الاثنين، 19 ديسمبر 2016

قصيدة النثر

قصيدة النثر
     مع تغير الزمان وانفتاح العالم على بعضه بعضاً، وتماهي الأجناس الأدبية، استمرت كتابة الشعر ولكن اختلف شكل موسيقاه بما يتوافق مع إيقاع العصر، والأفكار، والتجارب الشعرية الحديثة. ولقد ربط (سبنسر) بين موسيقى الشعر وبين الأفكار والمشاعر المعبر عنها حيث يرى:" أن خير الموسيقى ما تتمشى مع الأفكار وتتساوق مع المعاني وتتجاذب نغماتها ونبراتها مع حالات النفس فالشاعر في اهتياجه وغضبه وغبطته يكون تعبيره الموسيقي عالي النغمة وفي حزنه يكون منخفضاً، وفي تعجبه وفرحه وهدوئه تكون مسافاته الصوتية قصيرة، وأما في بثه وألمه فتكون مسافاته الصوتية طويلة وهكذا لتساير حالات النفس كما تساير موضوع القصيدة وفكرتها"([1]).
     والحقيقة إن الزمن قد تغير ولا بد معه من أن تتغير زوايا الرؤية للحياة والمجتمع بكل ما فيه. ولقد باتت قصيدة النثر، بما فيها من إمكانيات قادرة على التعبير عن الزمان والمكان الحالي خاصة من وجهة نظر الشعراء شديدي التأمل في الحياة.
     وقد مزجت الشاعرات بداية بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر، ثم كانت بعض القصائد بعد ذلك مقتصرة على قصيدة النثر. بل كتبت بعض الشاعرات عدة دواوين ملتزمات بقصيدة النثر كشكل متطور للقصيدة العربية.
     والملاحظ أن المرأة في شعرها قد مالت إلى كتابة قصيدة النثر ولوحظ هذا بشكل كبير في العقدين الأخيرين. ولكن نظر النقاد لقصيدة النثر على أنها نثر وليست شعراً، وأنها في درجة متدنية عن الشعر وأنها لا توافق الذوق العربي. أدى إلى عدم التعرض لقصيدة النثر بالدراسة والبحث، حتى أن البعض بات يتهم المرأة بأنها تلجأ إلى قصيدة النثر كمحاولة منها لمداراة ضعفها في النحو والصرف والموسيقى (وزن وقافية)، وضعف تعبيرها. بل إن بعض النقاد قاموا بدراسة شعر المرأة دون تناول الشاعرات اللواتي يكتبن قصيدة النثر. كما هي الحال عند (رجا سمرين) أما (أسامة شهاب) فقد أقام لقصيدة النثر جزءاً منفرداً منعزلاً عن الشعر، وهو يرى في كتابه (أدب المرأة في فلسطين والأردن 1948-1988) أن عدداً من أديباتنا في واقع الأمر " قد تسابقن إلى دعوة التجديد، وهن لا يملكن الأدوات الفنية الأولى، ولا القاعدة الفكرية للنهوض بالأدب والشعر الجيد، لأن التجديد لا بد أن تكون له قواعد متينة، وقد سارعت بعضهن للحصول على لقب شاعرة دون أن تكون مؤهلة لمثل هذا اللقب، الذي يعتبر من أجمل الألقاب في ديوان الأدب عند العرب، وكانت صدمة التجريد الكبرى هي قصيدة النثر، حيث ظهر توجه الأديبة الفلسطينية والأردنية نحو الشعر الحر في البدء ثم ظهرت مساهمتها الواضحة في القصيدة النثرية، وتجاوز بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي!!"([2]).
     ولقد تناول (باسم خطايبة) الضعف في شعر المرأة الأردنية معتمداً فيه على ما ورد عند أسامة شهاب في كتابه (أدب المرأة في فلسطين والأردن 1948-1988)، ولقد اتبعه في اعتبار الخروج عن الوزن والقافية في قصيدة النثر اتجاهاً نحو الضعف كما هي الحال – كما ذكر- عند (شهيرة الشريف([3])، وعطاف جانم([4])، وشهلا الكيالي([5])، وهيام الدردنجي). ويؤكد أنه يلاحظ على إنتاج بعضهن الاضطراب والأخطاء النحوية والإملائية والأسلوبية، وإذا كان هذا عند المتمكنات نادراً أو شبه معدوم، ويتجاوز عنه كما هي الحال عند عائشة الرازم، فإنه عند الأخريات واضح وظاهر للعيان كما هو عند .. (عطاف جانم، وهيام الدردنجي، وشهلا الكيالي، وشهيرة الشريف)، وأخريات لا يتسع المجال هنا لعرض كل العثرات الواردة عندهن. وإن كان في موقع آخر يعود لينفي ذلك عن (هيام رمزي الدردنجي) حين يقول: إن الشعر ينقاد لها بطواعية وتنساب الأوزان والقوافي انسياباً طبيعياً لها دون تكلف وتصنع، ولكنها تتعثر في حالات – وهي محدودة – قياساً إلى إنتاجها الغزير، فيظهر عندها انكسار للوزن([6])، ومثال ذلك ما ورد في ديوانها (أغنيات القمر) في قصيدة (حزيران، أنا والمأساة) حيث ذكر أنه تكثر بها الأخطاء العروضية، إضافة لكونها لم توفق في مطلع قصيدتها، وإكثارها من استخدام النكرات في شعرها، هذا مما يفقده الموسيقى الداخلية والخارجية، وانعدام الانسجام بين أجزاء القصيدة، فيخيل إلى المتلقي أنه يقرأ نثراً هابطاً([7]).
     ولقد تعرض إلى ضعف لغوي وآخر عروضي عند (عطاف غانم) والتجائها إلى التسكين حتى يستقيم العروض، وقال" هذه بعض الهنات التي وقعت فيها شواعر أردنيات مشهود لهن بشاعرية وإبداع، كان القصد من إيرادها لفت الانتباه من أجل تجاوزها، والتنبيه إلى ضرورة تزود الشواعر بالثقافة الأدبية، وإطلاعهن على قدر كاف من علم العروض والنحو واللغة، لتجنب العثرات والسقطات في هذا الفن، أما الأخطاء النحوية والإملائية، فقد وقعت الشواعر الأردنيات في العديد منها، ومن البدهي تجاهل السقطات المطبعية، أما المآخذ الناجمة عن قلة الزاد العلمي، فيذكر بعضها لجلب انتباه الشواعر إلى مواطن الخلل للابتعاد عنها والحذر من الوقوع فيها"([8]).
     وعلى الرغم مما يقال من أن قصيدة النثر تفسح المجال للشعر الغث فإن هذا لا ينفي وجود الشعر المتميز فيها. بل إن الشاعر المجيد من يستطيع كتابة قصيدة نثر قوية وناجحة. فالعيب ليس في قصيدة النثر وإنما فيمن يستخدمها.
     يرى (باسم خطايبة) "أن لجوء الكثير من الشواعر إلى كتابة الشعر الحر أو قصيدة النثر إنما يرد إلى التخلص من المآزق الإعرابية والعروضية، لنقص الثقافة العلمية فيهما، وما وقوف الكثيرات منهن عند الساكن في أواخر كل شطرة إلا وسيلة للنجاة من الوقوع في الخطأ – عملاً بالقول المتعارف عليه في التعريض بدعاة التسكين، قول القائل بلسان حالهم: سكن تسلم"([9]).
     ويذكر (أسامة شهاب) في كتابه (أدب المرأة في فلسطين والأردن 1948-1988):" بعد هذا التجوال في دواوين الشاعرات وما استعملن من بحور شعرية، وما وجد في أشعارهن من أوزان، يشار إلى أن معظمهن قد وقعن في أخطاء وتجاوزات عروضية، ولم يخل شعر أي منهن من المآخذ والملاحظات، وقد يرجع بعضها إلى الأخطاء المطبعية،([10]). ويضيف (باسم الخطايبة) أن البعض الآخر ينم عن ضعف في القدرات الفنية الشعرية، ويؤكد أن (أحمد شهاب) قد تناول ذلك متتبعاً مواطن الخلل عند مجموعة من شاعرات الأردن وفلسطين.
     ويرى (باسم الخطايبة) أن من يكتبن قصائد نثرية يكتبن شعراً نثرياً أقرب إلى الكلام العادي، وأحياناً بأسلوب عامي بألفاظه ومفرداته، وعلى الرغم من حرارة العاطفة فيه، فإنه لا يرقى إلى النص الشعري الأدبي الذي يحتاج لمقومات أخرى كاللغة والبيان والصور الفنية ليكتسب جمالية وإبداعاً"([11]).
     ولقد وقفت على بعض الأخطاء الطباعية والصرفية والنحوية والعروضية في شعر الشاعرات الفلسطينيات. ولكن ذلك لا يعني التوقف عندها طويلاً أو إفراد أحد الفصول لذلك كما حدث عند (أسامة شهاب) و(باسم الخطايبة)، ولكني أفضل النظر إلى الجزء المملوء من الكأس في شعرهن مكتفية بما أورداه من ضعف وهنات في شعرهن. خاصة أنني اتّبع النقد النسائي كمنهج لي في الدراسة وهو لا يقوم على التسلط كالنقد الذكوري ويعتمد على التعاطف والحنو.
     والآن وبعد أن حسم الأمر بالنسبة لقصيدة النثر بات من الضروري دراسة دواوين الشاعرات اللواتي كتبن قصيدة النثر.
     أما بالنسبة لما تعتمد عليه قصيدة النثر في بنائها فإن (صلاح فضل) يقول:" ترتكز قصيدة النثر على تعطيل المعامل الأساسي في التعبير الشعري وهو الأوزان العروضية، دون أن تشل بقية إمكانات التعبير في أبنيتها التخيلية والرمزية، ومن ثم فإن وضعها على الأعراف بين التعبير والتجريد يصبح ترجمة دقيقة لاستراتيجيتها الشعرية فما يبقيها في نطاق الشعر هو كفاءتها في تشغيل بقية درجات السلم تعويضاً لتعطيل الدرجة الإيقاعية، الأمر الذي يجعلها تتميز بنسبة عالية من الانحراف النحوي والكثافة والتشتت الناجم أساساً عن انفراط العقد الموسيقي، ويجنح بها نحو منطقة التحرر الدلالي من أنماط التعبير المألوفة..."([12]).
     ويقول في موضع آخر:" أما فيما يتعلق بالبنية المميزة لقصيدة النثر فلا بد من أن نلاحظ أنها تتألف من ثلاثة عوامل متزامنة تنصب كلها في بؤرة واحدة لإحداث فعاليتها الجمالية وهي بالترتيب:
1.    تعطيل الأوزان العروضية المتداولة.
2.    تفعيل أقصى الطاقات الشعرية الممكنة.
3.    إبراز الاختلاف الدلالي الحاد"([13]).
               ] هذه اللوحة
                  ليست للبيع [ ( سمية السوسي، أبواب، قصاصة، ص77-83)
     مالت (سمية السوسي) في هذا النص إلى فن كتابة السينما حيث تكتب المشاهد، وكأنها قصاصات متعددة لمشاهد متنوعة جمعتها في نص واحد. ولذلك أطلقت عليها منذ العنوان (قصاصة). بدأتها بمشهد سريع وممتليء بالحركة، وهو صادم عمل على إثارة الصدمة الشعرية الخفية منذ الفعل الأول به وهو (أشق). وفيه لجأت إلى مفرداتها وبلاغتها كأنثى تتهرب بها من الواقع المجتمعي الذي لا يسمح لها بالمكاشفة ولذلك استخدمت الدال (المكان) وللمتلقي أن يشاركها في معرفة وتخيل المكان خاصة وقد ربطته بالخطيئة الأولى؛ خطيئة العلاقة بين آدم وحواء. ثم أتبعته بالأفعال (ترتجف، تنطفيء) المشاعل واللهفة. وهي تلفت نظر القاريء إلى حالة البرود التي تلف المشهد ولذلك وضعتها بين قوسين لشد الانتباه إلى أنها قد وصلت إلى تألمها من الحالة التي انتهت عليها منذ أن شقت ثوب المكان برغبتها وإرادتها.
     جاء المشهد مكثفاً، ومشرقاً، وموجزاً، تحمل أفعاله (أشق، ترتجف، تنطفيء) كثيراً وعنيفاً من الحركة والعاطفة الملتهبة، التي لم تترك للشاعرة الفرصة في استخدام حروف العطف، فالحركة أسرع من أن تلتجأ إليها.
     وصفت (سمية السوسي) المرأة بالجرة وهي صورة قديمة فلقد وصفت المرأة قديماً بالقارورة، ولكنها لا تشير إلى ضعفها بذلك، بل تريد التركيز على أنها وعاء. وهكذا ينظر دائماً للمرأة على أنها وعاء له فتحة للاستفادة منه. بل إن (سمية السوسي) قد أطلقت عليها في نص آخر لفظ ( ثقب)، تقول:
الأبواب لا تعرف الصبايا/ إلا حين يصرن ثقباً [( سمية السوسي، أبواب، باب الدخول، ص 20)
     وهو دال استخدمته (غادة السمان)، حين قالت عن الرجل أنه ينظر للمرأة على اعتبار أنها (بخش)([14])، وقالت (فرجينا وولف) ما المرأة إلا رحم.
     ولما كانت (سمية السوسي) قد رسمت لوحة تشكيلة للمتلقي وكأنها تكتب (النص/اللوحة)، فقد استعارت من الفن التشكيلي العبارة الشارحة التي يضعها الفنان تحت لوحاته في المعرض لتكون للمشاهدين هادياً أو لتشير إلى أن اللوحة قد بيعت أو ما إلى ذلك. ولكن لوحة (سمية السوسي) خاصة بها ولذلك قالت هذه اللوحة ليست للبيع.
     تنتقل الشاعرة إلى مشهد آخر ركزت عليه وأرادت للمتلقي التركيز عليه عن طريق وضعه بين قوسين معقوفين وكتابته بخط أغمق من باقي النص. وهي من خلال النبر البصري الذي أحدثه تغميق الخط، ومن خلال حصر تلك المفردات تريد التأكيد على التغير الكبير الحاصل في المجتمعات كلها حيث سقطت صورة المرأة /المثال، ونموذج المرأة/ الأميرة الموجود على أغلفة الكتب. وكأن الشاعرة تريد التأكيد على أن المرأة هي المرأة الموجودة في الواقع والتي تحيا الحياة اليومية وتريد أن تحصل على حقوقها وتكون لها حياتها وحريتها.
     ولقد أوضحت الشاعرة أن المشهدين السابقين يحضران من الذاكرة في الليل فإن الليل ذو شجون يجذب كثيراً من المشاهد من لا وعي المرأة في تأكيد على أن المرأة في ذاكرتها وفي لا وعيها تحمل الكثير من المشاهد المختلفة عن مذاق الشهوة عما يحمله الرجل. تلك المشاهد التي ترى أنه يصعب اجتيازها مرة واحدة. وهي بذلك تتحدث عن طبيعة أنثوية. ومن ثم توضح التجاء المرأة في تقصي أخبار الحب والحبيب إلى الخرافة والمنجمين والبلورة وكل ما من شأنه أن يكشف لها عن ذلك البرود الذي يغلف علاقتها بمحبوبها.
    وتشير إلى ما وجهها إليه المنجم من أسباب تعود إلى وجود أخرى في حياة محبوبها، وهذا أمر بالغ الأهمية عند المرأة. كما يلجأ الكثير من الدجالين إلى العبث بالمرأة عن طريق إقناعها بوجود أخرى في حياة محبوبها تحاول أن تنسيه إياها. فتضيع ولا تجد محبوبها.
     وكما لجأت إلى البلاغة حين استخدمت الدال (المكان)، عادت لها مرة أخرى كمنقذ مجتمعي وكبلاغة فنية تقوي نصها حين لجأت إلى الدال (النص) الذي يشبه محبوبها و(الحبر). وتصور الشاعرة رغبتها في محبوبها التي عبرت عنها بأنها تود منه أن يكتبها. ومحاولته التهرب فما زالت مشاهدها المعروضة مشاهد تبدو فيها راغبة وفاعلة. ولكن محبوبها سلبي في تلك العلاقة. إلى أن تعود للتكثيف الشديد مرة أخرى في مشهد أخير. تلجأ به إلى (المدار) (الجرة) (والحديقة) (المقص) كدوال تنزاح عندها عن جادتها المعجمية المألوفة لتحمل كل معاني الأنوثة. و(الحكاية) التي سبق لي أن تعرضت لها كرمز لجأت إليه سمية عند الحديث عن علاقة حميمة مع المحبوب. ولكنها عادت مرة أخرى لتحكي عن المكان وعن البرود الذي يغلفه الذي عبرت عنه في هذا المشهد المملوء بالموسيقى الصامتة التي تسيطر عليه. وفي المشهد الأخير تبدو المرأة كالجرة محتاجة إلى محبوب يملؤها خاصة وقد اكتنزت به كما قالت. وفي لفظ الاكتناز كثير من حميمية اللقاء، ولكنها عادت لتؤكد أن الجرة فارغة حيث لم يكن هناك أي فعل من قبل المحبوب. لذلك استخدمت (ما زالت) للتأكيد على أن المشهد يعيد نفسه. وبقيت هي تعاني القلق والصمت المحيط.
    سعت (سمية السوسي) في نصها ومن خلال ما به من وحدة عضوية ومجانية (لازمنية) إلى خلق فضاءات ترميزية متعددة ومتنوعة كعادتها في الكتابة لتعكس إحساسات الأنوثة، وصولاً إلى تنظيم العلاقات بين الذات الفردية والذاكرة الجمعية وما فيها من هموم مجتمعية وبؤر ثقافية وفكرية متوارثة.
     وقراءة نص (سمية السوسي) هنا لا يتسنى لنا إلا عبر إدراك (التجربة الشعورية) النسائية واللحظة الراهنة للشاعرة في مجتمعها؛ ذلك أن تفسير العوامل اللغوية والنفسية في النص "يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحيط الاجتماعي الذي تنشأ فيه الشاعرة حيث يرتبط مفهوم المرأة بجسدها ووظائفها الجنسية الثقافية التي تنتمي إليها، ونفسية المرأة ما هي إلا نتاج بنية من المؤثرات الثقافية"([15]).
     ولما كانت المشاهد أو اللوحات التي رسمتها الشاعرة مشاهد حميمية خاصة تخلصت من خيوط التبعية فقد وضعت الشاعرة بين قوسين معقوفين ] هذه اللوحة ليست للبيع [، فهي لوحة خاصة بها لا تستطيع بيعها في مجتمع أقام بين المرأة وحقها في التعبير عن حقوقها الجسدية ورغباتها الحميمية كثيراً من الموانع.
    لجأت الشاعرة إلى الحديث بلسانها عنها وعن محبوبها، فهي الراوية وهذا ساعدها - كتقنية في بناء نصها - على تفجير ما لديها من طاقات الأنا النسائية المثقلة بهمومها، وعذاباتها، ومشاعرها، وأوجاعها النفسية. فلقد عرضت لنا اندفاعها وسلبيته، ولم نسمع صوت محبوبها عبر النص بنفس الدرجة التي لم نر فيها أي فعل له. كما لجأت إلى العديد من التضادات مثل (عاندت - أحتويك، فارغة - نملأ، المشاعل- البرود) والتي تشكل هارمونية مع بقية مفردات النص تثري الإيقاع الرئيس للنص، إلى جانب استخدام اللون والصوت، والملمس لجذب حواس المتلقي. وإلى تشظية المفردات عبر النص بالشكل الذي يساعد القاريء على أن يشاركها في همومها وآلامها ويقيم علاقة جدلية بين الصوت الإيقاعي والصدى النتاج عنه داخل النص. وإلى العديد من وسائل الترقيم الظاهرة أو الملغية بشكل متعمد لدفع القاريء إلى تخيل ما وراء النص. وذلك لإعطاء فرصة لكل قاريء لأن ينطلق بخياله إلى أقصى ما تساعده ثقافته.
     وإذا كانت (سمية السوسي) قد صورت لنا لوحة ليست للبيع فإن (زليخة أبو ريشة) رفضت في نصها (الحائط الجبان) اللوحة المهاجرة، تقول:
ليس بالإمكانِ أن يظلَّ هذا الحائطُ/ الجبانْ/ مفرَّغاً من المغامرة.
وليس بالإمكانِ أن أُعدَّهُ للوحةٍ/ مهاجرةْ.
الحائطُ الجبانُ أبيض كما التراثُ
ماثلٌ للزُّرقة الحمقاء مثلَ قنطرَةْ.
ومُدْلَهمُّ الصوتِ كلّما صَببتُهُ/ بذاكرَةْ
والحائطُ الجبانُ مصطفىً لخربشاتِ الحُزْنْ.
لكنَّه لأنَّه جبانْ/ يدير ظهرَهُ لنا
ويتركُ الفراغَ حولَنا ملطّخاً بالجبن
                   ......
                   ......
                     الحائط الجبان!!
                         ( زليخة أبو ريشة، تراتيل الكاهنة ووصايا الريش، الحائط الجبان، ص25-26)
     نفت (زليخة أبو ريشة) وبقوة منذ المفردات الأولى لقصيدتها النثرية ما أطلقت عليه الحائط الجبان، وكان نفيها لكل أشكال الاستكانة أمامه وتركه يعلو ويزداد سمكاً في وجه المرأة وأن يتم تجهيزه ليبدو في لوحة مهاجرة. فلا بد من مواجهة الواقع.
    ولكن المتلقي الذي صدم منذ بداية النص بذلك النفي، وذلك الدال (الجبان) الذي جاء وصفاً للحائط، والتجاء الشاعرة إلى الإيجاز والمجانية. من المؤكد أنه سيبدأ بالتفكير سريعاً فيما تقصده الشاعرة من الدال (الحائط) وسبب نعتها له بالجبان ورغبتها في المغامرة لتحطيمه، قبل أن يفعل فعلته مع المرأة دائماً ويدير ظهره، ودون السكوت عنه وتركه دائماً في منطقة الظل، حيث لم يعد ذلك ممكناً. ولم يعد ما يتركه من حزن وشعور بالجبن والدونية يمكن أن يتم غض الطرف عنه.
   ولكن الشاعرة سرعان ما تقرب الصورة للمتلقي حتى لا تتركه يضيع في تخيلاته وتحليلاته لتشبه له الحائط الجبان بالتراث. ومفردة التراث ستحمل للمتلقي كل أشكال التراث والذكرة البطريركية التي صادرت حق المرأة وتعاملت معها بأفكار مقولبة، فعانت منها ما عانت. بالرغم من وصفها للتراث بأنه أبيض.
     في قصيدة دائرية تكشف الشعرية في العالم بنت الشاعرة قصيدتها فبدأت منذ العنوان بالحائط الجبان وانتهت إليها، فالدائرة ما زالت تدور على المرأة، وما زالت المشكلة قائمة تدور المرأة في رحاها ولم تحل بعد فتنفتح الدائرة وتساعد المرأة في الخروج إلى العالم ورؤيته بوضوح والمشاركة به تأثيراً وتأثراً. وقصيدة النثر في الغالب " ذات وحدة مغلقة، هي دائرة - أو شبه دائرة- لا خط مستقيم، وهي مجموعة علائق تنظم في شبكة كثيفة، ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد، منظم الأجزاء، متوازن، تهيمن عليه إرادة الوعي التي تراقب التجربة الشعرية وتقود توجهها"([16]).
     كما أحدثت وحدة في الانطباع عند المتلقي نتيجة قدرتها على اختيار الموضوع، والصور وطريقة بناء النص.
     ولمزيد من الإيقاع وتركيز كافة حواس المتلقي على نقطة التبئير في النص اعتمدت الشاعرة على التدفق العاطفي الحر، وكررت (الحائط الجبان) منذ العنوان أربع مرات. وكان في تقسيمها للنص وما به من تصوير ما ساعد على إحداث إيقاع مرتفع للتأثير على أذن المتلقي.
    ورسمت الشاعرة للمتلقي الفراغ/الصمت، الذي كان يعكسه الحائط الجبان، ذلك الفراغ الملطخ بالجبن عبر سطرين من النقاط، وبه تكتمل شعرية القصيدة التي بدأت الشاعرة منذ السطر الأول في تكوينها. وقد تركت للمتلقي حق المشاركة بها عن طريق تعبئة الفراغ بما يتداعى إلى مخيلته. وحتى لا يذهب بخياله بعيداً عادت لتؤكد له أنها تريد أن تتركز دائرة التفكير على ما يدعو لمزيد من الاستغراب وهو الحائط الجبان.
     استخدمت الشاعرات الفلسطينيات كل أشكال الإيقاع في بناء قصائدهن النثرية. وقد لجأت الشاعرات لكل تلك التقنيات عند عرض معاناتهن ورؤيتهن للعالم في النصوص السابقة ليخلقن من الموسيقى الداخلية داخل قصيدتهن النثرية ما يعوضها عن الموسيقى الخارجية/العروض.     
     ويرى محمد عبد المطلب:" إن مساحة القول الشعري تسمح لنا بتجميع كم وافر من الظواهر الأفقية والرأسية، ذات الطبيعة التراكمية. وهذا التراكم يولد نوعاً من الإيقاع الداخلي والخارجي، على صعيد واحد لا يقل عن الإيقاع العروضي، إن لم يجاوزه أحياناً"([17]).
     وفي النهاية لقد خلصت إلى أن الشاعرات الفلسطينيات قد استخدمن كل أشكال الإيقاع فكتبن قصيدة البيت، والتفعيلة، والنثر. وقد وجدن في قصيدة النثر خير ملاذ موسيقي للتعبير عن المسكوت عنه الكامن في أنفسهن، ومعاناتهن النفسية. وفي كل الحالات نجد أن الصورة الموسيقية كانت دائماً تصدر بمواصفات من خلال رؤية الشاعرة للعالم، والآخر، ونفسية الشاعرة حتى أصبحت "تشكيلاً نفسياً قبل أن تكون تشكيلاً طبيعياً"([18])، وذلك نظراً لتعدد الأبعاد والمستويات الشعورية والنفسية في الرؤية الشعرية. 
     
    


([1]) طه عبد البر، قضايا النقد الأدبي بين النقد والتطبيق، دار التأليف، القاهرة، 1983، ص33.
([2]) أسامة شهاب، أدب المرأة في فلسطين والأردن 1948-1988، ص245.
([3]) شهيرة الشريف، من القلب، عرس الشهيد، ص37.
([4]) عطاف جانم، لزمان سيجيء، ص18، 22، 38.
([5]) شهلا كيالي، وانقطعت أوتار الصمت، أرض الخليل سلام، ص59.
([6]) هيام الدردنجي، قصائد رحلة صيف، ص12.
([7]) أسامة شهاب، أدب المرأة في فلسطين والأردن 1948-1988، ص411 -413.
([8]) المرجع السابق، ص263.
([9]) باسم الخطايبة، شعر المرأة في الأردن بين 1980-2000، وزارة الثقافة، ط1، 2003، ص266-267.
([10]) أسامة شهاب، أدب المرأة في فلسطين والأردن 1948-1988، ص398-399.
([11]) المرجع السابق، ص 260.
([12]) صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة، ص217.
([13]) صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة، ص219.
([14]) لفظ عامي يعني ثقب.
([15]) سوسن ناجي رضوان، المرأة في المرأة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، د.ت.، ص 186.
([16]) سامي مهدي، أفق الحداثة وحداثة النمط، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1988، ص97.
([17]) محمد عبد المطلب، النص المشكل، سلسلة كتابات نقدية، هيئة قصور الثقافة، 1999، ص 149.
([18]) عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967، ص 226.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق