الجمعة، 23 ديسمبر 2016

تدخل الدولة لاستصلاح الأراضي بهدف زيادة الإنتاج.


تدخل الدولة لاستصلاح الأراضي بهدف زيادة الإنتاج.
تدخل الدولة لاستصلاح الأراضي ودعمها بما ينميها :
     وتحته عدة فروع :
الفرع الأول : موقف الدولة من حيازة الأرض المعطلة عن الإنتاج :
** تمهيد :
     ما دام الهدف من الإحياء والإقطاع والتحجير هو الحث على دعم الثروة الزراعية داخل الدولة الإسلامية حتى نضمن زيادة الرفاهية لكل فرد من أفراد الدولة ، فهل من المعقول أن يقبل الإسلام بقاء الأراضي الزراعية معطلة في أيدي أصحابها سواء ملكوها عن طريق الإحياء أو الإقطاع أو التحجير . ففي بقائها في أيديهم وتحت حيازتهم دون استثمار وتنمية يعد ضرراً على المجتمع المسلم .
     حيث إنه يخالف الحكمة من الحث على الزراعة في الكتاب والسنة وما عمله الصحابة . فلم يقطع النبي –صلى الله عليه وسلم لمجرد رغبة ولم يبح إحياء الأراضي الزراعية في قوله : " مَنْ أحيا أرضاً ميتة فهي له " إلا لأجل الإحياء وزيادة الإنتاج ودعمه في داخل الدولة الإسلامية .
     وقد أدرك الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين- هذه التوجيهات والتعاليم فهبوا ينمون الأراضي الزراعية ويشجعون على ذلك سواء بالإقطاع كما سبق أو بسحب الأراضي المعطلة كما يلي :
** موقف عمر –رضي الله عنه من الأراضي المعطلة :
     وذلك عندما رأى أن بعض الأراضي الزراعية في عهده بدأ يدب فيها الوهن ، سارع إلى تشجيعها وما فعله مع بلال بن الحارث ([1]) لأكبر شاهد على ذلك .
     حيث أدرك عمر أن ملكية الأرض الزراعية تظل سارية المفعول حتى يقف إنتاجها ثم تعطى من يتولاها ويرعى شئونها ، وإلا تعطلت أراضي كثيرة بسبب فناء الناس أو موتهم أو حماهم لأكثر مما يستطيعون تنميته أو إقطاعهم مساحات يعجزون في النهاية عن تنميتها ، فتمر ثلاث سنوات وهي على تلك الحالة ، وقصة عمر مع بلال هي كالآتي :
     ( أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أقطع بلال بن الحارث ، فلما كان عمر قال لبلال : إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لم يقطعك لتحيزه عن الناس إنما أقطعك لتعمر ، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي) ([2]) .
** وما روي عن عمرو بن شعيب : أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أقطع ناساً من جهينة أو مزينة أرضاً فعطلوها ، فجاء قوم فأحيوها فخاصمهم الذين أقطعهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى عمر بن الخطاب ، فقال عمر : ( لو كانت قطيعة مني أو من أبو بكر لم أردها ولكنها قطيعة من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأنا أردها : مَنْ كانت له أرض –يعني مَنْ تحجر أرضاً- فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها ) ([3]).
** وجه الدلالة من القصتين :
     إن عمر –رضي الله عنه- اكتفى بمدة ثلاث سنين لإعطاء الفرصة الكافية لمن أراد أن يحي الأرض ، حيث اضطر –رضي الله عنه- إلى سحب الأرض من هؤلاء النفر لأنه مضى على إقطاعهم ثلاث سنوات منذ وفاة الرسول –صلى الله عليه وسلم- ولم يحيوها ، وذلك لاستصلاح الأراضي ودعمها وتشجيعها لزيادة الإنتاج .

** ب- ومن تشجيع الخلفاء لاستصلاح الأراضي لأجل الإنتاج :
     ما وري عن علي بن أبي طالب : ( أنه جاء إليه رجل فقال : أتيت أرضاً قد خربت وعجز عنها أهلها ، فكريت أنهاراً وزرعتها . فقال هنيئاً ، وأنت مصلح غير مفسد . معمر غير مخرب ) ([4]) .
وجه الدلالة : حيث أقره علي –رضي الله عنه- على إحيائه الأرض التي خربت وعجز أهلها عن استصلاحها ولم ينكر عليه فعله وذلك لزيادة الإنتاج وتكثير الثروة .
** تشجيع عمر بن عبد العزيز على استصلاح الأراضي :
     عن زريق بن حكيم قال : ( قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي أن أجر ما أحيوا ببنيان أو حرث ) ([5]) .
ووجه الدلالة : حيث أمر الخليفة الزاهد عامله أن يعطي مَنْ أحيا أرضاً بزراعة ونحوها ، وهذا من استصلاح الأراضي ودعمها لزيادة الإنتاج والنماء .
** موقف العلماء من سحب الأرض المعطلة :
1- يقول ابن قدامة : ( ولا ينبغي أن يقطع الإمام أحداً من الموات إلا ما يمكنه إحياؤه . لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقاً على الناس في حق مشترك بينهم بما لا فائدة فيه . فإن فعل وتبين عجزه عن إحيائه استرجعه منه كما استرجع عمر –رضي الله عنه- من بلال بن الحارث ما عجز عنه من عمارته من الذي أقطكعه إياه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ([6]) .
2- ما قاله الكاساني :
     لو قطع الإمام الموات إنساناً فتركه ولم يعمره لا يتعرض له إلى ثلاث سنوات مدة لإنهاء الأعذار ، فإذا أمسكها ثلاث سنوات ولم يعمرها دل على أنه لا يريد عمارتها بل تعطيلها فبطل حقه ، وتعود إلى حالها مواتاً . وكان للإمام أن يعطيها غيره ([7]) .
** ويقول الشافعي :
     ( ومَنْ أقطع أرضاً أو تحجرها فلم يعمرها رأيت للسلطان أن يقول له أحيها وإلا خلي بينها وبين من يحيها ، فإن تأجله رأيت أن يفعله ) ([8]) .
** رأي محمد الوكيل في تحديد مدة ثلاث سنوات للقطع :
     تعتبر مدة ثلاث سنوات خطة زائدة لم يسبق إليها أحد قبل الإسلام ، إذ أن الفرصة التي أعطاها الرسول –صلى الله عليه وسلم- للناس فرصة كافية لتحقيق الغرض من الاستيلاء على الأرض واستحقاق الإقطاع . فمن أخرها فوق ذلك فقد عطل العمران ووقف في وجه التقدم العمراني الذي ينشده الإسلام ، فاستحق حينئذ أن تنتزع منه الأرض وتعطى لم يعمرها ويسهم بذلك . وأن المسلمين لو تركوا الناس يحتجزون الأرض ويحوزونها من غير تعمير أو إصلاح لظلت الأرض معطلة ، قليلة الموارد . وتكون المدة سيفاً على رقاب المهملين ، بحيث يجدون في العمل ([9]) .
** أقول في المسألة :
     أنه إذا عطلت ثلاث سنوات ولم تستنتج لزراعة ونحوها ، فإن من يحيها فهو أحق بها حتى من صاحبها وأدعم رأيي بما يأتي :
1- ظاهر قوله –صلى الله عليه وسلم- : " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " . فإن تنكير أرضاً يشعر بالعموم وتقييدها بالميتة يخرج الأرض المنتجة ، وكذلك ظاهر قوله : " وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنوات " ، فلا شك أن إعطاء صاحب الأرض فترة ثلاث سنوات كفيلة بتحريكه إن كان له رغبة في الإنتاج ونفع المجتمع .
     والسبب الرئيسي في حث الإسلام على الزراعة وتشجيعه لها وحمايته لها لا شك أنه لزيد إنتاج الأراضي الزراعية فتنعكس الفائدة على الفرد والجماعة .
     وإني أرى أن يخير صاحب الأرض الزراعية بين عدة أمور يختار واحداً منها :
1- يتوكل على الله ويشمر عن ساعد الجد ويزرع وينتج .
2- وإما أن يجبر على بيعها على من عنده استعداد لحرثها وزرعها بسعر المثل .
3- وإما أن يؤاجرها بدراهم أو دنانير أو مغارسة أو مزارعة حتى يضمن إنتاج الأرض .
4- وإما أن يجبر على تركها إلى من هو بحاجة إليها ليزرعها وينتج فيها .
5- وإذا انتهت الثلاث سنوات ولم ينفذ واحداً مما سبق فتصادر منه الأرض بعد إخطاره بذلك وتعطى لمن يقوم بزراعتها وبهذه الطريقة نجمع بين الأدلة وأقوال العلماء .
     وفي الوقت نفسه ننمي أكبر كمية من الأراضي القاحلة لصالح الفرد والجماعة داخل الدولة الإسلامية وسيأتي مزيد من التفصيل حول هذا الموضوع في مبحث خاص .
الفرع الثاني :
(استصلاح الأراضي الزراعية ودعمها من قبل الدولة) :
*تمهيد :
     مما لا شك فيه أن هناك حالات قد لا يحتاج فيها المرء إلى مساعدة في أرضه الزراعية ، ولكن ليست هذه هي القاعدة العامة ، إذ إن هناك حالات أخرى لا يستطيع الفرد فيها أن يقوم منفرداً بتبعاتها ، وذلك كالمشاريع الكبيرة التي تنعكس فوائدها على أكبر كمية من الأراضي الزراعية . وذلك مثل شق الأنهار وردم المستنقعات وفتح الطرق وتسهيلها وإقراض المزارعين على مستوى الدولة ونحو ذلك مما تنعكس فوائده على الإنتاج الزراعي ويسير به قدماً نحو الإنتاج الزراعي السريع الذي تنعكس فوائده على الفرد والجماعة داخل الدولة الإسلامية .
أولاً : موقف عمر لاستصلاح أرض السواد :
      اجتهاد عمر -رضي الله عنه- في خراج الأرضين للسواد ، أن عمر –رضي الله عنه- لم يوزع أراضي السواد في العراق على الفاتحين بل أبقاها –رضي الله عنه- في أيدي أصحابها يؤدون خراجها ([10]) .
     ولا شك أن هذا التصرف من الخليفة عمر هو عين الصواب والحكمة في محاولة استصلاح الأراضي الزراعية بهدف رفع مستواها الإنتاجي لصالح عموم أفراد الدولة الإسلامية في الحاضر والمستقبل .
     إذ رأى –رضي الله عنه- أن توزيعها على الفاتحين سوف يؤدي بها إلى قلة الإنتاج على المدى القريب أو البعيد وذلك للأسباب التالية :
أولاً : إن بقاءها في أيدي أهلها يؤدي إلى مضاعفة الإنتاج وتنميته لأنهم أدرى بالوسائل الزراعية بكاملها .
ثانياً : تصرف عمر بهذا الأسلوب يقطع خط الرجعة على الذين لا هم لهم إلا جمع الأراضي أنتجت أو لم تنتج . وما موقفه من (بلال الحارثي) عندما عطل الأرض إلا شاهد على هذا .
ثالثاً : تصرف عمر بهذا الأسلوب إنما هو خدمة للأجيال القادمة وضمان لاستمرار غذائها عن طريق الخراج المستمر على هذه الأرض .
     وهو عين ما يسميه القانونين –في وقتنا الحاضر- (الخطط المستقبلية) تلك التي تنظر إلى توفير احتياجات الأجيال القادمة . إذ قد سبقهم عمر –رضي الله عنه- للتخطيط للمدى البعيد عند تصرفه هذا ، وذلك بتدخله بضمان جودة الإنتاج لهذه الأراضي وضمان مردودها للدولة الإسلامية ، عن طريق الخراج بدل التوزيع .
** ثانياً : موقف عمر من إصلاح الطرق والأنهار والجسور لدعم الزراعة :
     ومن الأدلة على أن الدولة ملزمة بإصلاح الأراضي الزراعية والطرق عموماً ما قاله عمر –رضي الله عنه- : (والله لو أن بغلة عثرت بنهر دجلة لوجدتني مسئولاً عنها لِمَ لَمْ أمهد لها الطريق ) ([11]) .فالمفهوم من كلام عمر أنه يعزم على إصلاح الطرق من بيت المال العام حتى يتضاعف الإنتاج في الدولة بمصادره المتعددة زراعياً أم تجارياً أم صناعياً .
     وهذا عمر يأمر أبا موسى الأشعري وإليه (على البصرة) أن يحتفر لأهل البصرة نهراً فحفر لهم نهراً طوله أربعة فراسخ . ولما انطم (ردم) منه قدر فرسخ أشار زياد بن أبي سفيان على عبد الله بن عامر والي البصرة –من قبل عثمان- أن يحفر ما انطم من النهر .
     وحفر زياد بن أبيه النهر المعروف بنهر (دبيس) ، وحفر عبد الله بن عامر نهره الذي يعرف بنهر (الأساورة)([12]). 
** وفي عهد عمر : (أخذ في حفر خليج القاهرة الذي فمه عند موردة الخلفاء بمصر ، فوصل به إلى بلبيس ثم إلى السويس ساحل بحر القلزم في ثمانية أشهر . وجرى فيه ماء النيل وحملت القلال فيه إلى السويس ثم من السويس إلى الحجاز في عامه ) ([13]) .
** مساعدة الدولة للمحتاجين نمن الفلاحين :
     ورد في فتوح البلدان للبلاذري : ( أن عمر –رضي الله عنه- أعان نافع بن الحارث بن كلدة في أرض اتخذها للنخل والزراعة ) ([14]) .
فعل عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه- لإصلاح الأراضي الزراعية :
     عن أبي عبيدة بن الحكم عن عمر بن عمر بن العزيز أنه كتب إلى عامله : ( انظر ما قبلكم من أرض الصافية فأعطوها بالمزارعة بالنصف وما لم تزرع فأعطوها بالثلث . فإن لم تزرع فأعطوها حتى تبلغ العشر . فإن لم يزرعها أحد فامنحها . فإن لم تزرع فأنفق عليها من بيت مال المسلمين ولا تبيرن قبلك أرضاً ) ([15]) ، (**) .
     ووجه الدلالة حيث وجه الخليفة واليه إلى استصلاح الأراضي البور بمزارعتها وأمره بالإنفاق على إصلاحها من بيت مال المسلمين .

** رأي العلماء في ذلك :
أ- رأي ابن تيمية من الحنابلة ، يقول الإمام بن تيمية (رحمه الله) :
     ( وأما المصارف العامة ، فمن المستحقين لها ذوي الولايات عليهم ، كالولاة والقضاة والعلماء ونحوهم . وكذا صرفه في الأثمان والأجور لما يعم نفعه من سداد التغور ، بالكراع والسلاح وعمارة ما يحتاج إلى عمارة من طرقات الناس كالجسور والقناطر وطرقات المياة –كالأنهار- ) ([16]) .
ب- رأي السرخسي من الحنفية ، يقول :
     ( إن من مسائل الحق العام في الدولة الإسلامية تحمل مؤونة إصلاح النهر العام ) ([17]) .
جـ- رأي أبي يوسف حول شق الأنهار على حساب الدولة وإصلاحها إن احتاج الأمر إلى ذلك، يقول أبو يوسف :
     ( وعلى الإمام كري هذا النهر الأعظم ، الذي لعامة المسلمين إن احتاج إلى كري ، وعليه أن يصلح مسناته إن خيف منه ) ([18]) .
د- وقد ذكر الماوردي –في الأحكام السلطانية :
     ( أن جملة واجبات الخليفة جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف ، ومنها تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير ) ([19]) .
     ولا شك أن حفر الترع وفتح الطرق وبناء الجسور وتعويض المتضررين يعد من مصالح المسلمين الذي يستحق في بيت مال المسلمين .
     ومما تقدم يتبين لنا حرص الشريعة الإسلامية على استنماء الأرض وعدم تعطيلها . حيث أقرت سحب الأرض المعطلة من يد معطلها وأقرت تخصيص شيء من ميزانية الدولة لاستصلاح أراضي المسلمين عن طريق إصلاح أنهارهم وطرقهم العامة ومساعدتهم في الكوارث ونحوها ، وأكدت ذلك بالحوادث التاريخية في العصور الزاهرة وبأقوال العلماء وفقهاء الشريعة الإسلامية .
     ومن ذلك يتبين لنا سبق الشريعة الإسلامية على الأنظمة الوضعية المعاصرة التي تدعو إلى سحب الأرض ممن عطلها وفرض ميزانية خاصة لتشجيع القطاع الزراعي .
     وبما أن الإنتاج الحيواني في الغالب يعتمد على الإنتاج الزراعي فلذلك من المناسب أن ننظر موقف الشريعة من الإنتاج الحيواني لما لذلك من أهمية في دعم الإنتاج في الدولة وإليك الحديث فيما يلي :
الفرع الثالث :
( دعم الإسلام للثروة الحيوانية ) :
     دعا الإسلام إلى الاهتمام بكل من الإنتاج النباتي والحيواني .
أ- الأدلة من القرآن :
قال تعالى : ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ) ([20]) .
وقال تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ) ([21]) .
وقال تعالى : ( وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً ) ([22]) .
     فالشاهد من الآيات : إن الله تعالى ذكر هذه الأنواع المتعددة من الحيوانات وما ذلك إلا لشرفها وعظم أهميتها بالنسبة للإنسان ، الذي خلقت من أجله لينميها ويركبها ويأكل منها .

ب- تشجيع الإسلام للثروة الحيوانية من السنة :
     ( نهيه صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل ) ([23]) ، أي أخذ الأجرة عليه ، لأن الناس يحتاجون إليه ليتكاثر النسل والإنتاج . وروي عنه صلى الله عليه وسلم : " من حق الإبل إعارة دلوها وإطراق فحلها " ([24]) ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : " خير المال مهرة مأمورة " أي كثير النتاج والنسل([25]) .
* وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ذبح ذات اللبن ، فقال : " لا تذبحن ذات در " ([26]) .
     فبناء على ما تقدم لابد من تشجيع الإنتاج الحيواني بكل الطرق والوسائل ومن ذلك ما   يأتي :
أولاً : تشجيع أصحاب المزارع بتوفير أنواع الحيوانات لهم حتى يقوموا باستنتاجها في مزارعهم .
ثانياً : استقدام أكبر كمية من الحيوانات المباحة في الشرع من جميع أنحاء العالم ليعمل تجارب على التي تصلح في بيئتنا ويلائمها جو الطبيعة لدينا وخاصة كثيرة النتاج والنسل .
ثالثاً : منع ذبح الإناث من الحيوانات إلا في أقصى الضرورة بحيث يوضع قيود صارمة تقلل من ذبح الإناث .
رابعاً : تخصيص جزء من ميزانية الدولة لدعم الإنتاج الحيواني وتشجيع أهله . وعمل الاحتياطات اللازمة لمكافحة الأمراض التي قد تستشري بين الحيوانات .
خامساً:لاننس دور التوجيه والأرشاد للمزارعين من قبل المتخصصين بباختيار المكان المناسب لمثل هذه الحيونات والطريقه المثلى لاستنمائها .
     وغير ذلك من الوسائل المتعددة التي تساعد على زيادة الإنتاج في الدولة الإسلامية .

** استصلاح الأراضي الزراعية في العالم الإسلامي المعاصر :
الفرع الرابع :
أ- رأي الدكتور إسماعيل شلبي :
     يقول : ( تقدر مساحة الأراضي الزراعية في العالم الإسلامي حوالي (1/6) مساحة الأراضي الزراعية في العالم (16%) . وعدد سكان العالم الإسلامي يقدر بـ (1/6) سدس عدد سكان العالم (16%) . إذن فالأراضي الزراعية متوفرة بالمساحة الملائمة لعدد السكان . ولكن   يلاحظ :
** أولاً : القوة العاملة في العالم الإسلامي تبلغ (13%) من القوة العاملة في العالم فأصبح (3%) من سكان العالم الإسلامي بلا عمل .
** ثانياً : تخلف أسلوب الزراعة في العالم الإسلامي مما يسبب انخفاض إنتاج الزراعة .
** ثالثاً : اختلاف مساحات الأراضي الزراعية لدى البلاد الإسلامية أدى إلى اختلاف نصيب الفرد منها .
     لذلك يرى الدكتور إسماعيل شلبي ([27]) : أنه يلزم إنشاء بعض الشركات كمشروعات مشتركة إسلامية من أجل العمل في مجال استصلاح الأراضي الصالحة للزراعة ، حيث جميع الظروف مهيأة لإنجاح هذه المشروعات بتوافر الأراضي الزراعية لدى كل من السودان والمغرب والعراق والصومال والجزائر . وتوافر الأيدي العاملة والخبرة في القطاع الزراعي لدى كل من : تركيا وإيران ومصر وسوريا – ورأس المال في الدول البترولية .
ب- رأي الدكتور ( محمد عفر ) في استصلاح الأراضي الزراعية المعاصرة :
     يقول : وذلك يتطلب مساعدة الفلاحين فيما يأتي :
** أولاً : مساعدة المزارعين في تطوير زراعتهم عن طريق البحوث العلمية الزراعية لإرشاد المزارعين إلى أحسن الطرق لاستغلال الأراضي الزراعية ، وذلك يقتضي تحسين السلالات وأنواع المحاصيل والحيوانات وطرق تربيتها ومقاومة الآفات والأمراض وعلاجها .
** ثانياً : خدمات الإرشاد الزراعي ، وذلك بالتوسع في المراكز الإرشادية في المناطق الزراعية لإرشاد الزراع إلى الطرق الحسنة للزراعة .
** ثالثاً : كهربة المناطق الزراعية وتحسين طرق المواصلات ومقاومة الفيضانات والجفاف وتقديم القروض القريبة والبعيدة الأجل بدون أرباح ([28]) .   
** رابعاً : تحسين ظروف التسويق الزراعي ، وذلك بتهيئة الأسواق المناسبة من حيث المكان والبناء . وإيجاد المعلومات والأبحاث والإحصائيات التسويقية المختلفة ، والإشراف على أسواق السلع وإعطاء تصاريح للوسطاء .
** خامساً : تحسين الأراضي الجديدة باستصلاحها وتهيئتها بحيث تكون صالحة للزراعة .
** سادساً : تشجيع الطلب المحلي على المنتجات الزراعية وذلك بمنع الاستيراد لمثل هذا الإنتاج المحلي.
** سابعاً : تشجيع التصدير إلى الخارج ومساعدة المزارعين على ذلك ، وذلك بتعويضهم الفرق بين الأسعار المحلية والعالمية ([29]) .
     ويتابع الدكتور ( محمد عفر ) كلامه عن استصلاح الأراضي فيقول : ( وإن رفع مستوى الإنتاج الزراعي يأخذ أشكالاً متعددة منها مثلاً ، دعم الأسعار المزرعية وتقديم معونات ومساعدات مختلفة الأشكال لزيادة الدخول المزرعية ، تنويع مصادر الدخل ، وتحسين مستوى دخل المزارع عن طريق دعم إنتاجه الزراعي .
** وفي وقتنا الحاضر يأخذ مساعدة المزارع في :
1-   إقراضه الأموال بدون فائدة .
2-   لإقراضه الآلات والمعدات الزراعية بدون فائدة .
3-   تسهيل أنواع البذور وجلبها له من جميع أنحاء العالم . حتى يقوم بالتجارب على أرضه .
4-   تسهيل الطرق الزراعية وتيسيرها وردمها حتى يتمكن من تسيير إنتاجه .
5-   إيجاد السوق الملائم من جميع الوجوه لبيع إنتاجه ) ([30]) .
جـ- رأيي في المسألة :
هل يمكن الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الغذائي في العالم الإسلامي ؟
الجواب : نعم .
** أولاً : لوجود رأس المال في منطقة الخليج العربي .
** ثانياً : وجود الأيدي العاملة ، كباكستان وأندونسيا ومصر .
** ثالثاً : وجود المواد الخام والمساحات الزراعية الكبيرة في العالم الإسلامي حتى إن السودان مثلاً لم يشغل منه سوى (2%) من المناطق الزراعية وقس عليها كثيراً من العالم الإسلامي .
** رابعاً : وجود الأنهار العظيمة في منطقة العالم الإسلامي كنهر دجلة والفرات والنيل وغيرها من الأنهار والبحيرات والسدود .
     فما على العالم الإسلامي إلا التعاون والتكاتف أخذاً من قوله تعالى : " واعتصموا بحبل الله جميعاً " ([31]) , ولقوله تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى " ([32]) .


([1]) انظر : ص239 من الرسالة .
([2]) انظر : ص62 من الخراج ، لأبي يوسف ، ط : 1399 هـ .
([3]) يقول الترمذي : إن هذا الحديث حسن صحيح ، وقد رواه ابن المنذر بإسناد حسن . ووردت القصة في الخراج ، لأبي يوسف ، ص61 ، ط : 1399 هـ .
([4]) الخراج ، يحيى بن آدم ، ص63 .
([5]) في طبقات ابن سعد ، وفي الخراج ليحيى بن آدم ، ص92 .
([6]) المغني ، لابن قدامة ، ص116 ، جـ6 .
([7]) بدائع الصنائع ، الكاساني ، جـ6 ، ص194 .
([8]) مختصر المزني ، ص131 .
([9]) عناية الإسلام بتخطيط المدن ، محمد الوكيل ، ص120 .
([10]) ينظر : تاريخ عمر بن الخطاب ، لابن الجوزي ، ص112 ، دار إحياء علوم الدين ، دمشق ، وينظر : الخراج ، لأبي يوسف ، ص140 .
([11]) وفي معنى ذلك قوله –رضي الله عنه : ( والله لو مات جمل بأقصى عملك ضياعاً أخشى أن أسأل عنه ) .
ينظر أشهر مشاهير الإسلام ، ص614 ، وأخبار عمر ، على الطنطاوي ، ص232 .
([12]) البلاذري ، ص351 ، وتخطيط المدن ، محمد الوكيل ، ص125 . 
([13]) مآثر الانافة في مآثر الخلافة ، القلقشندي ، ط جـ1 ، ص91 .
([14]) فتوح البلدان ، البلاذري ، نقله محمد المبارك ، في الاقتصاد الإسلامي ، ص125 .
([15]) الخراج ، يحيى بن آدم ، ص63 .
(**) معنى : تبيرن : أن لا تعطلن أرضاً بل استصلحها بما تراه من إقطاع ونحو ذلك .
([16]) السياسة الشرعية ، لابن تيمية ، ص27 ، ط: القاهرة ، سنة 1387 هـ .
([17]) المبسوط للسرخسي ، ص203 ، جـ23 .
([18]) الكري : بمعنى الإصلاح ، مسناته : أي جوانبه ، الخراج ، لأبي يوسف ، ص97 ، ط: 1399 ، الناشر : دار المعرفة ببيروت .
([19]) الأحكام السلطانية ، للماوردي ، ص16 ، ط: أولى . وينظر : الأحكام السلطانية ، أبو يعلى الفراء ، ص28 ، ط : ثانية .
([20]) سورة النحل ، آية (52) .
([21])سورة النحل ، آية (69) . 
([22])سورة النحل ، آية (14) . 
([23]) في فتح الباري ، كتاب الإجارة ، الباب (21) ، جـ4 ، ص461 . وفي مسند أحمد ، جـ1 ، ص147 .
([24]) الطرق الحكمية ، لابن القيم ، ص305 .
([25]) الشوكاني ، فتح القدير ، جـ3 ، ص214 .
([26]) الحديث عن أبي هريرة ورواه الترمذي وصححه المناوي في فيض القدير ، جـ6 ، ص394 .
([27]) التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية ، إسماعيل شلبي ، ص315 .
([28]) السياسة الاقتصادية في الإسلام ، محمد عفر ، ص287 .
([29]) السياسة الاقتصادية في الإسلام ، محمد عفر ، ص291 .
([30]) السياسة الاقتصادية المعاصرة ، محمد عفر ، ص276 .
([31]) سورة آل عمران ، آية (103) .
([32]) سورة المائدة ، آية (2) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق