الأربعاء، 30 نوفمبر، 2016

منطقة الانتباه

منطقة الانتباه Attention area / (التفكير العملي)
لا يعتبر خطأ الشيء المفقود متعمداً دائماً.
فالمهم هو أين ترسم حدود نقطة الانتباه، لأن المرء يفكر داخل نقطة الانتباه وكذلك يتوصل إلى النتائج من خلالها.
هل عدد الدقائق اللازمة لغلي بيضة يأخذ بعين الاعتبار أنها كانت داخل الثلاجة أو أنك في أعلى الجبل؟
هل العدالة الاجتماعية تشمل معدل نمو الاقتصاد؟
هل الفقر متعلق بالأحوال السابقة ، وبما يحدث الآن وباحتمالات المستقبل؟
على المرء أن يرسم حدوداً في مكان ما ، وعادة تدخل في رسمها المصالح الشخصية .
ولا ينجم خطأ الشيء المفقود بسبب رسم الحدود ، بل اختيار جزء من الصورة وتعميمه على الكل ،
فعلى سبيل المثال : قد يحارب المرء بالقول إن التامين الطبي يعد فاشلاً لأن على المصاب بتوسع الأوردة الانتظار لمدة سنتين كي يخضع لعملية إزالته .
تلخيص Summary  / (التفكير العملي)
نخلص إلى القول بأن الأخطاء تنجم مباشرة على طريقة معالجة العقل للمعلومات .
فهي ليست ناجمة عن غباء أو إهمال أو نقص في التدريب .
حتى الأشخاص الأذكياء والمتعلمين والمثقفين يقعون في الأخطاء نفسها . فقد يتعاملون مع أفكار تتعلق بالركود السياسي بدلا من بناء حظيرة داخل حديقة ، ولكن نوع الخطأ الواحد.
وهذا يدعو للدهشة لأن الأخطاء نابعة من طريقة معالجة العقل للمعلومات .
وتقوم نفس العمليات التي تسبب الأخطاء بالتفكير الفعال لا تستطيع الحصول على الكهرباء دون الصدمة الكهربية لأن الطاقة هي نفسها التي تصل للجسم وتسبب الصدمة.
والذي تقوم به عملياً هو أن تنتبه من مسببات الصدمة وتتخذ الخطوات اللازمة لتقليل حدوثها أو تجنب خطرها .
وبنفس الطريقة تحاول معرفة الأخطاء التي يسببها العقل وتحاول تخفيضها بتطوير طرائق ووسائل واتجاهات تفكير جديدة .
تصويب الأخطاء Correcting mistakes  / 124(التفكير العملي)
من الأخطاء سهلة التصويب ، حقا سوء التطابق .
فإذا نبهك أحد الأشخاص بأنك نسيت شيئاً ، فإنك تعدل عن الخطأ .
ففي مثال الخطأ الناجم عن معرفة وتمييز الرجل في الشارع : لو قام أحد الأصدقاء بإخبارك بأنه كان يرتدي خواتم في أصابعه لكنت غيرت رأيك حالا .
ولكن عدم وجود أشخاص لإخبارك ذلك فإنك تستمر في إهمال ما نسيته أول مرة لأن أفكارك تبدو صحيحة ومقنعة لك .
وهكذا فإن آراء الآخرين ذات فائدة قصوى في تجنب الوقوع في أخطاء سوء التطابق .
وليس التراجع عن أخطاء سوء التطابق سهلاً في جميع الحالات .
فإذا كان الشخص حقاً بحاجة إلى الفكرة التي يحملها فإنه من غير المتوقع أن يغيرها عند إرشاده إلى نقاط عط التطابق .
وهكذا فإن الشخص الذي يعتبر أن المهاجرين الأجانب عبء على الخدمات الاجتماعية ، لن يغير رأيه حتى لو أخبرته أن معظمهم يساهم في بناء المجتمع أكثر مما يحصل عليه من خدمات .
ومن الأخطاء التي يصعب التراجع عنها والتغلب عليها خطأ المسار الواحد، وذلك لأن التسلسل المنطقي ولا نحيد عنه.
فلن يفيد إخبار الشخص بأن الانتقال من فكرة لأخرى ممكن فقط عند الأخذ بعين الاعتبار نقاط أخرى.
وهكذا فلن يفيد التنبيه على أن الجسم الذي أعلاه ثقيل يسقط إذا كانت قاعدته دائرية، لأن الفكرة لم تبدأ لديه بهذه الطريقة .
فأفضل طريقة هي قبول الفكرة ومتابعتها وتطويرها .
فبدلاً من قولك " لا تستطيع وضع القطة الصغيرة داخل النشافة الكهربائية لأنها مخصصة للملابس " يمكنك القول : " إذا وضعت القطة الصغيرة داخل النشافة الكهربائية فإنها ستموت " .
وهكذا بقبول الفكرة ومتابعتها وتطويرها يتمكن المرء من توضيح الخطأ .
ومن الأمثلة الأخرى على ذلك قد يقول قائل : " لو فرضنا أن الأجسام ذات الأجزاء العليا الثقيلة وقعت . ماذا عن شكل هرمي ثقيل من الأعلى – هل سيقع ؟
والطريقة الأخرى هي تقليل العجرفة التي يتمسك بها أصحاب الأفكار الصحيحة منطقياً ، ولكن هذا المثال يتعلق بخطأ العجرفة .
ويقع خطأ تقدير الحجم والمقادير بين الخطأين المذكورين أعلاه في ما يتعلق بصعوبة تصويبه .
وهناك أوقات يستطيع المرء فيها تقدير الأحجام والأرقام .
فعلى سبيل المثال ، إذا جادل احدهم بأنه لما كان الجميع يخافون من مرض السرطان فلن يدخن احدهم ، بعد سماعهم إعلاناً بخطره ، ويمكن توضيح أن عدد المقلعين عن التدخين لم يزد بفعل الإعلان .
وإذا جادل احدهم بخصوص عدد مشاهدي أفلام العنف من خلال التلفاز فإنه بالامكان تقديم إحصائية بذلك تبين عدد الأشخاص الذين يفضلون تلك الأفلام .
ولكن لا تتوفر الأرقام والإحصائيات طوال الوقت ولذلك يصبح من الصعب اكتشاف خطأ تقدير الحجم ، لأن الأمر أصبح تسلسلاً منطقياً .
يشير الشخص إلى اللوحة الإرشادية على الطريق ويقول : " هذه الطريق تؤدي إلى مدينة ليفربول – فهل تستطيع انتظار ذلك ؟ " ، وبالطبع لا تستطيع .
إن عدم الارتياح منطقياً يمكن أن يقود إلى هياج كحال الدجاجة حين تضع بيضها . ولكن لا تضع الدجاجة بيضة نعامة ، وكذلك لن يؤدي بعض القلق إلى هياج شامل .
وفي بعض الأحيان يلجأ المرء إلى استراتيجية بيضة النعامة لتغلب على أخطاء تقدير الحجم .
وذلك يعني إعطاء أسماء للأشياء التي لها أحجام مختلفة مثل : بركة بحيرة أن تكون موجودة لدينا اصلاً . فليس ممكناً اشتقاقها في نفس الموقف حالاً .
وهناك صعوبة أخرى هي أن العقل يفضل العمل عندما يتعلق الأمر بأشياء ليست محسومة في الطبيعة .
فعلى سبيل المثال ، من الاسهل التصريح بأن شخصاً ما متورط في الحب بدلا من استخدام عبارات أخرى متعلقة بدرجات الحب مثل منجذب ، مهتم ، متوافق ، في حالة الحب .. الخ .
فكل هذه المصطلحات الأخرى تبدو ركيكة وضعيفة مثل كلمة " عدم الارتياح " عندما يريد المرء أن يتحدث عن " هياج " .
من الأخطاء التي يصعب التغلب عليها خطأ (العجرفة) الذي فيه يدعى المرء أنه متأكد مما يقوم به لأن الخطأ في الوقت الحاضر،
فقد لا تكون الفكرة خطأ ولكن يتم اكتشاف ذلك عند تركيز الانتباه في ما تخفيه العجرفة .
فيبدو الخطأ جلياً عند مقارنة الفكرة كما هي مع الطريقة التي يمكن بها تطويرها بمكان تفسير هذا الرأي لمن لا يملكه .
والخطأ الذي سببه العجرفة ليس خطأ في الفكرة نفسها بل في طبيعة عرضها على الآخرين .
أما خطأ الاختيار أو الجزء المفقود فيصعب التغلب عليه أحياناً ، ويسهل أحياناً أخرى.
ففي بعض الأحيان يكون من السهل توضيح وجهة نظر صاحب الخطأ بأنها تشمل فقط جزءاً من الموقف، وأن ما يحدث بعد ذلك يعتمد على كيفية اختيار وجهة النظر .
فإذا اختيارها عن قصد للوصول إلى هدف ما ، فإن المرء يتمسك بها على أنها أفضل واهم وجهة نظر حتى لو كانت هناك وجهات نظر أخرى .
ولكن إذا كانت وجهة النظر قد تم اختيارها دون قصد مسبق ، فإن صاحبها سوف يعرف حدودها وعيوبها وربما انتقل إلى وجهة نظر أفضل . في المواقف الصعبة ، فالخطوة الأولى التي يجب إتباعها هي قبول الطرفين .
الحقيقة أن كلاً منهما ينظر إلى الموقف من زاوية مختلفة ، فإذا تم الاتفاق على ذلك ، يزول خطأ الاختيار ،
لأن الخطأ يحدث إذا نظر المرء إلى جزء واحد من الموقف فقط، ويفترض أنه يعالج الموقف بأكمله، فإذا نظر المرء إلى جزء من موقف، وقبل به كجزء فقط ، فلن يكون هناك خطأ .
ــــــــــــــ
        تحدث الأخطاء بسبب طريقة العقل في معالجته للمعلومات وليس بسبب غباء أو إهمال .
        تقوم العمليات داخل العقل في كل من التفكير الفعال وارتكاب الأخطاء على حد سواء .
        يتضمن خطأ المسار الواحد الانتقال من فكرة إلى أخرى بطريقة حتمية يجب إتباعها مع تجاهل العوامل الأخرى اللازمة .
        تعتبر المقاييس أدوات تم ابتكارها عن قصد للتعامل مع أخطاء إساءة تقدير الأحجام والمسافات والمقادير .
        من السهل الوقوع في خطأ سوء التطابق لأن العقل لا يلاحظ كل ما هو مطلوب ملاحظته .
        الخطأ المؤكد يقع في المستقبل وليس في الماضي أو الحاضر . ويمكن معرفة الخطأ المؤكد عند مقارنة  الفكرة كما هي مع ما يمكن أن تصل إليه بعد تطويرها إذا لم تكن تحكمها العجرفة وتمنعها من التغيير .
        تمنع العجرفة عملية التطور الطبيعي للأفكار.
        يحدث خطأ الشيء المفقود بسبب تطبيق جزء من الموقف على الموقف كله والتوصل إلى النتيجة بماء على الجزء فقط .
7
طرق الصواب الأربع / 129
The four ways to be right
السبيل إلى الصواب The need to be right  / 129(التفكير العملي)
يهدف التفكير العملي إلى تمكين الإنسان من فهم ما يدور حوله للقيام بردود أفعال مناسبة وإجراء التغييرات اللازمة التي تناسب مصالحنا .
ومن أجل التوصل إلى هذا الهدف يجب التوصل إلى إجابات صحيحة على التساؤلات المطروحة ـ على الأقل في معظم الأوقات . وفي الواقع نرى أن السبيل إلى الصواب يبدو أكثر من كون التفكير العلمي بصواب الذات ( الأنا ) ويرتكز على أمرين :
الشعور بالأمن والسلامة عند معرفة الإجابات على التساؤلات .
تركيز التعليم على أهمية الصواب .
فهم المجهول Understanding the unknown  /130(التفكير العملي)
يحتاج الحيوان في عالم عدائي تنافسي إلى معرفة الأشكال الجديدة التي يشاهدها كي يتمكن حالاً من الرد عليها بالقتال أو الهروب ( fight or fight  ) أو بتجاهلها .
ويظل الفرد يشعر بعدم الأمان حتى يصل إلى تفسير مناسب يمكنه من الإختيار .
قد يشعر المرء أنه من الأفضل تجاهل أمر جديد إلا إذا كان مفروضا عليه إتخاذ ردود أفعال ، ولكن بعد فوات الأوان .
ومن الناجية العملية من الصعب إهمال شيء ما قبل معرفة تفسير له ، وهذه الحاجة لتفسير الأشياء تكون ملحة وقوية إذا سيطرت على التفكير والانتباه ولم تكن بحاجة للبحث عنها .
والحاجة للوصول إلى التفسير الصحيح أقوى من حب الاستطلاع والاستكشاف .
وعندما يطرح تفسير ما تتولد هناك حاجو لتأكيده على أنه التفسير الصحيح .
وفي نهاية كل محاضرة متعلقة بتجربة الاسطوانة السوداء كان يطرح هذا السؤال : " ما الذي اسقط الاسطوانة السوداء ؟ " ولم يكن هذا التساؤل غير المتوقع ، لأن الاسطوانة السوداء كانت محور اهتمام المشاركين في التجربة والمحاضرات المتعلقة بها .
ولكن الأمر غير المتوقع هو الإستياء الذي أصابهم عندما ترددت في تفسير الآلية .
لقد ترددت بادئ الأمر لأنني إطلاع  المشاركين لاحقا على التفاصيل ولكن الاستياء كان شديداً لدرجة أنني بدأت اهتم به بحد ذاته . لقد حاول البعض التحايل عليّ كي اكشف لهم تفسير وقوعها حيث قاموا بطرح أسئلة مخادعة ولكن البعض الآخر كان عدائياً ووقحاً. وفي مرات من المرات أصر بعضهم أن ابقي في قاعة المحاضرات أو يجبرونني على ذلك حتى أفسر لهم .
وقد أجريت محاولات عديدة لإخفاء الحقيبة التي كنت أضع فيها الاسطوانة ولكن كنت اكشف ذلك .
وقد اهتم المشاركون الذين لم يتوصلوا إلى أي تفسير لسبب سقوط الاسطوانة ، بمعرفة كيفية عمل الآلية التي أسقطتها .
ولم تكن الآلية في حد ذاتها باعثة على التسلية أكثر من حيلة سحرية عادية ، ولكن المشاركين الذين قدموا تفسيرات مقنعة لهم ، يفترض أن يقنعوا حتى لو كانت الآلية الحقيقية مختلفة عن تفسيراتهم .
ولكن على النقيض من ذلك ، فقد تبين أنهم هم الذين كانوا بحاجة لمعرفة ما إذا كانوا على صواب .
التعليم والصواب Education and being right  / 131(التفكير العملي)
هناك تركيز على أن يكون الطالب مصيباً أثناء مراحل التعليم وترتكز عملية التعليم على حث الطلية على الوصول إلى الإجابات الصحيحة طوال الوقت .
ويقوم المدرس بتعزيز الإجابات الصحيحة ومدح الطلبة والتاثير على كراساتهم بوضع علامات تدل على الصواب وترمز للمكأفاة المباشر التي تقوم بدور حبوب القمح التي استخدمها العالم سكنر ( Skinner ) لجعل الحمام يؤدي أفعالا معقدة مثل العزف على بيانو صغير . وكان يقوم مباشر بعد كل عمل صحيح بتقديم حبة قمح للحمامة كمكافأة .
وفي الحياة العملية عندما يكون المرء فعالاً فإن ذلك يعد مكافأة بحد ذاته .
فإذا كنت من المتعاملين في تجارة وتطوير المباني والممتلكات فإنك ستربح المال ، فإذا كنت محامياً ناجحاً فإنك ستربح القضايا التي تدافع عنها .
ولكن في المدارس تغيب المكافآت الطبيعية ، وتحل محلها إشارة الصواب ( tick ) المصطنعة التي ترمز إلى أن الطالب توصل إلى الإجابة الصائبة , ولكن عندما يكون الطالب مصيباً لا يعني أنه فعال ، لأن الصواب ببساطة القيام بإجابات وفقاً لأفكار معدة مسبقاً .
وإلى جانب مكافأة الصواب فهناك الشعور بالخجل المصاحب للخطأ ،
فبدلا من الحصول على ( ) يحصل الطالب على ( ) ،
وإشارة الخطأ تدل على عدم رضا المعلم ، وأن على الطالب إعادة المسالة ثانية ، وهذا شيء ممل للطالب ،
كما تعني علامة ( ) أن الطالب غبي وأن الآخرين يشعرون بالتفوق عليه .
والخوف من الخطأ يخلق حاجة ملحة وقوية لأن يكون الطالب على صواب .
كون المرء على صواب محرج شعور Bening right is a feeling  / 132(التفكير العملي)
من الناجية النظرية يكون المرء على صواب إذا كانت أفكاره انعكاساً دقيقاً للواقع .
ومن الناحية العملية يختلف الأمر تماماً .
فإذا اعتقدت أن الماء داخل وعاء موضوع على لهب سوف يغلي ووصل لدرجة الغليان يكون تفكيرك صائباً .
وإذا اعتقدت أن صديقك ستعود إليك بعد مشاجرة ، ورجعت بالفعل يكون تفكيرك صائباً.
وإذا اعتقدت أن أسعار الأسهم في السوق المالي ترتفع ، وحصل ذلك فعلاً، يكون تفكيرك صائباً
وكذلك إذا اعتقدت أن الصوت الذي سمعته أثناء الليل هو ليس صوت لص، بل فأر داخل الخزانة ، تكون مصيباً إذا كان بالفعل هو صوت فأر ،
وهكذا ، من الناحية العملية ، يتضمن التفكير التوصل إلى نتيجة محددة قبل التأكد من حدوثها أو صحتها ، فأنت تريد أن يكون اعتقادك أو تفكيرك بارتفاع أسعار الأسهم صحيحاً قبل ارتفاعها ، وبعكس ذلك فلن تحقق أرباحاً .
كما أنك تريد أن يكون تفكيرك بأن هناك فار داخل الخزانة صحيحاً قبل أن تنهض من الفراش للتأكد من ذلك .
كذلك تريد أن تكون مصيباً في توقع عودة صديقتك قبل هروبها مع شخص آخر .
ومن الناحية العملية عندما يكون المرء مصيباً في تفكيره ، فإن ذلك لا يعني أنه على حق .
أن تكون على صواب يعني أن تعتقد أنك مصيب أثناء التفكير .
وهذا مختلف تماماً على مقارنة تفكيرك بالحقيقة الفعلية عندما سكون هذا متاحاً .
أن تكون مصيباً هو الإحساس بأنك مصيب ، لأن هذا ما يسعى إليه المرء ، وإذا شعرت بأنك مصيب من حقيقة كذلك ، فهذا لا يخالف شعورك بأنك مصيب بينما أنت مخطئ تماماً .
إنك لا تسعى إلى صواب التفكير مثل مشابهة التفكير للواقع ، ولكنك ساع إلى الشعور بالصواب بغض النظر عن مطابقة أو مخالفة هذا الشعور للواقع .
لقد ركز الفصل السابق على الأخطاء الأساسية في التفكير .
فإذا استطاع المرء تجنب جميع الأخطاء في التفكير ، فهل معنى ذلك أنه سيتوصل إلى أفضل الطرق إلى الصواب ؟
هذا صحيح من الناجية النظرية ، ولكن ليس من الناحية العملية .
يستطيع المرء أن يشعر عملياً بأنه على صواب مطلق حتى لو كان يرتكب أكبر خطأ ، حيث لا يوجد إنسان يرتكب أي خطأ عن سابق إصرار وترصد ، إنك تقع في الخطأ ، أو عندما يخبرك أحد بذلك ولم تسمعه في حينه .
إن تجنب كافة الأخطاء في التفكير لا يجعل المرء يشعر بأنه على صواب حقيقي ، فهو محسوس من مجرد كونه تجنباً للأخطاء أو مطابقة لأفكارك مع الحقيقة .
أربع طرق للصواب
 Four ways of being right  / 134(التفكير العملي)
في هذا الفصل سنناقش أربع طرق للصواب ،
يستخدم العقل الإنساني إحدى هذه الطرق لمعرفة أن تفكيره " مصيب " بما يكفي للقيام بأداء عمل معين أو تحويله لآخرين من أجل إنجازه .
ص – 1 الصواب العاطفي ( كعكة الزبيب ) Emotional rightness ( currant cake)  / 134(التفكير العملي)
عندما تقرأ مجلات سياسية ، فإنك تجد عدة مقالات تجادل حول وجهة نظر معينة ، فهناك مجلة سياسية مخالفة لأخرى تحاول في الموضوع من وجهة نظر معارضة .
وفي كل حالة يمكنك متابعة الجدل القائم أثناء انتقاله من نقطة لأخرى . ويلجأ الحوار إلى الاستعانة بالبيانات والحقائق لتدعيم وجهة نظر ما . ثم تتشكل القصة الكاملة . وفجأة عند الاقتراب من النهاية تجد أن الحوار بأكمله انتهى بقيام حكومة ما ، بتأييد موقف آخر لأنها تشعر بالتزام أخلاقي تجاهه .
إن الغرض من كعكة الزبيب هو أن تضع فيها الزبيب ، بينما تقوم بقية الكعكة بالمحافظة على وجو حبات الزبيب في أماكن متباعدة نسبياً عن بعضها .
وهكذا تقوم الكعكة بدور حيادي في تفريق حبات الزبيب . ولكن المهم حقيقة هو حبات الزبيب لأنها حلوة ولذيذة وليس هناك شك في قيمتها من الكعكة فانك تعرف ذلك جيداً عندما تصل إلى مضغ حبة الزبيب لأن طعمها لا يمكن تجاهله وطعم كل حبة منها مشابه في حلاوته للآخر .
وتشبه الكلمات الطيبة طعم حبات الزبيب داخل الكعكة ، ولا يشك أخذ في أهمية الكلمات الطيبة وقيمتها المقبولة للكل . وقد تم إيجاد مثل هذه الكلمات كي تكون أدوات مريحة ومناسبة لقول : جيد ، لطيف ، سليم وصائب .
وتكون الاستجابة لمثل تلك المفردات عاطفية لأنها أصلا استخدمت لتقوم بدور الكبسولات العاطفية .
وكما الحال في كعكة الزبيب التي تجعل حبات الزبيب مترابطة ، فإن الحال مشابه عند الخوض في نقاش ملئ بالبيانات والحجج المنطقية باستخدام مفردات لطيفة منتقاة كي تصل إلى ردود أفعال عاطفية عامة .
وإليك بعض الكلمات اللطيفة (التفكير العملي)
جلال ، وقار ، نبل ، سمو ، شرف                                         dignity
صدق ، أمانة ، استقامة ، إخلاص                                         honesty
شجاعة ، بسالة ، جراءة                                                      courage
عدل ، عدالة ، موقف ، حق                                        justice
عرف ، تقاليد ، تعاليم ، مورثات                                           tradition
ثبات ، رسوخ ، حزم ، صلابة ، استقرار                                firmness
فاصل ، حاسم ، قاطع                                                         decisive
لدن ، لين العريكة ، مرن ، قابل للتكيف                                   flexible
مسؤول ، موثوق به ، قادر على الوفاء بالتزاماته                       responsible
وترتكز قيمة الحوار أو النقاش مباشرة على القيم التي تحملها مثل الكلمات المذكورة آنفاً ، فعندما تواجهك مثل تلك الكلمات فإنك تقوم بردود أفعال عاطفية تجاهها لأن المجتمع اغرق هذه الكلمات بهذه المعاني والدلالات العاطفية .
فكما أن الكعكة مذاقها لذيذ بسبب حبات الزبيب ، فكذلك الحوار والجدل يبدو لطيفاً بفعل الكلمات الرقيقة الطيبة فيه . ومن السهل اختيار صحة ذلك لأن تتظاهر بوقل " boo " وهو صوت ازدراء واستهجان .
عندما ترفض طعم الكلمات الرقيقة اللطيفة ، فإنك ستلاحظ انهيار الجدل فجأة ، يمكنك ازدراء تقليد تاريخي عند قولك إنه عقبة ، كما يمكنك استهجان نوع من الشجاعة بقولك إنها غباء وطيش .
إذا قلت ذلك بنجاح ، فإن التفكير لا يعتبر صائباً حينذاك حتى لو كانت البيانات والمنطق نفسها لم تتغير .
وعلاوة على الكلمات الطيبة ، هناك الكلمات الخبيثة ذات الطعم الذي يشبه الصودا الكاوية داخل الكعكة .
وطريقة الصنع واحدة في كلتا الحالتين .
إنك تضع الكلمات الخبيثة ، ثم يبدو تفكيرك في شيء ما صحيحاً – تجد أنك بدأت تكره الشيء المفروض أن تكرهه .
وإليك نماذج من هذه الكلمات الرديئة والسيئة : (التفكير العملي)
ضعيف ، وهن ، أحمق وغير حكيم ، ركيك                              weak
منحط ، منحل ، متفسخ ، فاسد                                              degenerate
متذبذب ، متردد                                                                vacillating
كاذب ، خادع ، مضلل ، غير أمين أو شريف                                     dishonest
انتهازي ، نفعي                                                                 opportunist
مبتذل ، بارع بمكر                                                   slick
عدواني ، مغامر                                                                aggressive
شعور داخلي شديد Gut feeling  / 138(التفكير العملي)
من المسموح به استخدام كلمات تقوم بدور المفاتيح العاطفية لفتح المشاعر التي يحتاجها الإنسان .
فالتفكير على أي حال هو انتقال من فكرة إلى أخرى لتوضيح فكرة بأكثر من طريقة واحدة ، حيث يمكن النظر في الأمور بأكثر من اتجاه ولا غبار على الانتقال من كلمة إلى أخرى لتوضيح أمر ما بطريقة جديدة وغالبا لا يعتمد الشعور بالصواب العاطفي على مثل تلك الكلمات ولكنه " شعور داخلي " بأن شيئا ما جيد أو شيئا ما رديء .
جدير بالذكر أن التلاعب بالمفردات يهدف إلى الوصول إلى درجة القيام بردود أفعال ايجابية أو سلبية .
وأي جدل سياسي طويل ينتهي بشعور داخلي يجبر الفرد على التصويت لشخص ما أو التصويت ضده. ولذلك يتولد هناك شعور لدى البعض وهو أنه طالما أن هناك شعورا داخليا طوال الوقت ، فإن محاولات المرء لا فائدة منها .
والأمر الذي لا يلتفت إليه هو أن الشعور الداخلي يبدو مباشرا ، في حين أنه يحدث بسبب كلمة واحدة أو فكرة ما .
فالشعور الداخلي يعطي القوة للمسدس ولكن الهدف مسيطر عليه بواسطة العقل .
قد تثير صورة في صحيفة لفتاة جميلة ضعيفة ، شعورا داخليا بأن مثل هذه لمخلوقة اللطيفة لا يجب أن يحكم عليها بارتكاب جريمة قتل . ولكن عند تغيير زاوية الكاميرا، والتقاط صورة أخرى قد تبينها كساحرة أو وقحة وصفيقة الوجه .
إن التلاعب بالمفردات يشبه التلاعب في أخذ صورة مع تغيير زاوية الكاميرا، لأن ذلك يضع الأمور في أفضل صورة من أجل الحصول على ردود أفعال محددة .
قد يبدو الشعور الداخلي طريقة غير فعالة لإثبات أن تفكيرنا حول موضوع ما صائب .
ولكن على أي حال فإن التفكير يهدف إلى تحريرنا من السيطرة بإحداث شعور داخلي لدينا .
وعلى الرغم من ذلك ، إذا أراد المرء استخدام نتاج تفكيره فلن يجد مقياسا للصواب أفضل من الشعور الداخلي _ لأن مشاعره هي التي سوف تتحمل نتائج تفكيره .
فالصواب العاطفي طريقة صائبة لتوضيح خط التفكير وصوابه ، ومن الناحية العملية فهي الطريقة أو الآلية المستخدمة عندما يكون المرء على صواب ، ولكن هناك قصورا في هذه الطريقة .
الطريقة Limitations   / 139(التفكير العملي)
الوقت المتاح للتفكير والمقياس والزمني غير كاف ، بل هو اقصر وقت متاح . فإذا استخدمت فرد الصواب العاطفي ، فمن الصعب عليه النظر في شيء بغيض كي يرى شيئاً جميلاً من خلاله أو خلفه .
وهكذا ، قد يبدو امراً جميلاً وصائباً أن يترك الطالب المدرسة ويستمتع بشبابه على الشاطئ . ولكن لو أتيح وقت أطول للمرء فإنه سيلاحظ أن الاستمتاع المستقبلي يعتمد على المصالح والقدرة على التحصيل التي يكتسبها الطالب ويطورها .
إن المقياس الزمني القصير يعتبر من المعوقات ، لأن أحد أهم أغراض التفكير هو تحرير الفرد من القيود عن طريق ردود الأفعال المباشرة التي تتيح له التفكير في ما ستحصل لاحقاً .
والعقبة الثانية في الصواب العاطفي هي إمكانية تصادم الأفكار التي يؤيدها الصواب العاطفي مع مصالح الآخرين , ولما كان الجميع يتمتعون بعواطف ، فكل فرد له الحق في الصواب العاطفي في التفكير ويعتبر التفكير الذي يرتكز على الصواب العاطفي صائباً لدى الأشخاص الذين تجري عواطفهم صائباً لدى الأشخاص الذين تجري عواطفهم في تلك الطريق .
ومن الأمور المنافية للعقل ، محاولة فرض الصواب العاطفي على الآخرين .
تلخيص :  / 140(التفكير العملي)
يحدث الصواب العاطفي عندما تطلق فكرة عاطفية تسعد بها .
قد تكون الفكرة تشابه العواطف التي نحس بها تجاه موضوع ما .
أو أننا ببساطة نستمتع بالعواطف التي تحفز بسبب سلسلة من الأفكار .
ص – 2 الصواب المنطقي ( لغز المنحنيات )  / 140 (التفكير العملي)
تم استجواب رجل مشكوك بأنه شهر سلاحه على أناس آخرين ، وقام رجال المباحث باستجوابه بدقة . وليس لديهم أية خيوط يعتمدون عليها ، ولكنهم بدلا من خيوط للحل يأملون في التوصل إلى تضارب في القصص التي يرونها الرجل .
فلو أنه أفاد أولاً بأنه ذهب مباشرة إلى بار ( جو ) بعد مشاهدته مباراة كرة القدم ، ثم مكث في البار طوال تلك الليلة ، ولكنه يستطيع تأكيد أو إنكار ما إذا كان هناك رقصة مصحوبة بغناء ( browl ) أو شجار ، فإن هناك تضاربا وتناقضا ذاتيا يدل على أن روايته خطأ .
ومن ناحية أخرى لو كانت روايته مترابطة منطقيا فإنها تعتبر صائبة على الرغم من أنها قد تكون ملفقة ومن تأليفه .
فالمهم هو ترابط الأفكار دون أي تناقض بينها ، وليس تطابقها مع الحقيقة .
ففي لغز المنحنيات ، المهم هو إنتظام كل قطعة مع الأخرى المجاورة لها ، ولا يهم شكل القطع الحقيقي ، فإذا كانت كل قطعة موافقة لجارتها ففي النهاية يتأكد المرء بأنه سوف يصل إلى تشكيل صورة متكاملة .
هذا شبيه بالصواب المنطقي . هناك صواب منطقي عندما تتطابق كل قطعة مع القطع الأخرى .
في لغز المنحنيات تقوم بوضع القطعة واحدة واحدة ، وكل ما يجب أن تتأكد منه هو أن تكون مصيبا في كل خطوة .
هذا ما يجب أن تفعله لتكون مصيبا منطقيا في تفكيرك ، وتأكد من أنك على صواب في كل خطوة ، فلا يجوز الوقوع في أي خطأ ، لأن ذلك يشوش الصورة كلها .
وتكمن فائدة هذا الأسلوب في أنه يسمح لك بالعمل خطوة تلو الأخرى حتى تصل إلى النتائج التي لا يمكن  التأكد من صحتها مباشرة ، ولكنك تعرف أنك على صواب لأنك سرت في الطريق الصائب .
يمكنك الوصول إلى تلك النتيجة قبل طريقة المحاولة والخطأ ، بل حتى عندما تتعذر المحاولة والخطأ . فإذا كانت جميع خطواتك صائبة ، يجب أن تكون نتائجك صائبة.
فالوضع يشبه فكرة رجلي المباحث اللذين رتبا أن يلتقيا في مكان غريب، فيصل أحدهما قبل الآخر، وحتى لو لم يصل الآخر فإنه يعلم أنه على صواب وفي المكان المطلوب لأنه اتبع التعليمات بدقة.
القطع ذات الأشكال المضحكة Funny shaped pieces  / 142(التفكير العملي)
في لغز المنحنيات تكون القطع غير منتظمة الشكل بل منحنية وتمثل اشكالاً مضحكة . ولا يدعو الأمر للاستغراب لأن المرء يقوم بإعداد لغز المنحنيات برسمه على قطعة من الخشب المعاكس ثم يقوم بنشر القطع بأية طريقة يراها مناسبة ، ومهما كانت القطع مضحكة فإنها تتوافق مع بعضها لأنها جاءت من نفس القطعة الخشبية اصلاً .
في الصواب المنطقي يتم الانتقال في التركيز من طبيعة القطع الخشبية إلى جودة التناسق والتطابق . ويمكن تسمية القطع بأسماء الأفكار ( مثل حرية ، طاولة سمك القد ، .. الخ ) ولكن الأمر المهم هو طريقة المنطقية التي تربطها .
إن نمط التفكير الغربي بأكمله يعتمد على الصواب . فكل ما هو مهم هنا هو جودة التطابق .
فمن الأفضل أن يكون لديك قطع غريبة الأشكال ولكنهما تتطابق ، من أن يكون لديك قطع شكلها مناسب ومفيد ولمنها لا تطابق عند تجمعيها في شكل واحد .
ولهذا السبب نجد أن الفلسفة الكلاسكية لها ارتباط ضئيل مع الحياة اليومية ( فإنك لن تحصل على خصم عند شرائك السمك " سواء أكانت شخصيتك ذات أنا فائقة متعالية• transcendentalism  أو لا ) .
هذا التركيز على جودة التوافق أو على الصواب المنطقي يدل عليا انتصار الشكل على المضمون ، فإذا قام شخص بقراءة الفلسفة الكلاسكية فإنه يصطدم بأنظمة متقنة ومعقدة تم تصميمها بحيث تترابط بسهولة مع بعضها وتعتمد مصداقية هذه الفلسفة على جودة التطابق .
اختر القطع choose your own pieces  / 143(التفكير العملي)
لأن الصواب المنطقي أو جودة التطابق تعني أن المرء على " صواب " في تفكيره ، فإن بإمكانه تركيب أنظمة غريبة للغاية ، ولكن على الرغم من غرابتها إلا أنها تعد صائبة إذا تطابقت القطع بشكل منتظم .
تتكون لدى شديدي الشك والارتياب بالآخرين أو من يعانون من جنون الاضطهاد ( paranois ) صور متماسكة منطقياً عن العالم يشعرون من خلالها بأن الآخرين يضايقونهم ويضهدونهم .
وتوجد لدى المذاهب الدينية المتعددة صور متناغمة منطقياً عن الحياة . وكذلك فإن علم التنجيم ( Astrology ) يقدم صورة متساوقة عن ذلك العلم ، كما أن الكيمياء القديمة• ( alchemy ) هي عبارة عن صورة متناغمة لعلم يهدف إلى تحويل شيء مبتذل إلى شيء نفيس .
عند القيام بنشر وقص قطع لغز المنحيات بالمنشار يقوم المرء بنفسه بتشكيل كيفية القص في البداية .
وعلى الرغم من ذلك ، فإنك عندما تشكلها من القطع فإنك تشعر بالسرور عند تناغم القطع وتشكيل صورة كاملة  وهذا ما يحدث عند استخدام الأنظمة المتماسكة منطقياً نظرتنا إلى الأشياء ( الأفكار المسماة التي نستخدمها ) ، ثم يقوم المرء بتركيبها مع بعضها . وفجأة يرى أنها متساوقة ومتناغمة ، ويدل ذلك على أن النظام على صواب . وهو ليس أكثر صواباً من أية طريقة أخرى لتقسيم قطعة خشبية تم تجميعها ثانية ، فالقطع الموجودة في نظامك تكون فقط على صواب عند استخدام نظامك وطريقتك في التجميع . فأنت لا تستطيع أن تعتبر القطع التي لديك صالحة كي تستخدم في أنظمة أخرى .
كما أنك لا تستطيع استخدام قطع المنحنيات التي لديك لحل لغز آخر .
تصور بيت الاسكيمو .
إذا فكرت في تصميم البيوت الجنوبية فبإمكانك القول انه مكون من سطح له قبة مثبتة على جدران محنية .
وتكون قد أصبت لأن السطح والجدران تتطابق كي تشكل بيت الاسكيمو .
وهكذا نثبت مصداقية اختيارك للسطح والجدران كأفكار أساسية . ولكن قد يقول آخر إن بيت الاسكيمو غير ذلك ، فهو مكون من حلقات موضوعة فوق بعضها ، وكل واحدة اصغر من تلك التي هي بداخلها ، ويمكنه عمل أنموذج يوضح لك كيف تطابقت تلك الحلقات معاً لتشكل بينت الاسكيمو .
وعلى الرغم من ذلك يأتي ثالث ليسخر من ذلك كله ويقول بأن بيت الاسكيمو هو عبارة عن نصف كرة ظاهرة .
طابق القطع Make the pieces  / 145(التفكير العملي)
عند قيامك بقص الخشب لغز المنحنيات ، قد تريد أن يظهر أحد ملامح الصورة كاملاً على قطعة واحدة ( الوجه على سبيل المثال ) . وبالمثل عند قيامك بعمل أنظمة منطقية ، قد يبدأ المرء بقطع ذات أشكال ثابتة تكو بمثابة الأفكار الأساسية التي يضع حولها قطعاً آخر بحيث تكتمل الصورة لتعطي الصواب المنطقي .
وهكذا قام فرويد بتركيب نظامه حول فكرة أن الجنس هو المحرك الرئيسي لسلوك الانسان .
ولكن هناك بعض الأشخاص الذين عارضوا ذلك وشكلوا قطعة أخرى سميت " المقاومة " ، ويدل فكرة " المقاومة " على رفض التفسير الجنسي عد بعض الأفراد لأنه صائب .
والمقصود هنا أن التفسير الجنسي كان مقبولاً ومرفوضاً ولكنه صائب في كلا الحالتين .
وهذه الآلية التي تشكل بواسطتها الأساطير المنطقية .
ولا يعني ذلك بالصورة أن الأساطير خاطئة ، بل يعني ببساطة أن آلية الصواب المنطقي يمكنها أن تبني أنظمة فوق النقد أو الشك أو الطعن ، سواء كانت صحيحة أو خطأ .
وتعتبر عملية مطابقة القطع أساس التفكير الإنساني النافع ، إذ تتشكل بعض الأفكار بالتدريج عن طريق الخبرة ، ثم نطلق أسماء لإثبات فائدتها مثل ( طعام ، ألم ، ضبط ، حب ) .
وفي عملية البحث من أجل مطابقة القطع ، يحركها الفرد عدة اتجاهات ويحاول توصيلها حتى تتم المطابقة النهائية .
والخطورة أن جودة المطابقة لا تسهم في تأكيد صحة الفكرة الأساسية . فالأهم من ذلك هو أن اختيار فكرة أولية أساسية يمكن أن يحدد شكل النظام بأكمله .
فعلى سبيل المثال اختارت الفلسفة الغربية أهمية " النفس " ( self ) كفكرة أساسية ثم طورت نظاماً أشتمل على الثواب والعقاب ( Rewod and Punishment ) والذنب والفضيلة ( guilt / virtue ) ... الخ ، لتوجيه النفس البشرية .
وعلى النقيض من ذلك قامت الفلسفة الشرقية واختارت " الطبيعة Nature كفكرة أساسية وأصبحت النفس حلقة واحدة ضمن الطبيعة .
وهكذا فإن النفس لم تعد موجهة نحو نظام " ادفع / اسحب " بل مطلوب منها أن تتعايش بانسجام مع الطبيعة .
ولدينا في علم النفس الفكرة المعقولة للذاكرة حيث تخزن المعلومات التي جمعناها .
وقبول هذه الفكرة لسايكلولوجية الذاكرة يقود إلى نظام معين وعندما يتشكل لدينا مخزون في الذاكرة ، يجب أن يكون هناك نوع معالجة لاستخدام هذا المخزون .
تسمى طريقة الاستخدام " التذكر recall " وهو نظام منتظم دقيق ولكنه قد يمنعنا من النظر في العقل كنظام معلومات مختلفة عن ذلك الذي تم وصفه في كتاب " آلية العقل The Mechainsm of Mind " .
وهناك أفكار منطقية كثيرة لا تزال تعوق علم النفس .
ويعتبر " الحفز Motivation  " أحد هذه المعوقات لأنه يعني حدوث شيء قبل القيام بالعمل بينما يمن حدوثه بعد قيام العقل بمعالجته .
استخدام القطع الخاطئة Using the wrong pieces  / 147(التفكير العملي)
قد يحدد اختيار شكل قطعة ما أشكال القطع الأخرى كما هو ذكر آنفاً .
ولكن هناك مشكلة القطع التي تتطابق ولكنها تقود إلى الإجابة الصائبة . لنأخذ المشاكل التالية على سبيل المثال :
1-      وضعت وعاء صغير بداخله زيت بجانب وعاء صغير آخر فيه خل . أخذت مقدار ملعقة زيتاً وحركتها داخل وعاء الخل ، ثم أخذت ملعقة من خليط الزيت والخل ووضعتها داخل وعاء الزيت . أي الوعائيين أكثر تلوثاً ؟
يتجه خط التفكير المنطقي على النحو التالي : وضعت ملعقة مملوءة زيتاً داخل وعاء فيه خل ، ولكن ملعقة مليئة بخليط غير معروف سكبت داخل وعاء الزيت ( على الرغم من أن الخليط غير معروف إلا أنه يجب أن يكون أقل من الخل النقي ) لذلك يكون وعاء الخل أكثر تلوثاً لأنه يحتوي على زيت أكثر من احتواء وعاء الخل للزيت .
2-      يحتاج القائد إلى عدد أكبر من المقاتلين في المقاتيلن في فريقه كي يتمكن من خوض الحروب . ولذلك فقد عمد إلى وضع قانون جديد مفاده أن كل امرأة تلد أنثى لن يسمح لها بالايجاب بعد ذلك . هل نجح في زيادة نسبة عدد المواليد الذكور ؟ يتجه خط التفكير المنطقي كما يلي : هناك عائلات لديها ولد واحد ، ولدان ، ثلاثة أولاد ، أربعة أولاد خمسة أولاد ... الخ . ولكن لن تنجب أية عائلة أكثر من بنت واحدة . ولن يزيد عدد العائلات التي ولد هو نفس احتمال البنت لذلك سوف يكون عدد الأولاد أكثر من عدد البنات .
يبدو كلا الحلين منطقتين لأن الأفكار متسلسلة ومترابطة ، ولكنهما خطاً تماماً . ومن والأفضل معرفة سبب الخطأ لتقدير أخطار الصواب المنطقي .
القيود Limittion  / 148(التفكير العملي) (التفكير العملي)
بشكل عام يعتبر الصواب المنطقي من أكثر أنواع الصواب فائدة وفعالية .
فهو المسؤول عن الإنجازات الإنسان ، لكن على الرغم من ذلك هناك بعض الأخطار .
لا يعتمد الصواب المنطقي فقط على مصداقية الفكرة الأساسية ، بل على طريقة حبك الأفكار وربطها .
وتبدو الأفكار الأساسية الخاطئة وكأنها صواب لأنه يمكن تركبها على شكل بناء منطقي .
فعلى سبيل المثال : الفكرة الأساسية القائلة إن سبب هو زيادة نسبة الدم في الجسم قادت إلى العلاج عن طريقة التخلص من الدم . وهذه الطريقة ظلت تستخدم في الطب حتى عهد قريب .
مهما كان التسلسل منطقياً فإن النتائج لن تكون أكثر مصداقية من الأفكار التي يبدأ بها الإنسان .
يستطيع شخص ذكي أن يثبت أي شيء بواسطة تنظيمه أية أفكار أساسية بطريقة منطقية . فالجدل السياسي يعتبر بناء منطقياً متوافقاً الأفكار أساسية غامضة منتقاة .
يعني التفوق في مطابقة بناء منطقي أن هناك بعض الأفكار الأساسية غير صحيحة في أسفل البناء يمكن أن تؤثر على الشكل الكلي . فعلى سبيل المثال لقد أثرت فكرة الذنب على الطب النفسي الغربي .
يؤدي الصواب المنطقي إلى التعصب للرأي والعجرفة ، وهكذا بدوره يعني فرض النتائج على الآخرين الذين لم يستوعبوا بعد الصواب المنطقي لانفسهم .
فالصواب المنطقي يقتصر على نظام منتقى وأفكار أساسية مترابطة بطريقة صائبة . وليس هناك إمكانية لنقل هذه الأفكار أو الصواب المنطقي خارج ذلك النظام .
ومع ذلك فإن العجرفة الملازمة للصواب المنطقي تشجع المرء على نقل النتائج لأي نظام آخر .
ويعتبر الصواب عند كل مرحلة جوهر الصواب المنطقي .
ومع ذلك فإن الإصرار على الصواب في كل كرحلة يشكل عائقاً أمام عملية الإيداع ، لأن الإيداع قد يتطلب أن يخطئ المرء في إحدى المراحل كي يتوصل إلى فكرة جديدة . ( هذا الموضوع سيناقش بالتفصيل في فصل الإيداع ) .
وبشكل عام ، يمكن تلخيص قيود الصواب المنطقي بالتعصب الناجم عنه والفشل في معرفة أنه مقصور على أفكار أساسية محددة ولا يقوم بإثباتها .
ص – 3 الصواب الفريد ( فينوس القرية )•  / 150(التفكير العملي)
إذا عشت كامل حياتك في قرية بعيدة فإن فينوس القرية تكون اجعل فتاة في العالم لأنك لا تستطيع تخيل أي فتاة أجمل منها .
إن العلم بأكمله يعتمد على تأثير فينوس القرية. ويسمى هذا التأثير" بالصواب الفريد " .
ليس هناك منافسات لفينوس القرية لأن سكان القرية لا يتصورون أية فتاة بجمالها– ناهيك عن وجود أجمل منها. إنها فريدة من نوعها ولا منافس لها، والولاء لها.
وهكذا عندما لا يستطيع العالم تصور تفسير يطابق البيانات كالتفسير الذي لديه يكون مقتنعاً بالصواب الفريد لتفسيره .
ويصبح تفسيره فينوس القرية. ولا يخبر العالم نفسه بذلك، بل يقول بأن صواب تفسيره ناجم فقط من تطابقه مع جميع الحقائق. ولكن حقيقة ، فإن الصواب سببه المباشر هو أنه فريد من نوعه .
إذا توصل العالم إلى تفسرين متنافسين ومطابقين للحقائق، فإنه لن يكون سعيداً بأي منهما، بل تراه يستمر في إجراء التجارب كي يتوصل إلى بيانات إضافية آملاً ترجيح أحد التفسيرين على الآخر كي يطلق عليه" الصواب الفريد" الذي يحتاجه.
إن التوصل إلى تفسيرين شيء مفيد ولكن لا يشعر العالم بالسعادة إذا كان احدهما صائباً.
وكما ذكرنا سابقاً فإن فكرة اينشتاين عن العالم قدمت تفسيراً بديلاً لما طرحه نيوتن.
ولا يصل أي عالم إلى درجة المعرفة للصواب حتى تسنح فرصة للقيام بتجربة تثبيت صحة اينشتاين على أساس أنها " الصواب الفريد " لتفسير كافة البيانات . وفي وقتنا الحاضر هناك العديد من النظريات البديلة التي تفسر بداية الكون .
ويعمل علماء الفلك بجهد فائق للوصول إلى بيانات تجعل أحد هذه التفسيرات صواباً فريداً من نوعه .
وفي العلم ، كما في خارج العلم ، فإن عدم القدرة على إيجاد تفسير بديل يبرهن على صواب التفسير الحالي .
إن أي تفسير فريد من نوعه يعتبر صائباً .
فإذا شوهد رجل شعره احمر في عملية سرقة بنك ، ثم شوهد رجل ذو شعر احمر وهو يدفع ثمن وجبة في مطعم ومعه إحدى الأوراق النقدية المسروقة من البنك ، فإن التفسير الوحيد أنه هو السارق للبنك .
أما إذا قام خيالك بتوليد تفسير بديل بأن اللص الحقيقي ارتدى باروكة حمراء وقام بدفع الأوراق المسروقة لرجل شعره احمر فأن الصواب الفريد يضعف فجأة .
قانون دي بونو الثاني De Bono`s 2nd Low  / 152(التفكير العملي)
قد يبدو جلياً أن تفسيراً ما يعتبر صائباً لوحده إذا تعذر وجود أي تفسير آخر .
ولكن ثمة عملية أساسية أثرت على التفكير الإنساني عبر التاريخ، لقد اعتبر التفسير الوحيد الممكن بأنه التفسير الوحيد الممكن. ولكن الأمر المخيف حقاً هو أن الفكرة التي تبدو صواباً مطلقاً بحد ذاتها، تكون صائبة لأننا لا نملك الخيال الكافي للتفكير في بديل. فمن النظرة الأولى يبدو التفسير الوحيد واضحاً ويتم نسيان البدائل الأخرى، ولهذا السبب اشعر بأن هناك حاجة لوضع علامات أو إشارات للدلالة على البدائل .
يقول قانون ( دي بونو الثاني ) :
" البرهان في الغالب لا يعدو كونه مجرد نقص الخيال في تقديم تفسير بديل" .
إن إدراك أن البرهان لا ينتج فقط بسبب الجودة التي بواسطتها يتطابق التفسير مع الحقائق، بل أيضاً بسبب خيال ضعيف، هو أمر عظيم الأهمية ، وهذا يؤدي إلى ثلاثة أمور :
لا يكفي أن يقوم العلماء بالعمل الشاق المنطقي وأن يكونوا على صواب ، بل يحتاجون إلى الخيال والإبداع في الوقت نفسه . إنه الإبداع الذي يحول البدائل إلى تحديات للتفسيرات الحالية وبذلك يقدم تجارب جديدة .
ليس هناك تفسير مطلق الصواب ، لأنه من المستحيل استثناء تفسير بديل وذلك لأنك لا تستطيع التفكير في واحد ، أو أن احداً لا يستطيع التفكير فيه في الوقت الحاضر .
أصحاب الخيال الضعيف هم أكثر الناس تأكد من النتائج التي يتوصلون إليها .
وإذا وضع احدهم القانون بطريقة أكثر شدة: " اليقين يتولد عن حيال ضعيف" ، فإنه يصبح بإمكان المرء فهم نقل التركيز من قسوة البرهان بحد ذاته إلى الخيال الضعيف الذي لا يمكنه تقديم تفسير بديل.
العلوم الناعمة Soft Sconces  / 153(التفكير العملي)
في العلوم الصعبة مثل الفيزياء والكيمياء يستطيع المرء القيام بتجارب للتأكد من النظريات .
أما في العلوم الناعمة ( مثل علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، علم النفس، العلوم السياسية، وعلم الاقتصاد.. الخ ) من الصعب، بل من المستحيل، القيام بتجارب، وبدلاً من إجراء التجارب في المختبرات، يعتمد المرء على الملاحظة الدقيقة.
ولكن العقبة هي أن الملاحظة تستخدم للتأكد من نظرية ناتجة عن ملاحظة ثم تقوم النظرية بتوجيه الملاحظة الجديدة بطريقة منتقاة ، فتكون النتيجة أنك ترى الذي تريد أن تراه .
ويتفاقم الخطر لأن العلوم الناعمة هي مجالات يكون المرء فيها على عجلة من أمره حتى يصل إلى نظريات وتفسيرات لأن لها تطبيقات عملية مباشرة ( علم الاجتماع ، الاقتصاد .. الخ ) .
فتكون النتيجة في العلوم الناعمة أن قانون دي بونو الثاني يعمل بدرجة مخيفة فالبرهان للنظريات المحددة لا يتعدى كونه نقصاً في الخيال لا يستطيع تقديم تفسير بديل للحقائق التي تشاهد .
لقد تم اكتشاف كرات حجرية كبيرة ذات أشكال دائرية تماماً في المكسيك .
وقد اكتشفها عالم انثرولوجيا ( علم الإنسان ) على حافة تلة . لقد شاهد كرات حجرية صخرية في أماكن أخرى، وقد دلت أشكالها الدائرية المصطنعة بأنها أنتجت خصيصاً لأغراض دينية أو ثقافية لحضارات قديمة .
لم يستطيع خياله أن يتوصل إلى تفسير بديل ولحسن الحظ قام صاحبه الجيولوجي بتوضيح كيفية تكون الكرات الكبيرة عندما تبرد المعلومات المتوفرة : ( عدد الكرات ، وضعها ، الكرات التي لا تزال مخيفة داخل المقذوفات البركانية ) ، كانت أكثر تطابقاً من التفسير الانثروبولوجي .
وبالطبع فإن العالم في العلوم الناعمة ( كغيره من العلماء ) على صواب في وضع تفسير يبدو له صحيحاً لأن له صواباً فريداً .
ولكن المشكلة تبدأ عندما يبدأ الآخرون باعتبار التفسير على أنه مرتكز على دليل أو برهان دقيق جداً وليس على نقص في الخيال . وهناك خطورة أخرى تتعلق بالانا حيث يربط العالم ذاته بفكرته السابقة المؤقتة أو غير النهائية ( حتى يقوم عالم بتقديم تفسير أفضل ) . ويرفض العالم بشدة التفسير البديل من أجل المحافظة على مركزه .
خارج العلم Outside Sciences  / 155(التفكير العملي)
لما كان الصواب المنطقي يعمل من خلال العلم فلا غرابة أن يعمل بطريقة اشمل خارجه .
ومن بين العديد من التفسيرات الممكنة ، يمكنك اختيار الأفضل بسهولة ولكن لا توجد هناك تفسيرات بديلة ما لم يعرضها لك الآخرون أو تقوم بابتكارها بنفسك .
وإذا لم تستطع ابتكار تفسيرات بديلة فإنك ستكون مجبراً على افتراض أن تفسيرك وحده هو الصواب الفريد .
وهذا بالضبط ما حدث مع عطيل ( Othelle ) الذي اجبر على تصديق التفسير الوحيد الذي استطاع أن يتصوره وبذلك يخنق ديدمونة ( Desdemona ) ولسوء الحظ ، لا يمكن لك إدراك الأمور التي لا تنته لها .
والأسوأ من ذلك هو إذا لم يكن بمقدروك تخيل بديل ، فمن الصعب الاعتقاد في إمكانية تفسير بديل .
ربما أن أفضل ما يمكن القيام به ، الاعتقاد بوجود بدائل ( بطريقة غير معقولة وحتى مجزوم فيها من غير دليل ) حتى لو لم يكن بإمكان المرء تصور أية بدائل .
وهكذا يتحرك المرء باتجاه تفسيرات أخرى ، ويكون أقل تشدداً ولا يتعصب لتفسيره الوحيد .
وثمة أمر آخر يستطيع المرء أتباعه وهو تطويره لقدراته في ابتكار البدائل بواسطة تعمله طرق التفكير الإبداعي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق