الثلاثاء، 6 ديسمبر 2016

النظام الشمسي الشهب والكويكبات والمذنبات

         يحتوي نظامنا الشمسي على عدد كبير من الأجرام صغيرة هي الكويكبات والشهب والمذنبات. هذه الأجرام مهمة من الناحية الفلكية، فهي تعطينا معلومات حول زمن النشوء و التركيب و الظروف الفيزيائية في السد يم الشمسي. فالكويكبات أجرام صخرية أو معدنية أو غنية بالكربون، وتوجد بشكل رئيسي في طوق الكويكبات بين مداري المشتري و المريخ. أما المذنَبات فهي أجسام جليدية توجد في المقام الأول في سحابة أورت بعيداً جداً عن مدار بلوتو.
         يصبح المذنب مرئياً إذا ما شوش مداره بنجم عابر أو نحوه، فيسقط باتجاه النظام الشمسي الداخلي، حيث تذيب أشعه الشمس النواة المتجمدة وتسبب تبخر الغاز. يدفع ضغط الإشعاع والريح الشمسية الغاز المنطلق والغبار على شكل ذيل. تنحصر بعض المذنبات ضمن مدارات قصيرة الدورة. حيث يمكن أن تنصهر لتكون تجمعاً من الغبار والصخر الرملي. فإذا عبرت الأرض مسار ذلك المذنب أو أقتربت منه فإن الأنقاض التي تسقط داخل الغلاف الجوي تسبب وابل الشهب.
         تصطدم الأرض بين حين وآخر أجرام ضخمه من كويكبات أو مذنبات تحدث فوهات، أو في حالات نادرة جداً – انقراضاً حيوانياً شاملاً.     


الشهب والكويكبات والمذنبات

ثمة أجرام كثيرة تدور حول الشمس مبعثرة في جميع أرجاء النظام الشمسي وهي أصغر من الكواكب بكثير،تسمى الكويكبات والمذنبات. والكويكبات عموما أجرام صخرية في النظام الشمسي الداخلي. أما المذنبات فهي أجرام جليدية تقضي معظم عمرها في النظام الشمسي الخارجي. هذه العناصر الصغيرة من عائلة الشمس التي هي من مخلفات عملية تكون المنظومة الشمسية ذات أهمية كبرى لعلماء الفلك لأنها أفضل مصدر للمعلومات حول عمر الكواكب والظروف التي تكونت فيها. والواقع أن بعض الكويكبات والمذنبات قد تكون نوى كوكبية (وهي الأجسام الصلبة التي تكونت منها الكواكب) استمرت دون أن تطرأ عليها تغيرات تذكر منذ ولادة النظام الشمسي.
وبصرف النظر عن قيمتها العلمية فالكويكبات والمذنبات تستحق الدراسة بسبب جمالها الأخاذ وخطرها المميت في الوقت ذاته. فمنظر المذنب في السماء عند الفجر بذيله الذي يتخذ شكل ريشة براقة، منظر بديع حقاً. لكن ما نأمله فعلا هو أن لا يصطدم مذنب كبير أو كويكب بالأرض، فقد أفنى جزءا كبيرا من مظاهر الحياة القديمة عليها كما قد يكون له آثار مدمرة على الكائنات الأرضية الحية فيما لو حدث في المستقبل.
         سنرى في هذا الفصل سبب اعتقاد علماء الفلك بأن الكويكبات والمذنبات مرتبطة بنوى الكواكب. كما سنرى لماذا كانت الأحجار النيزكية التي هي شظايا الأجرام التي تسقط على غلافنا الجوي، هي مفاتيح مهمة لمعرفة زمن ولادة النظام الشمسي القديم وبنيته. وسندرس أخيرا كيف يتغير المذنب من كرة من الجليد قطرها 10كيلو مترات إلى راية من الضوء جميلة في السماء ليلا..

الشهب والأحجار النيزكية
         إذا أمضيت ساعة من الزمن تنظر إلى السماء ليلا فمن المحتمل أن تكون قد رأيت "شهابا" وهو شعاع من الضوء يظهر خلال جزء من الثانية ويختفي بسرعة. يسمى علماء الفلك هذه الظاهرة الطبيعية الجميلة بالشهب. والشهاب جسم صلب ارتفعت درجة حرارته حتى التوهج لدى عبوره الغلاف الجوي للأرض، ويحصل معظم هذا التسخين على مسافة تبلغ نحو من 100-50كيلو متر من الأطراف الخارجية للغلاف الجوي.
يسمى ذلك الجسم الصلب وهو في الفضاء وقبل أن يصل الغلاف الجوي بالنيزك meteoroid.

ارتفاع درجة حرارة الشهب
         ترتفع درجة حرارة الشهب عندما تدخل الغلاف الجوي لنفس السبب الذي تسخن بفعله مركبة الفضاء. فعندما يندفع جسم ما من الفضاء الخارجي داخلا إلى الطبقات العليا للغلاف الجوي الأرضي، فإنه يصطدم بالجزئيات والذرات الجوية، ومن شأن هذه الاصطدامات أن تحول بعضا من طاقة الجسم (أي الطاقة الحركية) إلى حرارة. ففي خلال ثوان تسخن الطبقة الخارجية للشهاب وتصل حرارتها آلاف الدرجات المطلقة وتتوهج. وبافتراض أن سرعات الدخول هي من رتبة 10كم/ث على الأقل وأنها كثيرا ما تصل إلى 30 أو 40كم/ث فإن الاصطدام بجزئيات الهواء يكون عنيفا للغاية ويسبب انفصال الذرات عن الجسم نتيجة تبخر الطبقات السطحية منه. يطلق ذيل المادة الحارة المتبخرة وكذلك الغاز الجوي ضوءا مسببا الوهج الذي نراه.
         وإذا كان حجم النيزك يزيد على بضع سنتميترات فإنه يولد كرة من الغاز المتوهج حوله وقد يترك ذيلا مضئيا أو دخان، تسمى هذه الجسيمات النيزكية الاستثنائية والمرئية أحيانا في وضح النهار "كرات النار".
         تصطدم النيازك بالأرض باستمرار وبحسب تقديرات علماء الفك فإن وزن تلك الجسيمات يبلغ مئات الأطنان من المادة يومياً ويحدث ذلك التصادم بين منتصف الليل والفجر أكثر مما يحصل في ساعات المساء، لذلك كان الصباح الباكر هو الوقت الأمثل لرصد الشهب. ويمكن تفسير هذه الظاهرة بمثال بسيط : فأنت إذا ركضت تحت المطر أصاب البلل صدرك أكثر مما يصيب ظهرك. هكذا يتقدم جانب الفجر من كوكبنا نحو الأنقاض النيزكية القريبة منا في الفضاء في حين يبتعد جانب الليل عنها.
         إن معظم الشهب التي نراها لا تدوم أكثر من بضع ثواب فقط، وهي مؤلفة من نيازك بحجم حبة عنب أو أصغر. ترتفع درجة حرارة هذه الأجرام الصغيرة إلى درجة عالية جدا بحيث تتبخر تماما. أما الأحجار الأكبر حجماً فلا تتبخر إلا جزئيات رغم سخونتها، ذلك أن مقاومة الهواء تبطئ من حركتها إلى حد بعيد بحيث تتحمل قسوة الظروف حتى تصل إلى الأرض. نسمي تلك الشظايا التي نجدها على الأرض بالأحجار النيزكية meteorites.

الأحجار النيزكية
يصنف علماء الفلك الأحجار النيزكية في ثلاث فئات كبيرة بحسب تركيبها : حديدية وحجرية (أي مكونة بشكل رئيسي من مركبات السيليكات) وحجرية حديدية. تتألف الأحجار النيزكية الحجرية غالبا من قطع صغيرة مستديرة متلاصقة من مادة صخرية. تسمى الحبيبات عقيدات chondrules وتسمى الأحجار النيزكية التي لها تلك البنية المتكتلة بالنيازك العقيدية chondritic ceteorites. يبدو أن العقيدات قد ذابت بسرعة ثم بردت في السديم الشمسي علما بأن سبب التسخين لا يزال مجهولاً. تحتوي العقيدات على آثار مواد مشعبة يمكن استخدامها لقياس عمر العقيدات، فهي قديمة جدا ترجع إلى 4.5 مليار سنة خلت، ويعتقد أنها أول المواد الصلبة التي تكثفت في السديم الشمسي، لكن كثيرا من العقيدات تحتوي على مواد أكثر قدما، وهي حبيبات غبارية بقيت منذ زمن يسبق ولادة النظام الشمسي، ومن هنا فإن النيازك العقيدية توفر لنا معلومات قيمة حول التاريخ القديم للنظام الشمسي.
ففي بعض الشهب العقيدية تكون العقيدات متوضعة داخل مادة سوداء غنية بالكربون تشبه الفحم، لذلك فهي تسمى بالعقيدات الكربونية carbonaceous chondrites. تحتوي هذه المادة الكربونية على مركبات عضوية بما فيها الأحماض الأمينية، وهي الجزئيات المعقدة ذاتها التي تستخدمها الأجسام الحية لبناء بروتينها وموادها الوراثية. إذا يدل وجود الأحماض الأمينية في مادة الأحجار النيزكية على أن المواد الرئيسية للحياة يمكن أن تتكون في الفضاء، وربما كانت متوفرة منذ البداية في النظام الشمسي نفسه. وبغض النظر عن وجود الأحماض الأمينية في الأحجار النيزكية فإن السؤال مازال مطروحا حول كيفية تكون تلك الأجرام ومكان تشكلها وسبب وصولها إلى الأرض، إذ يعتقد علماء الفلك بأن معظم تلك الأجرام ليس إلا شظايا كويكبات ومذنبات. ومع ذلك فإن بعضها قد يكون قطعاً صخرية من سطح القمر أو المريخ انطلقت في الفضاء بفعل ارتطام كويكب بهذه الأجرام.





وابلات الشهب
         إذا خرجت في ليله صافيه ترعى السماء فإنك ترى شهاباً كل 15 دقيقه تقريباً. إن معظم هذه الشهب هي شظايا تائهة لكويكبات تصل إلى الأرض بشكل عشوائي. وفي أوقات متفرقة من العام قد تشاهد شهاباً كل بضع دقائق بدلاً من كل ربع ساعة أو أكثر. وإذا راقبت تلك الشهب بدقة لاحظتً أنها جميعها تأتي من الاتجاه نفسه في السماء. تسمى الشهب من هذا النوع "وابلات الشهب"، وأشهر وابلات الشهب ما يحدث في منتصف شهر أغسطس من كل عام. ففي خلال الفترة مابين 11-13 منه تسقط الشهب في غلافنا الجوي من اتجاه يقع نحو كوكبة فرساوس. ولا علاقة للشهب في حد ذاتها بهذه الكوكبة، بل إنها تدور في مدارات حول الشمس تصادف وقوعها في ذلك الاتجاه، و كذلك عبور الأرض لمدراتها في منتصف شهر أغسطس. لذلك يكثر عدد النيازك الساقطة خلال تلك الفترة أكثر من المعتاد. فخلال الوقت الذي تعبر فيه الأرضٌ المسارَ الذي تتبعه النيازك يتراءى أنها تتباعد من نقطة مشتركة تسمى منبثق الشهب radiant. تسمى وابلات الشهب عموماً نسبة للكوكبة التي يتراءى أنها تتشعَب منها. وهكذا فكل وابلات هو بمنزلة إشارة إلى زمن عبور الأرض لمدار مذنب نشط أو منطفئ. وفيما يدور مذنب حول الشمس وتتبخر مواده الجليدية والغازية، فإنه يترك في مداره ذيلاً من الغبار وقطعاً صغيرة من المواد الصلبة التي لفظتها النواة. وعندما يعبر كوكبنا هذا الذيل أو يقترب منه، تصيبه هذه الأنقاض المجهرية التي تتساقط ضمن غلافنا الجوي وتحترق مولدة بذلك وابل شهب.
        
التصادمات العملاقة
         في كل بضعة آلاف من السنين يصطدم نيزك ضخم بالأرض، وهو جرم يبلغ قطره عشرات الأمتار أو أكثر. ولا تُحدِث هذه الأجرام وهجاً مدهشاً فحسب عندما تعبر الغلاف الجوي، وإنما أيضاً انفجاراً هائلاً عند تصادمها. وكما بيَنا سابقاً، يمكن أن يكون للنيازك طاقة حركية كبيرة جداً. فإذا لم يشتعل النيزك لدى مروره عبر الغلاف الجوي، فإن طاقته الحركية المتبقية تنطلق عندما يصطدم بالأرض أو عندما يتحطم في الغلاف الجوي.يمكن أن تكون الطاقة المتبقية المنطلقة كبيرة، كما يتبَين بسهولة من خلال عبارة الطاقة الحركية لجسم ما
E=mv² حيث تمثل m كتلة الجسم وv سرعته. ففي حالة نيزك يزن 100 كجم ويسقط بسرعة 30كم/ث (أي104×3م/ث ) تكون الطاقة الحركية للتصادم مساوية 4.5×1010=2/2(100×(3×104جول، وهي مساوية تقريباً للطاقة التي تنطلق بتفجير 100طن من الديناميت. وقد جرم كهذا حفرة قطرها 30 متراً. فإذا كان قطر الجرم 10 أمتار، أي بحجم منزل صغير، فإن قوته الانفجارية عند التصادم تساوي القوة الانفجارية لقنبلة نووية حرارية، ويخلف حفرة قطرها 1كم تقريباً. فلو صدم جرم كهذا منطقه مكتظة بالسكان لكانت نتائجه مأساويه فعلاً
ولحسن الحظ فإن مثل تلك الكوارث لم تقع حديثاً، ولكن حصلت بعض التصادمات المروعة من هذا النوع في الماضي البعيد.

فوهات الشهب العملاقة
         من أشهر حوادث الصدم التي تعرضت لها الأرض بشهاب حادثه أوجدت الفوهة الضخمة شمالي أريزونا في الولايات المتحدة. فمنذ حوالي 50000 عام ضرب نيزك ناهز قطره 50متراً الأرض على بعد حوالي 40 ميلاً شرقي فلاجستاف. ونتيجة لاصطدامه بالأرض تبحرت أطنان من الصخر، وانسلخت قشره الأرض مولده فجوه قطرها حوالي 1.2 كم وعمقها 200متر. ومنذ فترة أقرب في عام 1908، ضربت نواة مذنب منطقة غير مأهولة تقريباً في شمال وسط سيبيريا. هذه الحادثة، التي سميت بحاثه تنجوسكا نسبه للمنطقة التي ضربتها، سوت الأشجار بالأرض خارج نقطه الانفجار حتى مسافة 30كم. وقد سبق الانفجار كرة ناريه مضيئة في السماء تبعتها سحب من الغبار وهجاً غريباً للسماء ليلاً دام عده أيام، كما أصاب الانفجار شخصاً على بعد 110 كم من نقطه الاصطدام، ولكنه لم يتسبب في قتل أحد، والضحية الوحيدة كانت عدداً من أيائل الرنة ضمن قطيع. هذا ولم يتمكن العلماء من زيارة الموقع إلا بعد عقدين من الزمن بسبب الاضطرابات السياسية في روسيا آنذاك. وكانت الفوهة قد اندثرت بمرور السنين, فلم يجدوا من آثار ما حدث إلا الأشجار. ومن المثير أن الأشجار في مركز المنطقة المتضررة بقيت قائمه على أصولها، لكنها جردت من أغصانها، مما يدل على أن الانفجار حدث في الجو. إن حصول الانفجار في الهواء دون وجود فوهة أو شظايا نيزكيه قاد إلى الاعتقاد بأن مذنباً هو السبب. فعند دخوله الغلاف الجوي سخنت المواد الجليدية فيه وتمددت بصورة انفجارية. وإذا افترضنا أن أجزاء منه بقيت كي تصل إلى الأرض, فمن المؤكد أنها ذابت قبل أن يرود أي إنسان المنطقة بزمن طويل.
         قام بعض علماء الفلك مؤخراً بحسابات خلصوا منها إلى أن كويكباً حجرياً قطره حوالي10أمتار قد يدخل غلافنا الجوي بسرعه كبيرة بحيث أن قوة احتكاكه في الهواء قد تسبب تفتته إلى عدة أجزاء صغيرة. بعد ذلك تتبخر تلك الأجزاء مسببة أنفجاراً عنيفاً لا تبقى منه أيه شظية كي تصل إلى الأرض. ومن هنا لم يهتد الفلكيون حتى اليوم إلى معرفة السبب الذي أدى إلى وقوع حادثة تنغوسكا.
         وثمة آثار تصادمات أقدم وجدت في أماكن عديدة على كوكبنا؛ فبحيرة مانيكواغان الكبيرة الحلقية الشكل التي يبلغ قطرها نحو 70كم هي في الواقع فوهة شهاب. وكذا هو الحال بالنسبة لفوهة وولف كريك في شمال غرب استراليا.
كما وجد بعض علماء الفلك فوهات أكبر، إلا أنهم ليسوا على يقين من أنها تحمل ملامح  صدم؛ منها فوهتان على شكل قوس كبيرة (قطرها حوالي 500 كم )على الطرف الشرقي  لخليج هدسون، وحوض أخر قطره300 كم في أوربا الوسطى، أضف إلى ذلك احتمال وجود فوهات أخرى قد تكون محتجبة تحت رواسب الأرض أو تحت المحيطات.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق