الاثنين، 19 ديسمبر 2016

الحث والتحريض ضد المراة

 الحث والتحريض
     للمرأة دور مهم في النضال، حيث تحض أبناءها وأبناء شعبها على الكفاح المستميت، والتضحية من أجل الحرية وتحرير الوطن. وتصور الشاعرة سعي المرأة الفلسطينية لتربية ولدها على التمرد، والثورة على المحتل، حيث ترضعه مع لبنها الثورة والحقد على المحتلين، ليكون من مكونات جسمه. يسير في دمه وعليه ينمو ويكبر. في ألفاظ معبرة في السياق، وموحية بالحالة النفسية والشعورية. وتشد على أيدي الأهل الصامدين، وتشيد بصمودهم من خلال الإبداع الشعري المساهم في المعركة، وإثارة الحماسة واستنهاض الثوار والمجاهدين ودعم نضالهم وجهادهم، والإشادة بمواقفهم في التصدي للصهاينة.
     تقول (فدوى طوقان): "إنني أتساءل: هل يمكن أن يكون بوسع الأم الفلسطينية تعليم أطفالها كيف يعيشون الإذلال مسالمين مستسلمين قابلين به؟"([1])
     وبمتابعة أعمال الشاعرات لاحظت أن بعض الشاعرات قد أهدين دواوينهن للشهداء ومنهن على سبيل المثال: (مريم الصيفي) فقد أهدت ديوانها المعنون بـ ( صلاة السنابل) إلى أرواح شهدائنا الأبرار، وإلى القابضين على جمر عروبتهم وأصالتهم([2]). وهي التي علمت ابنها عمرو النضال ([3])، وحكت له عن البطولات، فحفظ الدرس ولبى الوطن، فكان من المحاصرين في بيت لحم بكنيسة القيامة، تقول:
هو يا عذراء عيساي/ فحنِّي../ وأعيديه إليّ...
هو لي ناجيته في المهد/ مذ كان رضيعاً...
وتلمست تناميه/ ربيعاً فربيعاً...
كبرت في روحه كل البطولات/ التي ربّيت فيه
أينعت في صدره كل الشهامات/اعتزازاً واقتدارا...
حفظ الدرس ملياً
عشق الأرض التي فيها /نشأنا/ وبها طافت أمانينا الكبار
إنها أرض القداسات/ وفي أرجائها / نبتت أرواحنا فيها
وبالنصر إليها سنعود              ( مريم الصيفي، صلاة السنابل، يهوذا يهز جذع النار، ص11-12)
     وتؤكد (زينب حبش) على الثورة، تقول:
نموت لنوقد الثورة
نموت/ لتشمخ الثورة
ونحيا في تراب الأرض/ أزهاراً / وأنهاراً
ونعبق في سماء الكون/ حرية
وملء حناجر الأطفال/ أغنية (زينب حبش، لا تقولي مات يا أمي، يمامة الأمل، ص 21-22).
     وتحث (فدوى طوقان) المناضلين على إكمال المسيرة، ولذلك تساءلت عمن يحمل ثأرها، ويثأر لجراحها، وينتقم لكرامة الأمة، فوجدت ضالتها في الجيل الجديد من أبناء شعبها، والأم التي تعلم أبناءها قيم النضال، والحقد على المحتل، وكراهية الظلم والظالمين، وعدم التهاون في الحقوق تقول:
تململ في حضنها فرخها     

فضمته محمومة ثائرة
ومالت عليه وفي صدرها

مشاعر وحشية هادرة
لترضعه من لظى حقدها

ونار ضغائنها الفائرة
وتسكب من سم خلجاتها

بأعماقه دفقة زاخرة
     وتصور (منيرة مصباح) جانباً من نضال المرأة الفلسطينية وتشجيعها لأولادها على النضال، فتقول في قصيدة ( ما عاد للبوح يا أم مطرح):
حجراً/ حجراً
يرتقون الزمان وحزن الأرض
تجمعهم في المقلتين/ أمهات المقلتين
يهتفن للطير.. يهتفن للقلب/ يهتفن لأزهار الشهادة
يخرجن النهار
فالذي سقط اليوم / أولهم
والذي سقط اليوم/ أصغرهم...
نساء.. نساء
لم يقلن: هزي بالجذع
هززن الأرض حتى اشتبك الحجر بالدم ( منيرة مصباح، سيدة البراعم، ص 105، 107)
     وقد أشارت (فدوى طوقان)، في المقاطع (8، 9، 10، 11 ) من " يوميات جرح فلسطيني"([4]) إلى البطل الشهيد (مازن أبو غزالة)، والذي رثته في نصها (الفدائي والأرض)([5]). كما أوصت (ميّ صايغ) ابنها والمقاتلين معه بالصمود والمقاومة، وحرضتهم على القتال حتى يسقط الحصار الصهيوني لبيروت عام 1982، تقول:
أي بنيّ/ والحرب تكسر القلوب
تسرق الحياة من يدي/ وتمنع النجوم عن مدارها/ وتطفيء النهار
أوصيك أن تظل صامداً وشاهداً
ويسقط الحصار
ولست أغتفر/ لو أنك انتظرت يوماً واحداً
أو استكنت للقدر ( مي صايغ، إكليل الشوك، وصية، ص 23 )
     وأقامت (هيام رمزي الدردنجي) حواراً، مع شهيد وذلك في نصها ( حوار مع شهيد) في ديوانها (بحور بلا موانيء)، بثته فيه حبها وودها ورجته أن يعود. وفي الديوان نفسه كان لها نص آخر بعنوان (للشهيد... الذي أهوى)، وفي النصين لم تحدد شهيداً بعينه وإنما كانت تنشد لكل شهداء الوطن، وقد فاضت بها الذكرى إليهم، وهي تعدهم بتنفيذ وصيتهم. وكتبت (منى عادل ظاهر) نصاً بعنوان ( وصية شهيد يلفظ أنفاسه).
     كما مجدت الشاعرات الشهداء الذين قدموا أرواحهم الغالية من أجل الوطن، وأوضحن الدور العظيم الذي قاموا به لتحرير وطنهم. دون عويل أو ندب أو نواح حيث صورت مشاعرها وآلامها (سلافة حجاوي) لصراخ ثم استشهاد الطالب محمود تحت عجلات دبابة مع الفجر، وتبعثر دفاتره وأثوابه، وذلك في قصيدة: ( محمود والدبابة)
محاصرة رؤى قلبي بدبابة
عليها دم طفل مات عند الفجر في الغابة
أكاد إذا أطل الفجر
وارتعشت على الوديان شبّابه
أحس صراخ محمود يمزق هذه الغابة
أرى في الدرب ملقاة دفاتره وأثوابه
أحس صراخه المخنوق في عجلات دبابة
وحين تسير أسراب من النجمات
فألمح في ظل الليل وجنته وأهدابه
بقايا جبهته سمراء عالقة بدبابة..( سلافة حجاوي، أغنيات فلسطينية، محمود والدبابة، ص 35).
     وتتحدث الشاعرة (زينب حبش) عن الشهداء الذين لا يموتون، وإنما هم أحياء عند رب العالمين، كما في ديوانها (لا تقولي مات يا أمي)، تقول:
لا تقولي مات يا أمي/ فإني لم أمت
قتلوني/ قتلوني/ قتلوني
سلخوا جلدي عن عظمى
ولكن لم أمت ( زينب حبش، لا تقولي مات يا أمي، لا تقولي مات يا أمي، ص 8)
     وكذلك عند (سلافة حجاوي) في قصيدة ( شقائق النعمان) حين تقول:
يا ألف آه حين يسقطون/ وألف مرحى حين ينهضون
روحاً فدائياً بلا جسد
ولا يموت منهم أحد ( سلافة حجاوي، أغنيات فلسطينية، شقائق النعمان، ص 19)
     وكما قدم الرجل الغالي والنفيس من أجل الوطن، قدمت المرأة مثله عمرها وشبابها، فكان منهن الشهيدات، والجريحات، والأسيرات والمبعدات والمطاردات. ولقد أخذت على عاتقها قيادة الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع عام 1968، فانخرطت المرأة الفلسطينية في حركة المقاومة، تقول (فدوى طوقان): "من خلال الجمعيات النسائية، ومن خلال قنوات الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية والاتصال المباشر بلجنة التوجيه الوطني التي أخذت على عاتقها قيادة الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع عام 1968، انخرطت المرأة الفلسطينية في حركة المقاومة، وبسبب صلتها بحركة المقاومة وقيامها بتحريض الجماهير والمظاهرات والاعتصامات احتجاجاً على الممارسات القمعية التي كانت تقوم بها السلطات الإسرائيلية، صار اعتقال الكثيرات من مختلف مدن الضفة والقطاع، وبلغت تلك الممارسات أوجها حين شرعت السلطات تقوم بعملية النفي والإبعاد لنشيطات الحركة فتنتزعهن من بيوتهن لتلقي بهن وراء النهر إلى الضفة الشرقية. في هذه المرحلة كانت الشهيدة (شادية أبو غزالة) ضحية لأول عمل مسلح قامت به المرأة الفلسطينية. وذلك حين تفجر اللغم بين يديها فيما هي تحاول توقيته. وبعدها سقطت الكثيرات في ساحة المقاومة الشعبية الضاربة"([6]).
     وتتمنى (فاتنة الغرة) أن يعود أخوها الشهيد، كما تعود العنقاء، تقول:
     كما العنقاء يا ولدى/ ستحمل فأسك الموروث عن جدك
وتحرث أرض أحفادك.. وتزرعها سنابل عشق
وتبقى حسرة في القلب يبقى العمر مذبوحا
ينز خطاك للبيدر..لمدرستك
ينز خطاك
فخذ عمري وعمر أبيك كي أرقيك
كي أعطيك مصروفاً/ ومفتاحاً لأحلامك
بك الضحكات قد بدأت/ بك الأكتاف قد ثقلت
ومن كفيك اشرب الدنيا/ فؤادي فارغاً أمسى
فضع قدميك../ واضرب في الفراغ اضرب
لعل الماء ينزغ من زوايا الآن/ عل الماء ينبتنا
نخيلاً..مشمشاً..عنبر ( فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، تفاصيل ذات معنى أو لا يهم، ص 11 )
     وهي تصوره مثل (إسماعيل) حين تركته أمه (هاجر) للبحث عن الماء، وعادت لتجد الماء ينبثق من تحت أقدام الطفل الصغير. وهي في تناصها تتمنى عودة الشهيد ليكون سبباً في انبثاق نور الحرية في حياتها.
     وتعلن (سهام شاهين) بأن المعاناة والقهر الصهيوني، قد حولاها إلى جمر ونار ستحرق المحتل الغاضب، فتقول في نص (وقفة على الدرب):
أيها البحر المدمر/ لست أرضى بالغرق
أو بساتين الورق
شدني البحر ونادى/ يا فلسطين الضحية
قلت ويحك/ لست تدري " أنني..
صرت الشظية
ليت للموت عيوناً/ ليته يعرف أني
صرت جمراً/ صرت جمراً/ صرت جمراً
                              ( سهام شاهين، الإبحار في المواسم الصعبة، وقفة على الدرب، ص 70)
     كما أن الضغط على جسر العبور جعل (فدوى طوقان) في قصيدتها (آهات أمام شباك التصاريح) تعبر عن الظلم الذي حولها إلى (هند بنت عتبة) تتمنى أكل لحم هؤلاء الصهاينة، وهذا ما جعلهم يطلقون عليها، آكلة لحوم البشر.
      وحثت الشاعرة المناضلين على الاستمرار في النضال، فلقد أهدت (زينب حبش) لبسام الشكعة نصاً بعنوان: (بطاقة)([7]). وأهدته كذلك (روز شوملي) نصاً بعنوان: (يتكسر ولا ينكسر)، تحثه على الاستمرار بالرغم مما تعرض له في حادث محاولة اغتياله، وهي تطرح سؤالاً كبيراً ( هل من خلاص؟)، تقول:
وعلى مدخل الكهف/ مفكر مقوس الوهم
يبحث عن جواب السؤال
" هل من خلاص؟" (روز شوملي، للنهر مجرى غير ذاته، إيماء حجر، ص67)
     وقدمت لنا (فدوى طوقان) صورة عن إحدى العمليات الفدائية الاستشهادية في الخمسينات([8])، وفي ليلة من ليالي الربيع الدافئة.
     ولم يقف نضال المرأة الفلسطينية عند كل ما سبق وعند تقديم أولادهم وحثهم على الشهادة. بل لقد قدمت المرأة نفسها في كل مرحلة من المراحل فداء للوطن، من هؤلاء الشهيدة التي رسمت صورتها (مي صايغ) في قصيدة (قصيدة حب لاسم مطارد يدعى عمتي):
لستِ حجراً
أيتها المقاتلة حتى في موتك عند شباكك
ونفذت ثلاثاً إليك، وسقطت في المرة الرابعة
فانحلت من دمي كل الذكريات
ودارت على الدروب الشجرية حتى المقبرة العتيقة
ضحك العشب لظل طفولتي... ودلني على قبرك
                         (مي صايغ، قصائد حب لاسم مطارد، قصيدة حب لاسم مطارد يدعى عمتي ص25)
     تقول (فدوى طوقان): "لم يغب حضور المرأة الفلسطينية عن الوجود في قلب النضال منذ الإرهاصات الأولى حتى الآن، سواء أكان ذلك في المدينة أو القرية، داخل المعركة أم خارجها، بطولات نسائية فلسطينية لا حصر لها تعبر عن نفسها بأشكال وألوان مختلفة من الكفاح والتضحيات، والقافلة تسير.. تتقدم.. تزرع الشهيدات الخالدات في قلب الوطن مشاعل تتوهج في الطريق. تزرعهن جنباً إلى جنب مع الخالدين من شهداء هذا الوطن.
     باقات من أزهار الربيع، صبايا يتصوفن في عشق الوطن، لينتهي بهن المطاف إلى الاندماج في أحشاء أرضه والاتحاد بجسدها الأخضر المضمخ بالعطر الثوري، أولئك الصبايا الضحايا ستظل أسماؤهن تشع ولن تفلت من ذاكرة تاريخ فلسطين الحديث.
     كل واحدة منهن إنما هي فرد من مجموعة الشعب الفلسطيني، لا ينفصل دورها النضالي عن دور الرجل المناضل ضمن هذا الشعب الحر، المعطاء. لقد ظل الجود بالنفس جزءاً من حياة الإنسان الفلسطيني، لا بل هو منطق حياته ومعناها وقيمتها عبر رحلة العذاب الطويلة داخل الزمن الصعب. وهو في المواجهة الصعبة مع أزمة وجوده، لا يجد بين يديه وسيلة أفضل من حياته ليتخذ من هذه الحياة فرصة للسعي إلى الخلاص والحرية وانتزاع الوطن من فم الحوت"([9]).
     ورأت (مي صايغ) أن هذا العدو لا يفهم إلا لغة الدم والسيف. وأشادت (عطاف جانم) بالشهيدة (سناء)(*[10])، والطفل الذي سقط في غزة ورأته في التلفاز، وهي تؤكد ما تحاوله الدول العربية من محاولة إلهاء الناس عن الاهتمام بالشهداء عن طريق السينما والأفلام، وما ذكرته عن سينما فرساي الموجودة في كل العواصم وفيلم (من يطفىء النار)، الذي كما قالت يلهب الجمهور كي يأسى وينسى خبر الطفل الصغير:
لسناء ما تشاء/ ساعة من وقتنا المهدور
يوم للتضامن!
مثل هذا اليوم أمر/ وغداً ديسكو وخمر
كرنفالات غناء ( عطاف جانم، بيادر للحلم...يا سنابل، اخلعوا ضوضاءكم.. ثم انحنوا، ص36)
    والشاعرة هنا تتناص مع الشاعر امرىء القيس في مقولته المشهورة (اليوم خمر وغدا أمر) وذلك بعد أن نمى إلى علمه خبر وفاة والده. وهو يريد أن يقول لا أصحو اليوم ولا سكر غداً، حيث إن العمل والاجتهاد سيكون عنده منذ الغد. وإن كانت قد وظفتها معتمدة على بلاغة المفارقة فهي تقول اليوم أمر بسبب ما حدث من أمر جلل، ثم سرعان ما يُنسى الشهداء ولذلك قالت وغداً خمر. بل ولم يكن خمراً فقط بل ديسكو وكرنفالات وكلها ألفاظ غربية لتوحي بالغرب وكيف يعمل على أن ننسى الشهداء ويلهينا بالرقص والغناء.
     ولم تنس (شهلا الكيالي) (سناء) وإنما أرفقت بها الشهيدة لينا(*[11]) وذلك في قصيدتها ( وعانقت لينا سناء)([12])، تقول:
رأيتهما ضياء شع نورا

كما الإشراق في أرض المحال
سناء في العلى نادت ألينا

تعالي يا أخية للمعالي
نغني غنوة الشهداء هيا

لعنقون(*[13]) وجرزيم الغوالي
                                       ( شهلا الكيالي، وانقطعت أوتار الصمت، وعانقت لينا سناء، ص 31)
     ولقد تحدثت (سلافة حجاوي) عن مناضلة ظلت تهرب من الأعداء وهم يبحثون عنها حتى تم اعتقالها، تقول:
يذكرني غروب الشمس بالعقب الحديدية
تدق الباب بعد الباب
تبحث عن فدائية
هنا مرت.. هنا عبرت.. وراء فلول دورية
فلسطينية.. عربية سمراء.. ثوري
خذوها أيها الغرباء للزنزانة الرطبة
جدار السجن يعرفها../ رتاج الباب يألفها
ظلام السجن/ والشباك
والحجار في الغرفة ( سلافة حجاوي، أغنيات فلسطينية، الشجرة، ص 17)
     وتصور (عطاف جانم) سيطرة أمريكا على الجزيرة العربية، وتذكرهم بالأصالة الإسلامية التي لا تشوبها أي زخرف أو بريق خداع، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يدعو لذلك، وتذكر الشهداء بدورهم قبل أن تضيع الفرصة، تقول:
     فيا سيد الكرنفال البديع
أو تدري لم يكن هم محمد
أن يوشي جيد المساجد
باللآليء والزبرجد...
كانت الحصباء تكفي/ وضلوع النخل تكفي
فاترك القدس/ على أكتافها لا تترزق
عد للورا/ فذووها بانتظارك
يزرعون الأفق رقصاً /لهلالك
ووحوش ( الهايدبارك)/ تتمارى في ظلالك
عد إليها / ودع الخلخال والماكياج/ والثوب المقصب
إنها تعلم ما في/ جيب ثوبك من صقيع
وطعام من ضريع
فقضى مرسومها عبر دماء/ صاعدات كالصلاة
إن يكن إلاك فارسها
فمرحى للطغاة (عطاف جانم، ندم الشجرة، لورا ديفنز، ص 59-63)
     استخدمت الشاعرة ألفاظاً ذات إيحاء ودلالة، شكلت بها صورها لتدل على حجم المأساة نتيجة الارتزاق على حساب القدس، فهي تعاني وتضيع وأهلها من بعيد، ينتظرون ويتأملون في العرب والمسلمين تحديداً، ولكن الأمريكان - وقد رمزت لهم ( بوحوش الهايد بارك)- يمرحون في ظلال الجزيرة العربية، والعرب يبخلون عليها وهم لاهون عابثون. لقد شُلَّ تفكيرهم مما أقعدهم عن القيام بفعل يرفض الاحتلال الجديد بكل أشكاله، مما جعلها مرتعاً لهم.      فهي تؤمن بمكانة الشهداء وقيمتهم، وأن استشهادهم مفخرة للأرض وأهلها.
     وكذلك (سلمى الجيوسي) التي ترى بأن الفداء قد حُق([14]). وترثي الشاعرة (منيرة مصباح)، في ديوانها (سيدة البراعم) ونصها (بدمي سأبوح بالسر الدفين)([15]) الفدائي الذي اقتحم الحدود الفلسطينية، وكذلك فعلت الشاعرة (هيام رمزي الدردنجي) حيث رثت ( خالد العكر) الذي حلق فوق فلسطين بطائرة شراعية واستشهد هناك. وذلك في نصها ( الفارس المجنح)، تقول:
واسمك لاح في وطني

فشاع العود والند
وفعلك خالد أبداً

وليس نشيد من نشدوا
وأنت الوعد والتبشير

أنت الشكر والحمد
فيا حلماً يراودنا

وشخصك ماله ند
تعال إلى مرابعنا

تعال ليزهر الورد
وترجع أرض أجدادي

فأنت النصر والمجد
وقد ناداك من حطين

يوم ما له بد
فطرت إلى روابينا

تصيح: سيقبل المد
بلادي أورقت غضباً

وأنت البرق والرعد
وأنت شرارة التحرير

أنت النصر والخلد
وأنت الفارس العربي

أنت السيف، والزند
                             ( هيام رمزي الدردنجي، بحور بلا موانيء، الفارس المجنح، ص 88-89)
     ورثت الشهيد بشكل عام دون أن تشير إلى فرد بعينه. كما في نصها ( الشهيد)([16]).
    وقد يكون الشهيد هو الأخ كما الحال عند (زينب حبش) في معظم نصوص ديوانها ( لا تقولي مات يا أمي)، وعند فاتنة الغرة في نصها( أريدك حيا)([17])، وعند (أنيسة درويش) في نصها( إلى أخي) ([18]).    
      وصورت (زينب حبش) نفسها كأخت شهيد، وعنونت إحدى قصائدها بـ( فلتكملي المشوار) شاعرة بأن روح أخيها (أحمد) تأمرها بعد استشهاده أن تكمل مشوار النضال، ولعل في البدء بـ(الفاء) ما يدل على استعجاله لها، حيث يطلب منها دوراً نضالياً فعلياً، ويؤكد عليه عبر تكرارها للعبارة (فلتكملي لوحدك المشوار) ثلاث مرات، معتذراً لها بأن طريقهما مزروعة بالشوك والصبار، ومغموسة بالنار، وتقول في قصيدة أخرى:
أحبها/ لأن كل من أحبهم
ماتوا لأجلها/أحبها
لأن إخوتي وكل أهلي
سجنوا وعذبوا واستشهدوا من أجلها
أحبها/ لأنني أموت كل يوم ألف مرة
من أجلها (زينب حبش، لا تقولي مات يا أمي، العشق القاتل، ص 41)
     وقد يكون الشهيد هو الحبيب، كما هي الحال عند ( كلثوم مالك عرابي)، تقول ناهية أمها عن البكاء عليه:
لا تبك يا أمي عليه كان سيد الرجال
دخان دخان/ نذبح ونهان
الليل مذ بكى عليه قيل إنه ليل وإنه أسود الرداء ( كلثوم مالك عرابي، الضوء والتراب([19])، ص 89)
     أما الشاعرة ( ليلى السايح) فالمُرُّ يقترب منها بشكل خاص إذ تعبر عن استشهاد ابنها، وتصور حزنها وشقاءها الذي لا ينقطع عليه([20]) وذلك في نصها(انتظار حبة القلب)، وكذلك هو الحال مع الشاعرة الغزية (رحاب كنعان)، الملقبة بخنساء فلسطين، والتي استشهد من عائلتها (53) فرداً في تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا فرثتهم وخصت ابنها بنص رثته به، تقول:
أماهُ../ طرزي لي ثوبَ الفرح
فأنا راحل/ للأرض أرويها بدمائي
أزرع فيها أشلائي/ أعانق الفراشاتِ الطليقة
أحتضنُ العشبَ../ والماءَ والترابَ..
أحطمُ قيودَ السبي والمنافي
أماه../ ها أنا ذا أنالُ الشهادةَ/ أصنعُ من ثوبِ زفافي وسادة
يتكيء عليها العابرون/ إلى الوطنِ الجريح
أصنع قمراً../ فراشة../ وردةً ندية..
تنطلقُ من فوهةِ بندقية/ مشحونةٍ بالحب..
محملةً بالحنينِ للأرض/ آهٍ.. آه... يا أماهُ
زغردي لرفِّ الحواري/ جدِّلي ضفائرَ النور
ازرعيها في عيونِ الزهور/ في أمعاءِ برتقالةٍ يافوية
وامسحي عن خدودِ الزمانِ العبرات (رحاب كنعان، البسمة المجروحة، عرس الشهيد، ص24-25).
     ولقد حظي الشهيد بكثير من القصائد في الشعر النسائي الفلسطيني بل في شعر الثورة عموماً، ولقد جاءت بعض القصائد تحت عنوان الشهيد منذ البداية. وها هي (زينب حبش) تصدر ديواناً في العام 1996 وقد صدرته بصورة أخيها (أحمد) الشهيد على الغلاف. فقد كان لحدث استشهاده تأثير عظيم عليها، ووسمت الديوان بـ( لا تقولي مات يا أمي) وذلك تناصاً مع قول الحق سبحانه وتعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون"([21]). وقد أهدته في 14- 7-1996 الديوان وذلك في ذكرى مرور خمسة وعشرين عاماً على استشهاده في 14-7-1970. وهو عنوان القصيدة الأولى التي تصدرت الديوان. وكانت قد كتبتها بعد مرور خمس سنوات على استشهاده، ولم يقف الأمر عند هذا، فإذا بالقصيدة الثانية (فلتكملي المشوار) تدور حول استشهاد أخيها (أحمد)، وكذلك الرابعة (يمامة الأمل) والتي كانت في الذكرى الثانية لاستشهاده حيث جاءتها عيونه تبسم لها وتحذرها من اليأس، والخامسة(عيناك عش بلادي)([22])، والتي ذكرت في مقدمة لها أنها قد " قرأت في إحدى الجرائد المحلية أنهم، هناك، يحرثون أجساد الفدائيين ويسرقون ما يجدونه فيها من بذور، ليزرعوه في أجسادهم". مما جعلها قلقة على عيني أخيها (أحمد) وتمنت لو كانت تمنح لجندي مقاتل، أو عامل، أو فلاح من بلادها فدائي مناضل، والسادسة (أغنية حب فلسطينية)([23])، والعاشرة ( قل لهم). ولم يقف الأمر عند أخيها الشهيد فإذا بها تتناول في قصائد أخرى بالديوان شهداء آخرين.
     كما حثت الشاعرات الأسرى على الصمود، ووجهن الكثير من الاهتمام لتعزيز الأسرى. ولقد أسر والد (فدوى طوقان) فأهدت له وهو مريض في سجنه قصيدة ( أبي)، وصورت في موضع آخر صرخات مكتومة يبثها مأسور أرهقه الأسر، وأحس بثقل القيود، فتاقت نفسه إلى الحرية والانفلات من بين الجدران، وتساءلت في نص آخر" لم لا يعود؟" ([24]).
     وتحكي (ليلى الحمود) عن زوجة أسير تعاني التفتيش والتعذيب والركل والضرب، وأسير وقع في يد العدو نتيجة شوقه وحنينه لأرض الوطن التي فقدها بعد النكبة، وفي السجن تبدأ معاناته فلا يلين ولا يذل، تقول:
تفتش داري صباح مساء         

وتسلبني النوم حتى السحر
وتأبى انصرافاً وتأبى اعترافاً    

وتركلني يا لعار البشر
وزوجي سجين كما أخبروني    

ليأخذ درساً عديد العبر
ففي كل يوم مئات الضحايا       

بشتى السلاح لصد حجر!
وينشد طفل سليل العروبة         

عاشت فلسطين أم الدرر
( ليلى خضر نمر الحمود، صلاة في المنفى، دار الينابيع، ط1، عمان، 1997، ص 15-17، من قصيدة عن الانتفاضة الأولى عام 1988).
     وقد أهدت (مريم الصيفي) أحد نصوصها إلى الأسرى وذلك في نصها ( إليهم في عنبر 3)، حيث يعانون طول الوقت، والتعذيب، والأسى، وفقدان الحرية، والأهل والأحباب، تقول:
على لهف تمر لديهم الأيام...
وذلك طيف أم أو أب/ أضناه طول البعد...
وذلك طيف أحباب/ تود عيونكم أن
تحتويه وتقفل الأجفان (مريم الصيفي، عناقيد في سلال الضوء، إليهم في عنبر 3، ص 91)
     ولقد أطلقت عليه (زينب حبش) لفظ السجين(*[25]) وذلك في قصيدة (رفيق السجن) في عام 1970م وهي مهداة للشاعر (سميح القاسم)  تعقيباً على قصيدته: " ما تيسّر من سورة السّلاسل" وفيها تخاطب صديقها ورفيقها السجين، ومنها:
 صرخةٌ/ فجّرتُها في وجهِ أعداءِ النهارْ
اشنقوني ألفَ مرّةْ/ وافقأوا عينيّ إن شئتمْ
ولكنْ / شئتمُ....... سيّانَ / أو أنتمْ أبيتمْ
ستعودُ الأرضُ حرّةْ                                    (زينب حبش، موقع زينب حبش على الانترنت)
     أما (مريم الصيفي) فلقد صورت لنا الفدائي المحاصر، حيث صورت ابنها، فلذة روحها، محاصراً في كنيسة القيامة في بيت لحم، من قبل العدو الصهيوني الذي أطلقت عليه حيناً (يهوذا)، وحينا (النازي). وهي تبتهل إلى الرب، وتلتجأ للعذراء أن تجود عليه بكراماتها، وتغيثها، وتعيده إلى حضن أمه سالماً، وتقول لها هو عيساي، قد ربيته عاماً وراء عام، وأرضعته البطولة، تقول:
إلى ولدي المحاصر/ في مهد المسيح
خيم الصمت/ ولف الكون ثوب من ظلام
وتمادى في الغياب النطق/ وانشل الكلام...
وتداعى كل أعداء السلام / ليصبوا نار حقد
نار إجرام/ على مهد السلام...
شهقت بالحزن روحي / عصفت بالقلب أرتال الأسى
قلت: يا عذراء... يا مريم / يا خير نساء الأرض
قومي.../ وانظري مهد وليدك...
ولتهزي جذع أمن وسلام.../ ولتساقط نخلة الخير
على أرض الوئام.../ رطب الأمن
على إنسان هذي الأرض / حيث حيك الغدر/ في جنح الظلام..
فيهوذا / هز جذع النار/ تنكيلاً وبطشاً وجرائم...
أحرق الزيتون في الكف/ التي مدت لسلم
وتمادى.../ أطلق النار على صدر الحمائم...
أفزع الرهبان في مهد المسيح/ وتلظى الغدر
في نار الصواريخ/ وفي فيض الرصاص...
وتهاوى حقدهم / جمر قنابل
فاحتمى في مهد المسيح /القوم:/ شيخ وصبي ومقاتل...
                                          ( مريم الصيفي، صلاة السنابل، يهوذا يهز جذع النار، ص 7-9)
     وصورت (شهلا الكيالي) ابن صديقتها المحاصر أثناء الحصار الذي تعرضت له كنيسة المهد وذلك في نصها ( إلي حضن مريم)، تقول:
أراك تغلف صمت الضجيج/ وتنثر في المهد لون الصور
أراك تقود خيولاً أصيلة، شموساً تزنر ريح الأمل
تعود إلي/ وطير الحمام/ يهدهد جرحي
لأن الحمام يخاف عليك!!
وسقف الشتاء يصب وريداً، ويرمي السياج/ بماء هتون
وسبع سنابل تأتي/ سراعاً
تسد الفراغ بعطر وند
سلام عليك/ بيوم ولدت/ ويوم يعود السلام/ إليك
                                            (شهلا كيالي، عندما الأرض تجيء، إلى حصن مريم95-96)
      إن الشهيد، والأسير، والمحاصر، والمناضل في الشعر النسائي هو الشهيد، والابن، والأخ، والزوج، والخال، والعم ولهذا نظمت الشاعرات نصوصهن حول هذه المضامين، تقول (زينب حبش):
غنيت للسجين/ للشريد
غنيت للشهيد/ غنيت للأبطال
للأحرار/ صليت للثوار
ولم أكن أعلم أخي الحبيب
أن السجين/ أن الشهيد
وأن كل من من أجلهم صليت
هم يا حبيبي أنت ([26])
     وفي العودة تشعر الشاعرات بالاغتراب، لقد كانت العودة للوطن مزيجاً من فرح ومعاناة، تماماً كما هي الولادة، فما أن صار الحلم حقيقة حتى بدأ البحث في الحلم عن خلاص. وتصور شهلا الكيالي الإنسان الفلسطيني الذي عاد متأثراً متشوقاً، ظاناً أن الوطن ومن فيه ينتظرونه، ثم لم يأبه لوجوده أحد فمات بصمت، تقول:
حين أتى/ بكى كثيراً وارتعد!!
ليعرف الجميع/ بأنه وصل
وعندما مضى / مضى بصمت قاتل
ولم يشعر به أحد!!! ( شهلا الكيالي، عندما الأرض تجيء، هو!!، ص 20)



([1]) فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، ص108.
([2]) مريم الصيفي، صلاة السنابل، الإهداء.
([3]) انظر كذلك: مريم الصيفي، صلاة السنابل، نجي الروح، ص37-40.
([4]) فدوى طوقان، الأعمال الكاملة، الليل والفرسان، يوميات جرح فلسطيني، ص518- 528.
([5]) المصدر السابق، الليل والفرسان، الفدائي والأرض، ص504- 510.
([6]) فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، ص148.
([7]) زينب حبش، لا تقولي مات يا أمي، بطاقة، ص 76.
([8]) فدوى طوقان، الأعمال الكاملة، وجدتها، نداء الأرض، ص153-161.
([9]) فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، ص 147.
(*[10]) هي سناء محيدلي ابنة جنوب لبنان اقتحمت بسيارة متفجرات آليات العدو الصهيوني بتاريخ 10-4-1985، وقتلت الكثيرين من جنودهم واستشهدت ولقبت نفسها قبل استشهادها بعروس الجنوب.
(*[11]) هي لينا نابلس ابنة نابلس اليانعة استشهدت في إحدى المظاهرات في نابلس.
([12]) شهلا الكيالي، وانقطعت أوتار الصمت، وعانقت لينا سناء، ص 31.
(*[13]) قرية الشهيدة سناء.
([14]) سلمى الخضراء الجيوسي، العودة من النبع الحالم، ص61.
([15]) منيرة مصباح، سيدة البراعم، بدمي سأبوح بالسر الدفين، ص 81-83.
([16]) هيام رمزي الدردنجي، قصائد رحلة صيف، الشهيد، ص 128-129.
([17]) فاتنة الغرة، امرأة مشاغبة جداً، أريدك حياً، ص 13-15.
([18]) أنيسة درويش، وأهون عليك، إلى أخي، ص 9.
([19]) كلثوم مالك عرابي، الضوء والتراب، منشورات دار الآفاق، بيروت، 1977، ص 89.
([20]) ليلى السايح، دفاتر مطر، انتظار حبة القلب، ص 209.
([21]) آل عمران: 169.
([22]) زينب حبش، لا تقولي مات يا أمي، عيناك عش بلادي، ص23-26.
([23]) المصدر السابق، أغنية حب فلسطينية، ص27.
([24]) فدوى طوقان، الأعمال الكاملة، وحدي مع الأيام، في حراب الأشواق، ص86.
(*[25]) وإن كنت لا أحبذ استخدام لفظ السجين بل الأسير. فهو ليس مجرماً حتى يسجن ولكن العدو أسره.
([26]) زينب حبش، لا تقولي مات يا أمي، أنت، ص 68-69.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق