الاثنين، 19 ديسمبر، 2016

المرأة والزمن

  
المرأة والزمن
     يعتبر الزمن من القضايا الأنثوية بالغة الأهمية عند المرأة، بل إنه يشكل عنصراً ملحاً على المرأة في وعيها ولا وعيها. حيث تخاف المرأة دائماً أن يمر الزمن، فبمروره من الممكن أن تفقد الكثير على المستوى النفسي، والجسمي، والمجتمعي، مما يؤثر في عطائها. تقول (أنيسة درويش):
أنظر إلى وجهي/ أرى عمراً مضى/مرات ومرات
أنظر حولي/ أرى ثيابي ... شراشفي، مجهوراتي
بقايا تراكمات
أنظر إلى تحفي وأطباقي/ ثرياتي أراها
تذرف الدمعات
أرى حديقتي غابت معالمها/جراري بلا ماض
لا زيت أجدادي/ ولا أحلى حكايات
ورودي تعاتبني/ على عشق تبادلناه/ مضى
أحسها وأسمع الآهات/ كل ما حولي يحسني
أني بعض ماض/ مهما تتابعت الأيام
بشيء من العمر آت
أنا الشقاوة كنت/ العشق والصبا
كنت الجمال/ ورنة الضحكات
أرى وردة جرحتها الريح/ خبا عطرها
لا نحل يلثمها/ لا حولها تتراقص الفراشات
ذكرى.. مجرد ذكرى أنا
لشيء جميل فات ( أنيسة درويش، وأهون عليك، أنا والمرايا، ص 90-91)
     صورت (أنيسة درويش) نفسها وقد كبرت، بأن كل ما حولها قد أصابه ما أصابها من علامات الزمن. وهي تعبر عن خصوصية أنثوية معروفة وهي حب المرأة للتحدث عن جمالها الذي كان في زمن الشباب. ولذلك استخدمت الشاعرة ( العشق، الصبا، رنة الضحكات). ولكن مرور الزمن عليها يورثها الألم ولذلك استخدمت ( خبا عطرها، لا نحل يلثمها، لا حولها تتراقص الفراشات، ذكرى، شيء جميل فات). فلقد أصبحت شيئاً من الماضي. وتعبر (أنيسة درويش) عن مرور الزمن بتكرار الدال ( تشرين) وذلك في ديوانها (وأهون عليك).
     وتخاف (فاتنة الغرة) من الزمن، تقول:
أريدك قبل هجوم الصقيع/ وقبل انتحار الجدائل. فيّ
فمن سوف يرجع عمري إليّ ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، أريدك حباً، ص15)
     وتصور (سهير أبو عقصة داود) اقتراب محبوبها منها ينسيها الزمن، ويطفيء شوقها، تقول:
لا تقترب منى
اقترابك/كان ينسيني/ الزمن
كان ينسيني/انعطافي/ في حنايا من رماد
كان ينسيني احتراقي
في زوايا من ألم ( سهير أبو عقصة داود، الخطايا العشر، الخطيئة الثانية، ضد القانون، ص 24)
     وكذلك (منى ظاهر)، تقول:
اللوعة ما بينك/ وبيني،
تميت الفرقة/ والزمن ( منى ظاهر، ليلكيات، قدر، ص 71)
     والزمن يرتبط في عقل المرأة ببعض الدوال من مثل: (القطار- الخريف)، وربما تكون قد ورثت ذلك. ولذلك نجد أن المرأة تخاف دائماً من مرور القطار، حتى أن لفظ القطار يقبع في لا وعي المرأة وتشعر أنه يلح عليها ويهددها دائماً، وكذلك يفعل الخريف، تقول (فاتنة الغرة):
قبل أن تمضى بعيداً/ دع جبينك يستريح
على وسادة مرفأي الشتوي
حرر منك عمري/ واسكب من عيوني سورة الفردوس
عجل،/ لا قطار على الطريق الآن (فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، وعد، ص 28 )
     وفي نص (تفتحات امرأة خريفية) للشاعرة (شهلا كيالي)، تصور زمن الخريف الذي غزاها وهي في الغربة والألم الذي يفعله بها، وكيف أنها لم تعد تتفتح ولا شيء يعيدها إلى سابق صباها إلا رؤية الوطن وبلدتها (اللد) وبحرها وجمالها، فرؤية الوطن تعيدها إلى أيام شبابها الأولى، تقول:
لأن البحر يسكنني/ رسمت ملامحي الأولى
فصار الموج أغنيتي/ وجزري مد غيمته علي وهمي
ألم ضفيرة تطفو /علي موجاته الحيرى
ونبدأ قصة أخرى/ شباك الصيد تغزلها
شعاع الشمس يحصدها
ولا أدري أماء البحر يحملها
أم أن الشمس تحمله
أذوب بسحر مرآها
ويبقي البحر أغنيتي ( شهلا الكيالي، عندما الأرض تجيء، تفتحات امرأة خريفية، ص 53 )  
     كما تتألم (فاتنة الغرة) أنها تقف ومحبوبها كشجرة، فالزمن يمر، تقول:
أنا وأنت شجرتان تقفان في صحراء
والعين بينهما تتسع/ والخريف يزحف (فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، ص66)
     وترى (روز شوملي) أن لا شيء يخفف من آلام الخريف ومرور الزمن سوى قليل من الحب، ولقد كررت لفظ خريف في ديوانها (للحكاية وجه آخر) (3) مرات، تقول:
1.    لا أريد من العمر/ غير قطرة حب
أزيت بها أبواب الخريف/ فأدخلها دون ضجيج
قليل من الحب يفرح قلب/ ويرطب لحظات الوداع
لربيع لن يعود
2.    قليل من الحب
يضفي على الخريف نكهة الريحان
فلا نخشى انعطاف الآخرة /أكثر من قطرة تسكرنا
وتضيء فينا الذاكرة / آه لو نسينا الذاكرة
فننسى حزننا الأبدي
3.    في خريف العمر
تفتقد نوافذنا الفرح /يخلع الحنون لونه
وتفقد الحساسين أوتارها
تشحب الأشياء من حولنا/ ويقلقنا رذاذ المطر
أما الغيم/ فسرب مهاجر/ لا يعرف الوطن
ولا يخاف الاغتراب (روز شوملي، للنهر مجرى غير ذاته، قليل من الحب، ص69-70)
     وتتساءل(روز شوملي) في نصها ( هل تكون معي)([1]) إن كان محبوبها سيكون معها حينما تسقط أوراق الخريف ولا يبقى غير الذكريات. وتؤكد (رجاء أبو غزالة) في نص دائري أنها مع الرجل/المحبوب تستطيع اغتيال الزمن، ولا تشعر أن ارتباطها بالرجل يقيدها، وهذا عنوان ديوانها، وعنوان قصيدتها الأولى في الديوان:
كثير عليّ أن أقول أنا امرأة
أنا هاربة من العمر/ إلى صدر نيسان.
وفي اندفاعي ولهفتي،/ وثرثرتي وغبطتي،
جرفتك معي.
بعيداً عن الجاروشة العتيقة... الحياة
عن مدينة الناس/ وغابة الإنسان،
وأسكنتك قلبي/ جناح البراكين
حيث أصوات الرغبة تغلي
في مرجان النسيان
بيني وبينك ينهزم الزمن/ وتصير التقاليد تراثاً
والعادات كفن/ وذلك الخاتم الذهبي
الذي تسجن به الزوجات
دولاب حرية/ ينطلق بلا رسن
معك تعيش كل نساء الأرض في أعماقي
معك../ أستطيع اغتيال الزمن
                 (رجاء أبو غزالة، معك أستطيع اغتيال الزمن، معك أستطيع اغتيال الزمن، ص 5، 6، 8).
     وترى (ريتا عودة) أنها بتواجدها مع محبوبها يستطيعان خلق أجمل زمن، وأجمل دنيا، تقول:
أنا وأنت/ نكتب التاريخ بأبجدية
حروفها شمس/ وفواصلها قمر!
نلغي القبائل/ والعقائد الهمجية
نختصر المسافات/ الطويلة .. الطويلة..
نصنع زمناً آخر/ نصنع دنيا
أجمل ما فيها..
أنت/ وأنا! (ريتا عودة، ثورة على الصمت، أنا وأنت، ص50)
     وتأسف (سهير أبو عقصة داود) على العمر الذي ذهب هباء، في حب فاشل، تقول:
وقلنا البعد رائع/ وقلنا الحلم رائع
والأمل في انتظار الفرج رائع
وها أنا أقضم/ أظافر شيخوختي
أتحسس نافذة القلب/ وآسف
لا على الحب/ بل على عمر الذهب
على عمر ذهب                         ( سهير أبو عقصة داود، برتقال المدى الأسود، أسف، 119- 120)
     كررت الشاعرة لفظ (رائع) لتلمح للمتلقي بما كانت تظنه رائعاً وهي تنتظر محبوبها. ولكن الشيخوخة دهمتها، مما جعلها تندم على ساعات العمر الجميلة والثمينة التي مرت هباء. ولعل في تكرار حرف (الباء) ثلاث مرات، وفي الجناس الكامل بين (الذهب وذهب) ما كثف الموسيقى في نهاية النص إيذاناً بالوصول إلى الخاتمة.
     وتصور (روز شوملي) المرأة الفلسطينية في الغربة وكأنها خارج الزمن، أضاعت الماضي والمستقبل بل الحاضر. وهذا ما كانت تشعر به وتتألم منه وهي بعيدة عن وطنها، تقول:
خففت حملي كي أطير/ أحرقت كل دفاتري
وزعت كل حوائجي
وعندما تركت البيت/ نسيت فيه أضلعي
علقت خارج الزمن/ دون وزن أو مكان
بين أمسي والغد/ ضاع مني حاضري        (روز شوملي، للحكاية وجه آخر، عبثية الأشياء، ص 55)
     أما بالنسبة لأزمنة المرأة فلقد أظهرت نصوص الشاعرات بعض المحطات التي أبرزت استلاب المرأة، وهي محطات زمنية في حياة المرأة تعرضت فيها دوماً إلى الاضطهاد والاغتراب، أبرزها: الطفولة، والمراهقة، والزواج.
أ‌-   زمن الطفولة:
     تناولت بعض الشاعرات زمن الطفولة بمزيد من الاهتمام في نصوصهن. وذلك لما له من أثر كبير في شخصية الإنسان وتصرفاته.
     يرى (باسم خطايبة) أن شعر المرأة "قد اهتم بالطفولة من جانبين: الأول، الاتجاه التربوي التعليمي الداعي إلى التمسك بالقيم التربوية، والأخلاق الحميدة، والثاني، الاتجاه لزرع القيم الجهادية وتنمية روح المقاومة للعدو في فلسطين من خلال الشعر الموجه للانتفاضة"([2]). والحقيقة أنه قد اهتم أيضاً بتصوير الهم الأنثوي المرتبط بمرحلة الطفولة.
     لقد كانت (زينب حبش) مدرسة ولذلك كتبت عن قصف العدو الصهيوني بدم بارد مدارس الأطفال الذين هم بعمر الزهور، غير آبهين لأصواتهم وهم يقولون (ماما ماما) مستغيثين بأمهاتم. قصفهم العدو بالصواريخ الأمريكية الصنع فسقط الشهداء من الأطفال وتناثرت أجسادهم أشلاء وهم يتألمون ويتأوهون ويستغيثون. كما حدث في مدرسة بحر البقر الابتدائية المصرية. مما شل تفكيرها وقتل البسمة بعينيها(*[3]). وهي مع ذلك لا تحمل العدو الصهيوني كل التهمة فقد ألقت بالجزء الأكبر منها على ما أسمته أمريكا الكبرى والتي تعطي إسرائيل صواريخ الفانتوم والنابالم فتدوس وتشوه بها أحلام الطفولة وتلطخها بالدم، وتسرق ضحكات الأطفال وتحرمهم دفاترهم وأقلامهم وريشتهم وألوانهم وكل الجمال في حياتهم([4]). وحكت فدوى طوقان في نصها ( رسالة إلى طفلين في الضفة الشرقية)([5]) حكاية الوطن الفردوس الضائع ليظلوا على ارتباط دائم ببلدهم، ويحنوا إليه.
     وليست (زينب حبش) الوحيدة التي أوردت بعض أنواع الصواريخ في أشعارها فلقد تكلمت (كلثوم مالك عرابي) عن النابالم، بل لقد كان عنوان أحد دواوينها (النابالم جعل قمح القدس مراً) والذي صدر في العالم 1968. 
     وعن الأطفال تقول فدوى طوقان " الأطفال هم نقطة الضعف المركزية عندي. حبي لهم يبلغ حد الوجع. قفز تفكيري نحو أطفال شقيقتي الاثنتين، أديبه وحنان، ثم تخطاهم إلى أطفال الآخرين. أولئك هم أحباب الله، فهل يتخلى عن حمايتهم؟ كيف السبيل إلى إنقاذ كرمة حنان وعمر وهانية وعمار وأخواته من الشبح القادم؟ كيف السبيل إلى حماية هؤلاء الأطفال وكل الأطفال الآخرين من معاناة الخوف والجوع والعطش وأهوال الحرب ومآسيها؟ كم يعوزني الإيمان.. وكم أنا بحاجة إليه في هذا الوقت العصيب يا الله، إني أفزع إليك لأسألك الرحمة بأحبابك"([6]).
     ولكن الطفولة في فلسطين تكبر فجأة بسبب الاحتلال والوضع السياسي الصعب الذي يعيشه الوطن، فترمي الطفلة الألعاب وتفكر في الوطن السليب وقد تناثرت أجزاؤه، تقول (عطاف جانم):
جلست ( شيرين) فوق الطاولة
أمسكت كوز الذره/ حدقت فيما تناثر
من حبيبات حواليه، بأيديها الرقيقة جمعتها
حاولت تصفيفها في الكوز، لكن الحبيبات العنيدة
رفضت إلا ائتلاف الانفصام
فرمت شيرين في نزق كهولي بعنقود الذره
وبكت في حرقة لا تدعيها
رفضت كل ( خشاخيش) الصغار
كبرت شيرين في لحظة حزن
منذ أن ألقت بعنقود الذره!!
حدقت ( شيرين) في حزني قليلاً
زحفت نحوي بصمت/ عانقتني
وتوارت مقلتاها في الفضا
وبماذا يحلم الأطفال يا ( شيرين) والخفاش
    يجتاح الشوارع /  والمساجد / والمدى    (عطاف جانم، لزمان سيجيء، عنقود الذره، ص22-24)
    وتصف (شهلا كيالي) طفلاً سفح دمه جنود الاحتلال الصهيوني، وتقول على لسانه:
أنا ما مت/ وإني لم أزل كالجدار
أمتد وأنمو وأقاتل/ وعروقي لم تزل
في الجسم تحيا وتغني ( شهلا كيالي، كلمات في الجرح، العيد وسقوط الصغار سنة 1982، ص 20)
     وقد صورت (روز شوملي) أمها الإنسان البسيطة، وحكاياتها التي كانت تقصها عليهم في زمن الطفولة، وهي تنسج لهم الملابس، وبذلك تحمل ملابسهم العديد من الحكايات. وكله عبارة عن نسج سواء القصص أو الملابس، تقول في قصيدة (للحكاية وجه آخر) التي جعلتها عنواناً لديوانها:
رائحة الأرض التي/ يحررها المطر الأول
تعلن بدء الحكاية
لكن أمي لا تجيد القول بالكلمات
تكتب أمي الحكايات/ بخيوط من حرير وصوف
وبلمسة من سحر يديها
تصنع أمي من الأشياء نهاراً يقص حكايات الليل
وتحيك من الحكايات/ دثار دفء وحنان
أمي لا تتقن صوغ الكلمات
لكن الحكايات/ من خيوط الشوق
تغزل قبلاً مع الليل/ وبلمسة من نثر يديها
تكبر مع الليل الحكاية/ تبلغ سن الرشد
فيكتمل العمل (روز شوملي، للحكاية وجه آخر، للحكاية وجه آخر، ص 13-14)
وأظهرت الشاعرات العديد من القضايا التي تخص المرأة في زمن الطفولة الأنثوية من: الجو الاقتصادي والاجتماعي والعاطفي الذي كانت تعيشه، وأنواع الحرمان، وعلاقات الأب والأم والأخوة الذكور والبنات والتمييز بينهم، وسيطرة فرد في الأسرة، وموقف الأسرة من البنت وكبتها وتقييدها، وموقف الأسرة من الجنس، وتفضيل الذكور على البنات في الأسرة واضطهاد البنت، والأمراض العصابية في الطفولة.
     ولقد اشتغلت الشاعرات على زمن الطفولة المعذب والمضطهد وغير المستقر، من زوايا مختلفة. فلكل شاعرة ظروف وأسباب مختلفة للحديث عن الشقاء في الطفولة، (فاتنة الغرة) لم تكن تستطيع التعبير عن حبها بالشكل الذي تريده، ولذلك كانت تمر بمراحل من النكوص إلى زمن الطفولة وإلى حضن أمها حتى تهرب، وكنوع من التفريغ الجنسي، تقول:
                    أمي/  أرى عينيك تبتعدان
من لي الآن/ يرقيني/ يغطيني
يرد على أبواب الطفولة
يرقد جنب عمري/ يحكى لي
"جارية وحبشيه
تكتب ع الصينيه
واللي يحب النبي
يبعتله هديه"
                وحق الله أهواه/ فلا تضعي يد الذكرى
                على عنقي ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، بوابة، ص47 )
     يمثل الحب الذي تصوره (فاتنة الغرة) الحب الأول الصامت، وما تعانيه البنت فيه من الكبت، والحب من طرف واحد، والفشل، والتمرد على القيود والخوف من القبيلة ورجال العائلة، والتخوف من الأم. ولعل ألفاظ (فاتنة الغرة) توحي أنه حب رومانسي خجول، من مراهقة تبحث عن فتى الأحلام، فتجد كثيراً من المعوقات التي تمنعها من ممارسة أية علاقة بحرية. لذا تشعر أن عواطفها يجب أن تبقى حبيسة داخلها. تأكلها وتحرقها حرقاً، ولا تجرؤ أن تعلن عن حبها، خوفاً من حبل القبيلة. ولذلك حبست عواطفها. وإن كانت قد أقسمت أنها تهواه طالبة من أمها ألا تضع على عنقها سكين الذكرى الأنثوية التي عانت القهر والظلم.
     لجأت (فاتنة الغرة) إلى أمها طالبة منها أن تعيدها إلى زمن الطفولة حين كانت تضمها وتغني لها. ولكن الأغنية الشعبية التي أشارت لها، هي رمز من اللاوعي إلى المرأة ودورها في المجتمع. فالأم تغني لابنتها جاريه وحبشيه... وهو تراث يرسخ في اللاوعي دور المرأة التقليدي حين تتزوج فتصبح عند زوجها جارية أو حبشية في خدمته ورعاية المنزل.
     وتصور عمها ومراقبته إياها، وتقييده. وهي تطلق عليه (حارس الأشجار) وقد كررت هذه الصفة له في الديوان مرتين، فهو السلطة القامعة، التي تسلبها الحق في أن تتمتع بحياتها فتغفو قريرة العين، تقول:
لم تحررني القيود/ ولم يفك القفل بعد
وحارس الأشجار يتربص بي
ويفزعني قرع النوافذ
لم أنم في العمر مرة
                   في الحي تعدو أمنياتي/ يرجمونها بالحجارة
                   -من لم يكن منكم-
في الحي أخطو مثل ربان أنا
أجتر ضحكات الصبايا/ خلف أبواب القبيلة
دمعهن.شجونهن
أمد كفى في التجاعيد الكبيرة والصغيرة
والصبايا خلف أبواب القبيلة
منذ عام لم أزر بيتي
وأمي تشرع الأبواب للمطر الخريفي الشذا
منذ عام بنت جيراني تخطت عمرها العشرين
والطرقات فرت
ساعتي وقفت على العمر المضي
والأرض يغريها الدوار
                  كم أموت الآن جوعا
حارس الأشجار يمعن في/ عد الليالي
والشفاه الضاحكات
ونقل خطوي
أنقل الخطوات كالطبل الذي/ ينقره جدي
حين يرعد صوته/ في عتمة الورق المغبر
لم يصفق لي أحد/ الذكريات حزينة منى
ولى من الأشواق عمر
لي من الأحزان كون لا يعمر ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، امرأة مشاغبة جداً، ص 25 )
     وتريد العودة إلى حض أمها وإلى الطفولة، تقول:
"ألا ليت الزمان يعود يوما"
فأعرف كيف انتزع/ الطفولة من ذراعيك
وأمضي.........
كيف أجعل راحتيك/ تمسدان الحزن عن شعري
وأجعل..../ مقلتيك سفينة الطوفان لي
عودي... فإني/ يا إله الكون
أحتاجك جداً ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، بوابة، ص 50)
     الطفولة مرحلة مهمة جداً في حياة البنت، وعملية الكبت التي تتم في هذه الفترة تنعكس على المرأة في كل مراحل عمرها، تقول (نوال السعداوي) في أشد الحالات وهي تشعر باقتراب الموت منها: " لا أرغب إلا في شيء واحد: أن أعود طفلة في السابعة من العمر. تجري في الحقول الخضراء الواسعة وراء الفراشات الملونة. الطفولة هي عمري الذهبي. هي النهر الذي تتدفق منه كل أفكاري. هي منبع الإلهام والإبداع في حياتي كلها حتى هذه اللحظة التي سوف تضرب فيها الهوريكين سقف البيت وأموت تحت الشجرة وفي يدي لعبتي"([7])
     وتشير (فاتنة الغرة) ولو بشكل غير مباشر إلى صورة من صور التمييز بين البنت والولد وهي التمييز في الألعاب التي تعطى للبنت في الطفولة، والتي تعطى للولد، فللبنت العروسة، في حين أن للولد الحصان. و(نوال السعداوي) تفسر ذلك، تقول:" إن الطفلة قد تجد في (الدمية) أو (العروسة) كما نقول بالعامية تعويضاً عن (القضيب). والواقع أن (القضيب) هو اللعبة الطبيعية للولد، لأنه يجد فيه تلك (الذات الأخرى) ( Alter ego ) التي يتجسد فيها ويسقط شخصيته عليها، فليس بدعا أن نرى الوالدين والمربين يضعون بين يدي الفتاة (دمية) تقوم بهذا الدور، فتعوضها عن تلك اللعبة الطبيعية التي حبت الطبيعة بها أخاها الصغير! والفارق بين (القضيب) و (الدمية) هو أن الأول يمتاز بالفاعلية والاستقلال الذاتي، بينما لا تكاد الدمية تعدو مجرد شيء (سلبي) يمثل جسم الإنسان في جملته دون أن يتصف بأدنى قدرة ذاتية!([8]).
     ونرى (فاتنة الغرة) تلجأ في نصها إلى أمها وتتمنى العودة إلى زمن الطفولة، وألعاب الطفولة، تقول:
ردي عليّ الباب/ دفيني
فإني الآن لست معي/ وأنت الآن لست معي
فإني الآن أحتاجك/ أين عروستى ستنام؟         ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، بوابة، ص 49-50)
     ولعل في تفسير نوال السعداوي ما يفسر نص فاتنة، ويجيب على سؤالها. وأما الولد فله الحصان ويوصف به، تقول فاتنة الغرة عن أخيها الشهيد:
يقولون إنك الحصان الشقي / وأنك كنت السحاب
وأن الصباح الغريب توقف حين ارتقيت
سلامي إليك ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، أريدك حيا، ص 14 )
     وفي صورة أخرى من صور التمييز بين البنت والولد نتأمل ما تناولته (ريتا عودة)، وقد صورت فيها طفلة تسأل، وهي تطرح من خلال تساؤلها قضيتين: قضية تمييز الولد عن البنت حتى في الملابس والألوان والألعاب، وقضية تربية البنت منذ الطفولة على اعتبار أنها ستكون في المستقبل أُماً في البيت، تقول:
لماذا تسرقون مني الطفولة...
وتفرضون عليّ مهمة الأمومة.../ المبكرة!
مع أمي.. كل يوم في البيت! (ريتا عودة، ثورة على الصمت، من وجوه التميز(2)، ص23)
    تقول (نوال السعداوي): " إن البعض ليزعم أن غريزة (الأنوثة) قد تجلت لدى تلك الفتاة منذ طفولتها المبكرة. وهنا تختلف الآراء حول (نرجسية) البنت، فيزعم البعض أنها وليدة تكوينها البيولوجي، بينما يؤكد البعض الآخر أنها ثمرة للتربية الاجتماعية، ولسنا ندري ما الذي يمنع من أن تكون هذه الصفة المميزة للبنت وليدة كل من العاملين معاً، فإن من الواضح أن المربين لا يمكن أن يفرضوا على الفتاة اتجاهاً سيكولوجياً يتعارض تعارضاً جوهرياً مع طبيعة تكوينها البيولوجي. ولسنا نزعم بذلك أن (السلبية) المطلقة هي الصفة الأصلية التي تفرضها على المرأة طبيعة تكوينها البيولوجي، وإنما نحن نرى أن هذه السلبية وإن كانت نسبية إلا أنها داخلة في صميم تكوين المرأة البيولوجي والنفسي باعتبارها مخلوقاً يتجه معظم نشاطه نحو (الداخل).
ومهما يكن من شيء، فإن من المؤكد أن للتربية والبيئة تأثيراً كبيراً على حياة الطفلة في هذه المرحلة؛ إذ بينما نجد أن المجتمع سرعان ما يضطر الصبي إلى تجاوز مرحلة (النرجسية)، نراه يقر الفتاة على مسلكها النرجسي، ويدفعها إلى اتخاذ (السلبية) قاعدة عامة لكل سلوكها. وهنا نجد الولد يتجه نحو العالم الخارجي، فيتشاجر مع رفقائه، ويتنافس معهم في الكثير من الألعاب العنيفة، ويعمد إلى تسلق الأشجار، ويشرع في احتقار الفتيات، بينما يرفض المربون أن يسمحوا للبنت بالاتجاه نحو الألعاب العنيفة، ويأبون عليها أن تتسلق الأشجار أو أن تتصارع مع الصبيان"([9]).
    لم يكن ذلك التفريق على مستوى الأسرة فقط، ولكن العالم أيضاً يفرق. وقد صورت لنا (عطاف جانم) العالم وكيف يفرق بين طفلة من فلسطين، وطفلة من العالم الغربي. وهي الطفلة لورا ديفنز، تقول:
طفلة من بلاد الضباب/ تموت
فناح عليها الثرى/ والسحاب
وفرت إليها الجيوب/ جيوب الخليفة
وحامت عليها القلوب
وأشرق في وجهها/ ألف باب
فلورا ذكية/ ولورا بهية
ولورا وصية رب العباد
وليلى الصغيرة / بسبها... بصبرا
ببغداد ليلى/ وفي كل واد
تصارع وحش الليالي الكسيرة
تحاول قرض الشباك
لتبلغ لقمتها المستحيلة
تجز الضفيرة/ وترمي بها لشيوخ العرب
فيصفق في وجهها ألف باب
ولكن ليلى تحب النشور
فتنفض عن عتمات القبور
لتفضح عهر قدور والعرب
وتكبر في أغنيات الغضب ( عطاف جانم، ندم الشجرة، لورا ديفنز، ص 54-58)
     إن طبيعة المجتمع وتركيبته وطريقة معاملته للبنت تدفعها إلى التمرد، تقول (نوال السعداوي): " فإذا عرفنا أن وظيفة المرأة الجنسية قد تصور للفتاة فيما بعد على أنها (تضحية) يجب أن تتقبلها لإرضاء الرجل، وإذا أضفنا إلى ذلك أن عمليات الحمل والوضع وتربية الأولاد قد تمثل لها باعتبارها تبعات جسيمة لا تنطوي على أية لذة أو متعة، أمكننا أن نفهم لماذا تتخذ الكثيرات بإزاء مصيرهن مسلك التمرد، شعورياً كان أم لا شعوريا([10]) - وكيف لا تثور الفتاة على (جنسها الضعيف) وهي ترى أن الرجال هم الذين يحكمون العالم، وأن أبطال التاريخ والروايات كلهم رجال، وأن الأمهات يقبعن في البيوت مستسلمات صاغرات؟ بل كيف ترتضي بعد اليوم أن تتقمص شخصية أمها، وهي ترى أن مجتمع (النساء) مجتمع ضعيف لا سند له من بطولة أو قوة؟!
إن ما يحس به جسد المرأة وتفكر به صاحبته باعتباره استجابة مشروعة لمكوناتها الطبيعية يأخذ في نظر الذكر صفة الحرام والعيب فتضطر إلى السكوت عما تحس به وترغبه، فتصبح محرومة حتى من اللغة، وهذا المسكوت عنه هو ما تسعي قصيدة المرأة إلى التمرد عليه"([11]).
      وقد كتبت (فاتنة الغرة) قصيدة بعنوان (تمرد)، وكتبت (عايدة حسنين) قصيدتين بعنوان (تمرد)، ولقد شعرت بالتمرد، تقول:
مل الملل
          الملل
فقأ عينيه
     وانتحر! ( عايدة حسنين، رؤى الياسمين، تمرد، ص 33)
     وترى (ريتا عودة) أنه لا يكفي تمرد المرأة، بل لا بد من انتفاضة اجتماعية، تهز تلك الثوابت البالية، وتعيد للمرأة الكرامة، تقول:
طفل/ يقذف حجراً/ يقتلع محتلاً
هل من حجر/ يقتلع/ أقنعة/ الزيف
عن شفاه / الكرامة ( ريتا عودة، مرايا الوهم، انتفاضة اجتماعية، ص 32)
     وإذا كان (فرويد) قد ذهب إلى أن ما يميز بلوغ الفتاة مرحلة " الأنوثة " هو تزايد شعورها فجأة بالسلبية (Passivity)، فقد يكون في وسعنا أن نقول أن ما يميز الفتاة في المرحلة السابقة على البلوغ هو تعطشها إلى الفعل، وميلها إلى النشاط ( Activity ).
     وتوضح (عطاف جانم) في أحد نصوصها أحد الهموم الأنثوية الهامة بالنسبة للمرأة الفلسطينية، حيث لا تستطيع المرأة أن تمنح أولادها جنسيتها حين يحمل الزوج جواز سفر آخر،
وتسأل عن سبب التفريق في المعاملة بينها وهي التي تحمل جوزاً أردنياً رمزت له بالدال(إربد) وبين أولادها المنتسبين إلى (غزة) بلدة والدهم، مما يسبب للأولاد حرماناً عاطفياً قد يكون أحد أسباب العصاب لديهم، تقول:
يا إربد الرحم والصحب
مالي إذا ما أتيت إليك بأطفالي المتعبين
نكرتيهمو... تنكرت غزة دون البلاد
ختمت على وجنات البراءة باللعنة الفارقة
ولا أفهم الآن
كيف تمدين لي باليمين، وفي الثانية
تدعينهم لمدى المقارعة!! (عطاف جانم، بيادر للحلم.. يا سنابل،  إلى إربد الحب، ص 63)
     ولقد كانت (نوال السعداوي) تتذكر طفولتها ومعاناتها الأنثوية فيها، تقول: "تذكرت أنني كرهت البيوت في طفولتي، والجدران الأربعة والسقف وكنت أحلم بأن الجدران سقطت والسقف انخلع وخرجت لألعب مع الأطفال. كنت أبكي داخل الجدران أطل من بين قضبان النافذة على الأطفال وهم يلعبون ومنهم أخي. لماذا يخرج أخي ليلعب خارج البيت مع الأطفال وأنا أبقى مع أمي لأطبخ وأنظف المرحاض؟"([12]).
     يحاول المجتمع المحيط أن يضيق على المرأة فتتجه للتعبير عن ضيقها نحو الكتابة، حيث إن " اللغة ليست فقط وسيلة للتعبير، أو أداة للتواصل، وتبادل المشاعر والأفكار، بل هي صياغة هوية، وإعلان ذات"([13]). ولكن الرجل والمجتمع الذكوري يرفضان أن تكتب، حتى لا يكون لها رأي منافس لرأي الرجل أو أن يكون لها شخصية خاصة. ويضيق على تلك الذات الأنثوية المسكونة بالإبداع، وفي حركة تتراوح بين الانطلاق والانغلاق تقول (ريتا عودة):
حين يكتب الرجل/ تصفق الشفاه
تبتسم السماء../ تتلون أقواس قزح
بألوان جديدة.../ حين يكتب الرجل..
لكن!/ يصرخ المطر../ يتذمر الشجر..
تتكاثر ليالي.. السهر..
حين تكتب المرأة..
وهي / تتحدى/ نفوذ أهل القبيلة..
بخروجها عن../ زوايا الصمت
حتى ولو كانت../ لا تتحدى
حتى ولو كانت/ تكتب قصيدة غزلية
حتى ولو كانت ../تصف .. أحاسيس .. طفولية...
فهي / لا محالة../ خارجة عن نطاق الفضيلة
شاذة../ عن تقبل../ دور الأمومة!. (ريتا عودة، ثورة على الصمت، حين تكتب المرأة،  ص 31-32)
     والكتابة مهمة بالنسبة للمرأة تقول سعاد الصباح:" أريد أن أكتب..لأدافع عن كل شبر من أنوثتي.. لأتحرر من ألوف الدوائر والمربعات وأخرج من حزام التلوث. الذي سمم كل الأنهار. كل الأفكار. فالمدينة التي أسكنها. لا تطرب إلا لصياح الديكة وصهيل الخيول. وشهيق الخيول. وشهيق ثيران المصارعة.."([14]).
     وبشكل متسلسل ومنتظم تصور (ريتا عودة) المجتمع الذكوري يسير بها إلى الفناء، فكراً وإرادة، تقول:
غسلوا أفكاري ...بالنار..
رويداً ..رويداً
زرعوا حقول إرادتي/ شجرة..
تظل تتآكل .. تتآكل
رويداً ..رويداً (ريتا عودة، ثورة على الصمت، الصمت القاتل، ص 12)
     لقد كررت لفظ رويداً (4) مرات، فمحو المرأة ينحدر بشكل متدرج متآكل. فهم يغسلون أفكارها غسيلاً صعباً جداً حتى أنها وصفته أنه، غسيل بالنار. وحتى عندما منحها المجتمع شيئاً بسيطاً من الإرادة. صورته الشاعرة أنه يتآكل باستمرار ولا ينمو ويثمر، ولا يعود عليها بالفائدة. بالرغم من أنه شجرة كان المفترض بها أن تنمو وتعطي.
ب- زمن المراهقة:
     إن لمرحلة " ما قبل البلوغ " أهمية كبرى في حياة الفتاة النفسية والجنسية معاً، لأنها قد تمر خلالها بأحداث وتجارب تترك أثرها على كل حياتها النفسية المقبلة. والحق أن الفتاة لا تلبث أن تجد نفسها في مأزق؛ لأنها في حيرة بين طفولة الماضي وشباب المستقبل، بين روابط الطفولة الوجدانية وتبعات البلوغ والاستقلال الذاتي.
     تقول (نوال السعداوي): "وإذا كانت نقطة البدء بالنسبة إلى الشاب ليست من الصعوبة بمكان، فذلك لأنه ليس ثمة تعارض بين رسالته باعتباره إنساناً وبين واجبه باعتباره رجلاً. وأما بالنسبة إلى الفتاة، فإن الأمر على خلاف ذلك، لأن ثمة هوة عميقة غير معبورة بين موقفها باعتبارها كائناً بشرياً، وبين رسالتها باعتبارها (امرأة). وليس هذا التعارض وليد واقعة بيولوجية أو تكوين طبيعي، بل هو وليد تحكم صناعي أريد به للمرأة أن تكون كائناً (ثانوياً) لا يُعترف له بالحرية أو الاستقلال أو الفاعلية. وليس من شك في أن أول مشكلة لا بد من أن تصطدم بها المرأة في مستهل حياتها هو شعورها بذلك التوتر الحاد بين الاستقلال الذي كانت تتمتع به فتاة إبان الطفولة، وبين هذا (الخضوع) الذي أصبح مفروضاً عليها باعتبارها (امرأة). ولعل هذا هو السبب في أن المرأة سرعان ما تنسحب من المجتمع، فلا تعود تحيا وجودها الخاص باعتبارها (ذاتاً)، توجد في (الخارج) وتعمل مع الآخرين، بل تشرع في اتخاذ موقف (الآخر) ( L’ Autre ) الذي يعرض نفسه على الرجل، ويضع نفسه تحت أنظار الرجل، ويعمد إلى (التمثيل) حتى ينجذب الرجل، ويصبح مجرد (موضوع) يحكم عليه الرجل!" ([15]).
      ويعد زمن المراهقة من الأزمنة الصعبة في حياة المرأة بل المسكوت عنها، ولذلك تقل الإشارة إليها على مستوى الشعر، ولذلك لم نجد في نصوص الشاعرات ما يحكي عن طموحها وأملها في الحياة في زمن المراهقة، والحالة الاجتماعية والعاطفية في المدرسة، وحياتها الاجتماعية والعاطفية داخل الأسرة، وعلاقتها بالجنس الآخر.والحرمان العاطفي أو الجنسي الممارس عليها من قبل المجتمع، ومشاكلها العاطفية أو الجنسية، وأحلام اليقظة.
     وما وجدته هو نص (لعايدة حسنين) تحت عنوان (مراهقة)، أهدته منذ البداية إلى (وائل) الذي كتبت أنه ابن أخيها وصديقها، وكأنها تريد أن تنفي عن نفسها تلك المراهقة منذ البداية:
في الحرب!/ إناث العصر.../ يواعدن الغروب
يرخين سدال الرموش/       للقلوب!
إلا أنا/ أنام
أصلي وأوديب معي/ في طبق
تكسره/ بزمجرة البسمات
وتعدو!
عندما جاء الانفعال المتوتر/ لم يتوان/ تربع!
يكركر بملء عينيه/ يبكي بملء ثغره
نبرات سلاسله العظيمة سردت
شريط طفولتي الأبدي/ والحب ! ( عايدة حسنين، رؤى الياسمين، مراهقة، ص 81-82)
     وهي تحاول أن تحكي عن زمن المراهقة وما تشعر به الفتاة في تلك الفترة من اضطراب في مشاعرها، وبدايات الشعور بالحب الأول. وتشير إلى (سيجموند فرويد) الذي أشار إلى أن المرأة تنشد عضو الذكر الذي ينقصها. وأثبت علماء النفس من بعد (فرويد) خطأ هذه الأفكار وأهمهم في هذا المجال الطبيبة والنفسية (كارين هورين) التي عارضت (فرويد) في الفكرة وقالت إن البنت تتمنى أن تكون ذكراً لتحصل على الامتيازات الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الأخلاقية التي يحصل عليها الذكر. وليس لأنها تنشد العضو الذكري، فهو ليس شذوذاً، ولا مرضاً نفسياً، ولا عقدة من العقد الفرويدية: " عقدة إلكترا أو أدويب ".
ج- زمن الأمومة:
     تناولت الشاعرات زمن الزواج والأمومة في نصوصهن، تقول (نوال السعداوي):" إن نظام (الزواج) هو التبرير الاجتماعي الوحيد لكل وجودها! والواقع أن (العانس) لا زالت محتقرة في معظم المجتمعات، لأن (الزواج) هو في نظر الكثيرين طريقة المرأة الوحيدة في كسب عيشها، فضلاً عن أن (الإشباع الجنسي) يكاد يكون محرماً على الفتاة في غير نطاق الزواج([16]).
     لقد كتبت (رجاء أبو غزالة) معظم قصائدها في ديوانيها بضمير المخاطب مما يشعر القاريء أنها تخاطب محبوبها/زوجها في نصوصها، وتهدي (مريم الصيفي) نصها ( بيتونيا)([17]) إلى زوجها، وتهدي (نبيلة الخطيب) ديوانها إلى أمها وأبيها وإخوانها وأخواتها وأبنائها وزوجها. وتهدي عطاف جانم نصها ( من تداعيات المرحلة) إلى زوجها (حسن مي)، بعنوان وذلك بعد أن صدمت برسالة منه ظهر من عنوانها أنها مرسلة من مطار إسلام آباد:
أي عنوان على الظرف أهجيه
وبيتي هل سأبنيه/ وزرعي كيف أسقيه
فصحن القطن لا يسند سوقاً
فيه لا تحلم أطفال الدوالي
بكروم وامتداد (عطاف جانم، بيادر للحلم... يا سنابل، من تداعيات المرحلة، ص 65-66)
     وقد أهدت (عايدة حسنين) ديوانها الثالث إلى زوجها، ومنذ أن أهدت ذلك الديوان لزوجها لم تظهر لها دواوين جديدة حتى ظن البعض انقطاعها التام عن الكتابة. ولكنها بعد أكثر من عقد من الزمان تعود لنشر أعمال لها، وكذلك (للي كرنيك) التي أصدرت عملين ثم اختفت تماما ليظهر لها ديوان مؤخراً بعد انقطاع يزيد على عقدين. ولكن الأعم الأغلب أن الشاعرات بعض الزواج ينقطعن عن الكتابة بعد الزواج. وفي ذلك تقول (سيمون دي بوفوار) إن (الزواج) يقضي على شخصية المرأة، ويحيلها إلى مجرد كائن تافه عديم الأهمية، وهي تعترف بأن اكتمال نمو المرأة الجسمي والنفسي لا يتم إلا بالأمومة. وإنني أرى أن من تستمر في الكتابة وبشكل قوي ومتطور ومؤثر فإنها في الغالب إما أن تبقى غير متزوجة أو تطلق من زوجها أو تكون قد انفصلت عنه بأي شكل من الأشكال. فحتى لو قبل الزوج استمرارها في الكتابة فإن المجتمع لا يقبل، ويمارس عديداً من الضغوط عليه وعليها.
      ولقد صورت الشاعرات مساهمة الزوجة في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال، والإشباع الجنسي مع الزوج، والمشاكل بسبب العمل، والعلاقات غير الشرعية داخل إطار الزواج. والعشيقات. والكثير من العلاقات بعد الزواج.
      وتشغل ألفاظ حقل الميلاد والخصوبة مساحة في شعر المرأة الفلسطينية، ويصبح فعل الولادة الذي تمارسه المرأة على المستوى الحيوي المادي، فعلاً متكرراً له مصاحبات فعلية أخرى، ويكاد يتحول إلى طقس في الكتابة النسائية - كما تقول هيلين سيسو - ليتصل بذات المرأة أو يلقي بدلالته على الأشياء التي تنعكس فيها شخصيتها.
      بيد أن الفتاة كما تقول (نوال السعداوي):" سرعان ما تنقل وضعها باعتبارها (أنثى) مجعولة للرجل، وبالتالي فإنها لن تلبث أن تفهم أن (الزواج) هو غايتها الوحيدة، وأنه لا بد لها يوماً أن تلتقي بفتى أحلامها! حقاً إن الشاب هو الآخر كثيراً ما يفكر في (فتاة) أحلامه، ولكن الحب بالنسبة إلى الشاب ليس سوى مجرد رغبة جامحة تطوف به وتلح عليه، بينما هو بالنسبة إلى الفتاة صميم (وجودها) باعتبارها امرأة قد جعلت للزواج والأمومة، وهذا ما عبر عنه نيتشه بقوله: " إن كل ما في المرأة لغز، وليس لهذا اللغز من حل سوى الولادة.. ليس الرجل للمرأة إلا وسيلة، أما الغاية فهي دائماً: الولد لقد خلق الرجل للحرب والقتال، وأما المرأة فإنه ليس ثمة لديها شيء سوى الحب والطفل وتبعاً لذلك فإن سعادة الرجل هي: (أنا أريد)، وأما سعادة المرأة فهي (هو يريد)". ([18]).
     وللجسد الأنثوي طبيعته الخاصة، فلقد خلقها الله وخصها بأن تقوم بأخطر أفعال الوجود فعل الولادة، فعل المخاطرة، فعل فيه مفهوم التضحية بالذات لبقاء الجنس البشري، لكنه خصوصية مرتبطة بجسدها، فإن المرأة بفعل الميلاد تقدم للوجود كائناً جديداً، تعاني وتتعب في سبيل أن يرى النور، وبالرغم من أن هذه الخصوصية قد ميز الله بها المرأة، فإن الشاعرات وإن كن يتناولن كثيراً من المفردات التي تدل على الخصوبة والميلاد لا يتكلمن عن الساعات الصعبة في الولادة وآلام المخاض، مع ذلك وجدت تصويراً لتلك الآلام عند (نبيلة الخطيب)، التي تصور الولادة ومعاناة المرأة فيها، وشدها للأغطية، ودعاءها لابنها الذي ستنجبه، على اعتبار أن وقت المخاض من الأوقات التي يتقبل بها الله الدعاء من الأم، تقول في قصيدة بعنوان( ميلاد موت)، وتحت العنوان الفرعي( معاناة):
هذا الأنين/ يذيب أحشاء السكون
صبراً.../ فقد أوشكت
أن تضعي الجنين
صبراً/ فهذي لحظة
يصحو لها/ العقل المضرج بالجنون
هي فرحة / تطفو ببهجتها
على كل الشجون
لا تصرخي/ ودعي الصراخ
لمن سيولد بعد حين
صبراً.../ هو هكذا الميلاد
تتفتت الأضلاع منه/ على حدود الصبر
ويجف ريق البحر..
هو هكذا الميلاد/ أول خطوة في درب عمر
شقي ستار الليل../ ثوب النوم
أغطية السرير/ وتماسكي
لما يهيج الموت..
مبقية على روح الصغير
وتجلدي.../ ليس انشقاق النفس
بالأمر اليسير..
هو هكذا الميلاد / كتفجر الماء الزلال
مصدعاً قلب الصخور
وثور صرختها/ تزلزل كل أرجاء المكان
صمت يخيم في المكان/ وتشل أقدام الزمان
يغفو.../ وتصحو
حيث يحترق السؤال
بنظرة كادت تقيد...
يا ليلة الميلاد/ هل ولد الوليد؟ ( نبيلة الخطيب، صبا الباذان، ميلاد موت، ص 94-95)
    بعد هذا الوصف لوقت الميلاد الحرج، تبدأ الشاعرة بتتبع الدعوات التي تدعوها الأم الفلسطينية لابنها، وسوف أتناول تلك الدعوات في الباب المتعلق بالتناص.
     وهي دقيقة في وصفها حيث تنقل لنا لحظة الميلاد حين تسأل الأم وقد أضناها التعب من آلام الولادة، وفي الثواني الأخيرة، هل ولد الوليد؟ لتريح نفسها من عناء تلك المرحلة الشاقة، ولكن الشاعرة تقول:
لكنه.../ ولضعفه.../ قتلته آلام المخاض
فمات في رحم الوجود( نبيلة الخطيب، صبا الباذان، ميلاد موت، ص 102)
     كما تعرض آلام أم حملت بطفلها تسعة أشهر وهي تمني نفسها بما ستفعله لهذا المولود، وماذا ستسميه، وكيف ستربيه، وماذا ستحضر له، وتصور ألم الأم لفقد وليدها:
مات الذي.../ من أجله.../ صليت طوال الليل
أدعو أن يكون
وفقدته.../ قبل انبعاث النور
فمضى قبيل تبعثر الأصوات
والفجر أعلن/ أن هذا اليوم / من عمري حزين
لكم انتظرت/ ولادة المولود/ في الليل الطويل/إذا أطل
ولكم فرشت الأرض/ حول المهد/ بالزهر الجميل وبالقبل
ولكم رسمتك/ في الخيال/ وفي الجوارح والقبل
وحسبت أنك سوف تولد/ أن رحلك قد وصل
لكنها غرقت سفن/ وتبدلت صور الزمن
والحمل غاص/ إلى قرار البحر/ يبحث عن كفن
فالعين تدمع/ يا صغيري/ والفؤاد به شجن
أعددت مهداً / من ضلوعي/كي تقر له الحياة
وحضنته ميتاً بقلبي/ حين عاجله الممات ( نبيلة الخطيب، صبا الباذان، ميلاد موت، ص 105-106)


([1]) روز شوملي، للحكاية وجه آخر، هل تكون معي، ص 40.
([2]) باسم الخطايبة، شعر المرأة في الأردن بين 1980-2000، ص 268- 269.
(*[3]) ذكرت زينب حبش في مقدمة مجموعتها القصصية ( قالت لي الزنبقة ) " الأطفال هم أعداؤه. إنهم الجزء الأصعب في المعادلة الفلسطينية". 
([4]) زينب حبش، لا تقولي مات يا أمي، أمريكا الكبرى والأطفال، ص 16.
([5]) فدوى طوقان، الديوان، الليل والفرسان، رسالة إلى طفلين في الضفة الشرقية، ص 492-498.
([6]) فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، ص9.
([7]) نوال السعداوي، قضايا المرأة والفكر والسياسية، ص15.
([8])H. Deutsch: “The Psychology of Women”.، vol. 1.، p. 287.
.نوال السعداوي، قضايا المرأة والفكر والسياسية، ص 44 -
([9]) نوال السعداوي، قضايا المرأة والفكر والسياسية، ص48.
[10] ))عن P. Allers: “Psychology of Character.”، 1939، Ch. V.، pp. 225 – 226.
([11]) المرجع السابق، ص50.
([12]) وتقول في ذلك نوال السعداوي: وحسبنا أن ننظر إلى ألعاب البنات في سن متقدمة جداً، حتى تتحقق من أنها بطبيعتها مختلفة عن ألعاب الأولاد: إذ بينما نجد أن نشاط الأولاد في العادة يتجه نحو " الخارج"، فنراهم يقومون بحركات مختلفة يهتمون فيها ببناء أشياء ثم لا يلبثون أن يعملوا على تقويضها وإعادة بنائها، نجد أن نشاط البنات في العادة يتجه نحو " " الداخل "، فتعمد البنت إلى وضع أشياء داخل البيت الذي ابتنته لنفسها، وتهتم بإحكام غلق أبوابه، حتى تضمن صيانة ما به من أشياء في عناية وحرص.
     وإذن فإن ألعاب " الفتاة " تتميز منذ البداية بطابع خاص يؤهلها لوظيفة " الأمومة " التي ستنهض بها في المستقبل، ألا وهو طابع " بناء العش "، والاهتمام بترتيب الأشياء، والعمل على صيانتها والمحافظة عليها. وسنرى فيما بعد إلى أي حد تلعب فكرة " الباطن " أو " الداخل " أهمية كبرى في حياة المرأة، باعتبارها مخلوقاً تحفل حياته بالأحداث الباطنة والتغيرات الداخلية العميقة (نوال السعداوي، قضايا المرأة والفكر والسياسية، ص 15، 44).عن. H. Deutsch: “The Psychology of Women” vol. 1. p. 287.
([13]) سوسن ناجي رضوان، صورة الرجل في القصص النسائي، ص 254.
([14]) سعاد الصباح، قصيدة حب، مجلة الناقد، ع24، يوينو، 1990.
([15]) نوال السعداوي، المرأة والصراع النفسي، ص94.
([16]) نوال السعداوي، المرأة والصراع النفسي، ص 96
([17]) مريم الصيفي، صلاة السنابل، بيتونيا، ص 31-36.
([18] ) F. Nietszche: “Thus Spoke Zarathustra”، Engl. Transl.، 1933. PP. 57 – 58.
نوال السعداوي، المرأة والصراع النفسي، ص 91.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق