الأحد، 11 ديسمبر، 2016

أسواق العملات الدولية

أسواق العملات الدولية

المبحث الأول : ماهية أسواق العملات الدولية
لقد كانت بداية سوق الأورودولار (الدولار الأوروبي) بسبب تجنب المخاطر التي تهدد رأس المال فعندما توترت العلاقات بين دول الكتلة الاشتراكية وبين الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات عمدت هذه الدول إلى تحويل أرصدتها الدولارية المودعة في البنوك الأمريكية خشية تجميدها إلى البنوك الأوروبية وخاصة البنوك اللندنية، واحتفظت بها في صورتها الدولارية، ومن ثم أطلق اسم سوق الأورو-دولار على هذه الأرصدة بالدولار الموجودة خارج الولايات المتحدة الأمريكية والمودعة في البنوك الأوروبية, وقد اتسع مضمون سوق الأورودولار ليشمل العملات الدولية التي تودع في بنوك خارج حدود الدولة المصدرة لهذه العملات كأن يودع الجنيه الاسترليني والمارك الألماني في بنوك فرنسية أو سويسرية ... إلخ.
وعلى الرغم من أن الدولار هو العملة المسيطرة في سوق عملات الأورو فإن عمليات سوق عملات الأورو لم تقتصر على البنوك المتواجدة في أوروبا وحدها، بل امتدت لتشمل البنوك الآسيوية في سنغافورة وهونغ كونغ وطوكيو وأطلق على هذا السوق "سوق الدولار الأسيوي" وقد امتدت إلى مراكز الأوفشور الموجودة في بعض الدول مثل دولة البحرين، جزر الباهاماس وبرمودا وكايمان ايلاند وبناما ويرجع السبب في استعمال أكثر لفظ (سوق عملات الأورو) عليها هو أن هذه السوق نشأت في البداية في أوروبا، وأن البنوك الأوروبية تلعب دورا رئيسيا في هذه السوق.
يعتبر الدولار الأمريكي بالنسبة لباقي العملات الأجنبية عملة هامة تحتل مركزا مرموقا لأسباب عدة أهمها: ثبات قيمته نسبيا مما يجعل البنوك المركزية في العالم حريصة على الاحتفاظ به ضمن احتياطاتها إلى جانب أن الاقتصاد الأمريكي الذي يتخذ مركزا قياديا في التجارة الدولية قد جعل من الدولار وسيلة دفع نقدي دولي، وأصبح عملة دولية مقبولة لتنفيذ معظم الصفقات المالية التي تنجز في أسواق النقد العالمية ولهذا أصبحت تتردد لدينا بعض المصطلحات في هذه الأسواق مثل: سوق اليورودولار، سوق البترودولار.
ولفهم أكثر حول تعريف ونشأة هذه الأسواق سوف نتناول في هذا المبحث العناصر التالية: 
1-   تعريف أسواق العملات الدولية.
2-   نشأة العملات الدولية.
3-   تطور أسواق العملات الدولية.
1- تعريف أسواق العملات الدولية :
لقد استمدت هذا السوق تسميتها بهذا المصطلح عندما بدأت البنوك الأوروبية تفتح لعملائها حسابات ودائع لأجل بالدولار وتلتزم برد هذه الودائع عندما يحين أجلها للسداد بالدولار وهذه الطريقة تخالف العرف السائد لدى البنوك التجارية والقاضي برد الودائع بالعملات المحلية.
ولكن ما يجرى ويحصل في الوقت الحاضر في الأسواق الأوروبية قلل من دور اليورودولار ودلالته وخاصة بعد أن قامت البنوك الأوروبية بتعميم تجربتها على البنوك التجارية الأخرى في معظم أنحاء العالم, كما أن الأمر أصبح مختلفا حيث لم يقتصر دور البنوك الأوروبية على قبول الودائع بالدولار فقط بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بقبول ودائع بعملات أجنبية رئيسية كالمارك الألماني والفرنك السويسري.
ولذلك اقترح لتسميتها بـ "Eurodevises" وهي عبارة عن ودائع بنكية بعملات تختلف عن عملة البلد الذي يوجد فيه البنك وهناك شرطان أساسيان لأن تكون الوديعة أوروبية (دولية) وهما:
الشرط الأول: المؤسسة التي تقبل الوديعة يجب عليها أن تكون بنكا تجاريا والمودع يمكن أن يكون بنكا آخر أو أي شخص أو مؤسسة أخرى غير بنكية.
الشرط الثاني: أن يكون البنك في مكان خارج البلد الذي تحمل الوديعة عملته وتسمى البنوك التي تقبل وتقرض عملات أوروبية بالبنوك الأوروبية.(1)
ومن هنا أصبحت سوق العملات الأوروبية تعني في الوقت الحاضر مجموعة أو شبكة كاملة من العمليات النقدية والمالية ذات الطابع الدولي, كذلك فإن الأطراف المتعاملة في هذه السوق لم تعد هي البنوك التجارية وحدها بل شملت البنوك المركزية, والمؤسسات المالية الدولية، والمشروعات دولية النشاط والسلطات والهيئات العامة في مختلف الدول.(2)
2- نشأة أسواق العملات الدولية :
نشأت هذه الأسواق في أواخر الخمسينيات وبالتحديد في عام 1958 عندما وافقت المصارف البريطانية على التعامل بودائع الدولارات التي بحوزتها خاصة بعد تكدس فائض كبير من الدولارات الأمريكية لديها, فقد ساعد العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي على انسياب كميات ضخمة من الدولارات إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة عن سيطرة السلطات النقدية الأمريكية عليها.
والسبب في نشوء هذا العجز يرجع إلى التوسع في بناء القواعد العسكرية في أنحاء العالم، وبرامج المساعدات للدول النامية الحليفة لأمريكا، والحرب الكورية, وبعدها الحرب الفيتنامية, كما أن جزءا هاما من العجز ظهر في حساب رأس المال ضمن ميزان المدفوعات الأمريكي بسبب اتجاه رؤوس الأموال الأمريكية إلى الاستثمار في الخارج, كما أن عامل قبول الدولار كعملة احتياطية دولية موثوق بها، إضافة إلى انعدام القيود على التحويلات الخارجية قد ساعد كثيرا على نشوء هذه الأسواق وتوسع نشاطها وبالدرجة الأولى سوق اليورودولار وخصوصا بعد زيادة العائدات النفطية ونشوء ما سمي بالدولارات النفطية "بترودولار" التي تمثل هي الأخرى نوعا من الدولارات التي تقع خارج دائرة التأثير الفعلي للولايات المتحدة الأمريكية الدولة المصدرة لهذه الدولارات.
ونتيجة لوجود أموال سائلة خارج سيطرة السلطات النقدية المحلية لأية دولة، فقد أصبحت محاولاتها لتحقيق استقرار في اقتصادياتها الداخلية غير فاعلة نظرا لتسرب الدولارات إليها من خلال أسواق العملات هذه وبسبب ذلك اتخذت السلطات النقدية الأمريكية نفسها بعض الترتيبات قصد منها الحد من تدفق رؤوس الأموال الأمريكية إلى الخارج، حيث قام البنك الاحتياطي الفيديرالي بتحديد أقصى سعر للفائدة التي يمكن للمصارف الأمريكية أن تدفعه على الودائع.(3)
وبما أن سعر الفائدة على الدولار الأوروبي كان أعلى من سعر الفائدة الذي حدد في أمريكا, فقد أصبحت أسواق الأورودولار أكثر جاذبية بالنسبة للودائع الأمريكية كما حفزت المصارف الأمريكية على الاقتراض من هذه الأسواق لتعويض الودائع التي سحبت منها. 
ورغم أن سوق الدولارات الأوروبية قد قامت بتوفير السيولة النقدية لمختلف دول العالم الرأسمالي والاشتراكي والمتخلف إلاّ أن متابعة التركيب الهيكلي للديون المستحقة للمصارف العاملة في هذه السوق يوضح أن ثمة تركيزا واضحا لهذه الديون من حيث توزيعها الجغرافي تمثل في بضع دول بنسبة 70% من إجمالي الحقوق الخارجية لتلك المصارف وذلك في سنة 1983 ومعظم هذه الديون مستحق لبنوك خاصة أمريكية أو لبنوك ذات أصل أمريكي.(1)
3- عوامل تطور أسواق العملات الدولية :
1- التحويل الحر للعملات:
 بتحول معظم دول أوروبا من نظم الرقابة على الصرف إلى نظام التحويل الحر للعملات في أواخر سنة 1958 أصبح في الامكان إجراء عمليات تبادل الصرف الأجنبي  في الأسواق النقدية المختلفة بدون قيود.
2- عجز ميزان المدفوعات الأمريكي:
لقد ساهم العجز الكبير لميزان المدفوعات الأمريكي خلال فترة الستينات في نمو السوق بدرجة كبيرة نتيجة توافر الدولار في أوروبا بعد أن أصبح في الامكان إيداعه لدى البنوك خارج الولايات المتحدة الأمريكية مقابل الحصول على فائدة.
3- تعليمة θ Régulation:
  سعت البنوك وعملاؤها إلى تجنب القيود التي تضعها السلطات النقدية الوطنية والتي ترفع من تكلفة الائتمان أو تضع حدا للفوائد على الودائع, ولهذا لجأت إلى سوق الدولار الأوروبي ومن أهم القيود المفروضة هي تلك التي وضعها بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي) والتي تسمى تعليمة θ والتي تحدد الحد الأعلى لسعر الفائدة المدفوعة على الودائع لأجل بالدولار وكان سعر الفائدة متدنيا, وكانت سوق الأورودولار تدفع سعر فائدة أعلى للودائع بما في ذلك الفوائد على الحسابات الجارية، وبإمكان هذه السوق أن تقرض بسعر فائدة أقل من ذلك الذي تتقاضاه البنوك الأمريكية، وفي نفس الوقت تحقق عائدا مقبولا، وفي إمكان البنوك اليورو عملات أن تمارس نشاطها بهوامش ربح أفضل من تلك التي تعمل بها البنوك المحلية للأسباب التالية:
‌أ-    عدم الالتزام بإيداع نسبة من الودائع لديها كاحتياطي قانوني لدى البنك المركزي مثل سائر البنوك التجارية المحلية ولتوضيح ذلك نفترض أن نسبة الاحتياطي القانوني 10% فإن البنك المحلي تحتفظ في الواقع بنسبة 90% فقط من قيمة الوديعة, في حين أنه يدفع فائدة للمودع عن كامل قيمة الوديعة، فإذا افترضنا أن سعر الفائدة هو 15% فإن تكلفة الأرصدة بالنسبة للبنك تساوي:
                       



أي أن تكلفة الأرصدة لمبلغ الاحتياطي القانوني تساوي 1.67 %.
‌ب-   عدم تحمل بنوك الأورو عملات مصاريف التأمين على الودائع.
‌ج-   عدم وجود ضرائب تفرض على بنوك الأوروعملات.
‌د-    غياب القيود المفروضة على السلطات النقدية بعدم تجاوز حد أعلى لسعر الفائدة على الودائع.
‌ه-    غياب القيود التي يصدرها اتحاد البنوك في الدولة للبنوك للالتزام بالحدود القصوى للعمولات التي تتقاضاها البنوك من عملائها.
‌و-    عدم وجود التزام على بنوك الأوروعملات بتخصيص جانب من محفظته الائتمانية للقروض التفضيلية ومنها القروض المقدمة للفلاحين التي تتميز بسعر فائدة منخفض ويوضح الشكل التالي الفرق بين أسعار الفائدة في الأسواق المحلية وسوق الأورودولار.

شكل رقم (20) : الفرق بين أسعار الفائدة في الأسواق المحلية وسوق الأورو دولار


الفائدة على الإقراض في السوق المحلية
الفائدة على الاقراض في بنوك الأورو
الفائدة على الودائع في بنوك الأورو
الفائدة على الودائع في السوق المحلية


التي يتقاضاها البنك المحلي، أما الفائدة على الودائع في اليورو بنك فإنها تزيد عن نظيرتها في السوق النقدية المحلية.
4- ساهمت بلدان أخرى قبل ألمانيا, سويسرا واليابان في تطور سوق عملات الأورو عندما اتخذت إجراءات للحيلولة دون تدفق نقد رؤوس الأموال إلى أسواقها للاستثمار فيها وذلك بتحويلها إلى الأسواق النقدية الخارجية أي أسواق اليوروعملات.
5- الفوائض المالية للبلدان المصدرة للنفط:
نتج عن مضاعفة سعر البترول عقب حرب أكتوبر 1973 فوائض مالية كبيرة والتي حصلت عليها الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للبترول وقد عرفت هذه الفوائض بالبترودولار أو الدولارات البترولية (Petro-Dollars)، فقامت بإيداعها في البنوك الأوروبية خاصة وكان يطلق على أساليب استثمار هذه الودائع تعبير تدوير الدخول النفطية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق