء الأخريات ويبدأ كل شطر بأداة النداء العامية (هي) بمد الياء وإمالتها كما في كلمة (بيت) بالعامية. ويتجلى هذا الانتماء، والتعصب للبلد، ولأهله في مقطع هذه الأغنية الشعبية النسائية:
طاب العز وطاب الكيف          اتمايلي عطارية
ع حفلتك يا محــمد            عزومة ع الكلية
طاب العز وطاب الكيف          اتمايلي يا م سوارة
ع حفلتك يا محــمد            عزومة ع العطارة(34)
ويكبر هذا الانتماء ليعطي معاني أوسع، وأكبر:-
طاب العز وطاب الكيف          اتمايلي يام المنديل
ع حفلتك يا محمــد            عزومة ع أهل الخليل(35)
ويتسع الانتماء أكثر لإعطاء المزيد من الشمولية:
طاب العز وطاب الكيف          اتمايلي يام الجكيت
ع حفلتك يا محمــد            عزومة على الكويت(36)
ومن منطلق الانتماء هذا تناجي العروس القاضي (كاتب عقد القران):
سجل يا قاضي سجل     واطلعوني غريبة           واطلعوني غريبة
                وامي في البيع تعيط    واختي تقول الحبيبة      واختي تقول الحبيبة
سجل يا قاضي سجل     واطلعوني من البلد        واطلعوني من البلد
في البيت تعيط            واختي تقول للأبد        واختي تقول للابد(37)
لحن جنائزي.. تبثه العروس، تستدر به عطف القاضي، كي لا يزوجها خارجاً عن بلدها.

2- ترسيخ القيم والمعارف الثقافية ونشرها:
تنظم حياة الإنسان حصيلة من القيم والمعارف الثقافية، ولقد لجأ الإنسان إلى أساليب وطرق مختلفة لنشر هذه المعارف منها: الأدب الشعبي، الجامعات، وسائل الإعلام، الأندية وغيرها.. ولعل الأدب الشعبي كان أهمها في وقت من الأوقات، حيث ضآلة حجم وقلة فاعلية الوسائل الأخرى، ولم يقتصر دور الأدب الشعبي في ترسيخ القيم والعادات ونشرها فحسب، بل ساهم أيضاً في نقد السلبي منها ونبذه(38). والآن لننظر كيف تعامل هذا الأدب مع النذل من خلال لقطة من لقطات الدلعونا:
جفرا ويا للربع تحط التبن بالخيــش     واللي جوزها نذل ترخي السوالف ليش
لهجر بيوت الحجر وسكن بيوت الخيش         وعيـش مـع البدو ووخذ بـدويا(39)
في الشطر الأول يتساءل هذا الأدب لماذا تتزين المرأة لزوجها النذل، هذا الزوج غير الجدير بها لنذالته. ولنأخذ قيمة أخرى يحافظ عليها المجتمع الشعبي، وهي النظافة.. فالدلعونا قالت:
البس الروزا واحفظ قيمتها             يا الله العن أمك ما أقرف شوفتها
بدري عفانة وإلاّ عـادتها                    وإلاّ ما فشي حق الصـابـونـا(40)
وتساند الأمثال الشعبية الأغاني في الحض على النظافة، فمن الأمثال الشعبية: "حلوة من حلاوتها، ومالح من عفانتها"، "يا أم الخلاخل والبلا من داخل"(41) وغيرها.

3- الوظيفة النفسية والعاطفية:
تتمثل هذه الوظيفة في تعبير الجماعة، عن حالاتها النفسية والعاطفية، بشكل سار مفرح في الأحداث السارة، وبشكل حزين كئيب في الأحداث الحزينة.
فحينما تحتفل الجماعة بحدث كالزواج، والولادة والختان مثلاً، تعبر عن سعادتها من خلال التراث، وحينما تنتاب الجماعة الآلام والأحزان نتيجة لموت عزيز، أو ظلم واقع، أو شقاء وحرمان.. فإنها تلجأ للتراث أيضاً، وكذلك يلجأ المحبون والعاشقون إلى التراث يبثونه عواطفهم وآمالهم(42). ولننظر ونتأمل كيف قارنت امرأة بين الأمس المظلم، واليوم البهيج في حفلة عرس:
ع الدوم عيني ع الدوم          وش جاب امبارح لليوم
وامبارح بقت عتمة                واليوم قمر ونجــوم (42)
وفي دبكة الهيجانا يعبر الرجال عن فرحتهم (بالعريس)، من خلال الرقص والغناء معاً:
من بين العربان من بين العربان              شوقي مرق خيال من بين العربان
والسرج ذهبان والسرج ذهبان            والمرشحة فضة والسرج ذهبان
يما انداهيله يما انداهيله                      شوقي مرق خيال يما انداهيله
وَنا بحكيله وَنا بحكيله                                 بس أطلعي برة ونا بحكيله
بيضة ورفيعة بيضة ورفيعة                   نزلت من التاكسي بيضة ورفيعة
كوني مطيعة كوني مطيعة                   الحماة للكنة كوني مطيعة(44)
حيث ينقسم الرجال إلى صفين متوازيين، صف يغني والآخر يردد ما يقولون، وسط تصفيق وزغاريد المشاهدين. ويبث المحب لوعته من خلال الدلعونا:
جفرا ويا للربع من هونا لأرض الدير          والسر اللي بيننا شو وصّلوا للغير
وان كان ما في ورق لكتب ع جنح الطير     وإن كان ما في حبر هلن يا عينيا(45)
هذا في الأفراح، أما في حالات الحزن، والوفاة فنسمع:
قصين الشعر يا صايناته ليش              قصين الشعر ع طعامين العيش*
قصين الشعر يا صايناته عاد              قصين الشعر ع طعامين الزاد(46)
4- الوظيفة النقدية التربوية:
تمثلت هذه الوظيفة بشكل جلي واضح في الأمثال، فأخذت طابع تعليم الفضيلة، والقيم الرفيعة..
"ظب قرشك الأبيض ليومك الأسود"، مثل شعبي يقال لتوجيه المسرف وتنبيهه من عاقبة الإسراف. "صرارة بتسند حجر" مثل يحض على التعاون. "الوفق فيه الرزق" يحض على التعاون أيضاً.. ولم يكن المثل هو الفرع الوحيد الذي ظهر فيه التعليم، بل ظهر التعليم أيضاً من خلال الأدب الشعبي في الحكاية الشعبية، والنكتة والنادرة.. ومن خلال المشاهد المسرحية  الساخرة، التي كانت تقام بشكل عشوائي وتنقد سلبيات الأحوال السائدة(47).
5- وظائف أخرى مختلفة، ومنوعة، مثل أغاني "صبة السطح"، و"عقد البيوت"، وأغاني الحصادين، والأغاني التي تصور أشياء مادية أو معنوية.. ولنختم هذا الفصل ببعض هذه الصور من أغاني الحصاد:
يا ميمتي سكّي الطبيخ              ربع الدرابي روحت(48)
من أغاني "صبة السطح":
ولّع الباطون ولّع                   واللي ما يشتغل يتقلع(49)
وفي تصوير الوضع السياسي في مرحلة حكم الليكود بزعامة بيغن، يغني الزجال الشعبي أبو أشرف العرابي:
بكفي يا أمريكا وعود             إلى بيغن هالإرهابي
بدو دولة مالها حدود              حتى المرج بعرابي
حتى المرج بعرابـي
يا بيغن هذي أوهام              أمريكا مش راح أدوم
حزب العمل قبلك قام             في بحرنا مالـو عوم
طياراته بفعل السام               أحرمناها كيف تحوم
كله هذا نسور الشام             والفدائي الهيابــي(50)
بكفي يا أمريكا وعود           إلى بيغن هالإرهـأبي



الهوامش:
1.    علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، البيرة، منشورات جمعية إنعاش الأسرة، الطبعة الثالثة 1993.
2.    صالح، أحمد رشدي، الفنون الشعبية، القاهرة. وزارة الثقافة والإرشاد القومي طبعة 1961.
3.    علقم، نبيل، مصدر سابق.
4.    علقم، نبيل، مصدر سابق.
5.    صالح. أحمد رشدي، مصدر سابق.
6.    د. البرغوثي، عبد اللطيف، ملامح الأغنية الشعبية الفلسطينية، محاضرة ألقيت في مركز تدريب المعلمين في رام الله 1993.
7.    علقم، نبيل، مصدر سابق.
8.    خورشيد، فاروق، عالم الأدب الشعبي العجيب، القاهرة. دار الشروق الطبعة الأولى 1991.
9.    الساريسي، عمر، ماهية الفلكلور، عمان. مجلة الفنون الشعبية، العدد الأول، كانون ثاني 1974.
10.        صالح، أحمد رشدي، مصدر سابق.
11.        علقم، نبيل، مصدر سابق.
12.        تيمور، محمود، فن القصص- دراسات في القصة والمسرح، مصر. مكتبة الآداب ومطبعتها، الطبعة بلا تاريخ.
13.        تيمور، محمود، مصدر سابق.
14.        د. ذهني، محمود، الأدب الشعبي العربي- مفهومه، ومضمونه- مكتبة الأنجلو مصرية، الطبعة بلا تاريخ.
15.        د. ذهني، محمود، مصدر سابق.
16.        هذه الحكاية مما سمعه الباحث من عبد الرحمن دراغمة من طوباس.
17.        سرحان، نمر، الحكاية الشعبية الفلسطينية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسة والنشر، طبعة 1974.
18.        د. ذهني، محمود، مصدر سابق.
19.        الحاوي، إيليا سليم، نماذج في النقد الأدبي، وتحليل النصوص، بيروت. دار الكتاب اللبناني، طبعة 1996.
20.        د. ذهني، محمود، مصدر سابق.
21.        د. ذهني، محمود، مصدر سابق.
22.         الحاوي، إيليا سليم، مصدر سابق.
23.        صالح، أحمد رشدي، الفلكلور العربي المعاصر، مجلة الفنون الشعبية، العدد الرابع. نقلاً عن علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور.
24.        د. ذهني، محمود، الأدب الشعبي العربي، مصدر سابق.
25.        د. ذهني، محمود، الأدب الشعبي العربي، مصدر سابق.
26.        السياب، بدر شاكر، ديوان أنشودة المطر – المجلد الأول، بيروت. دار العودة، طبعة 1971.
27.        خورشيد، فاروق، عالم الأدب الشعبي، مصدر سابق.
28.        خورشيد، فاروق، عالم الأدب الشعبي، مصدر سابق.
29.         هلال، محمد غنيمي، الأدب المقارن، بيروت. دار العودة ودار الثقافة، الطبعة الثانية 1962.
30.        سرحان، نمر، الحكاية الشعبية، مصدر سابق.
31.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
32.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
33.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
34.        ما سمعه الباحث في حفلة مدرسة العطارة المختلطة الأساسية لتكريم أوائل الطلبة 17/5/1998م.
35.        حفلة مدرسة العطارة، مصدر سابق.
36.        حفلة مدرسة العطارة، مصدر سابق.
37.        ما سمعه الباحث من شريط للفنان مصطفى الخطيب.
38.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
39.        ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.
40.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
41.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
42.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
43.        ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.
44.        ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.
45.        ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.
46.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
47.        علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.
48.        ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.
49.        ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.
50.        شريط فرقة أصوات فلسطين- الكويت، الشاعر أبو أشرف العرابي وزملاؤه، إنتاج 1978م.





* العيش: الخبز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق