الاثنين، 19 ديسمبر، 2016

البداوة والحضارة


البداوة والحضارة في فلسفة ابن خلدون


اختلاف حال الأجيال ينشأ باختلاف أعمالهم وهو ما أسماه ابن خلدون(اختلاف نحلتهم في المعاش)
- وهو يقرر أن الإنسان اجتماعي بطبعه ويجتمع مع الآخرين للتعاون فيما بينهم للحصول على الضروري في حياتهم قبل أن يتدرجوا في الوصول إلى ما هم بحاجة إليه زائد على الضرورة ثم يصلون لمرحلة طلب ما هو كمالي بالنسبة لهم، وهو بذلك يقول أن الإنسان يسعى للحصول على الضروري ثم يحاول الحصول على ما يحتاجه دون ضرورة ملحة ثم يتطور للحصول على الكمالي في المرحلة الأخيرة.

- قسم التجمعات الإنسانية إلى قسمين بدو وحضر ثم قسم البدو إلى عدة أقسام حسب أعمالهم وما يتوفر بأيديهم فمنهم من يعمل بالفلاحة من غراسه وزراعة وهم سكان القرى والجبال واستقرارهم أكثر من ترحالهم (وهم عامة البربر والأعاجم).
ومنهم من يعمل برعي المواشي من غنم ومعز وبقر وهم رحالة غالبا خلف الماء والكلأ فالترحال أصلح لحالهم من الاستقرار ويطلق عليهم (الشاوية) حسب لفظ ابن خلدون لكنهم رغم ترحالهم لا يبتعدون كثيرا ويتوغلون في الصحاري لعدم وجود المراعي داخل القفار(مثل التركمان والترك والأكراد والصقالبة).
ومنهم من يعمل برعي الإبل وهم أكثر ترحالا وتوغلا في الصحاري والقفار لأن الإبل لا تستغني عن أشجار الصحاري ونباتها إلا أنهم يتقلبون في الشتاء من وسط الصحاري إلى أطرافها فِرارا من أذى البرد ولذلك هم أشد الناس توحشا وهم بالنسبة للحضر بمقام الوحش غير المقدور عليه(هؤلاء هم العرب ومثلهم رحالة البربر والأكراد والتركمان والترك بالمشرق)، إلا أن العرب أشد بداوة لأنهم مختصون بالإبل فقط أما البقية من بربر وأكراد وتركمان وترك فهؤلاء يرعون الماشية من بقر وشياه.

  وهؤلاء من زُرّاع ورعاة تجبرهم طبيعة أعمالهم أن يكونوا بالبادية لاتساعها للزراعة والرعي وهو مالا تتسع له الحاضرة، وبهذا يكون اجتماعهم للتعاون فيما بينهم لتلبية الضروريات لما يحفظ حياتهم ويكفل لها الاستمرارية دون أن يحصل لهم زيادة فوق الضروريات للعجز عن ذلك.

وفي مرحلة لاحقة تتسع فيه أحوالهم ويحصل لهم فوق الحاجة من غنى ورفه وهذا ما يدعوهم للسكون والدعة (الاستقرار) والاستكثار من القوت والملبس والتأنق والسعة في البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر.


وفي مرحلة لاحقة تتسع فيه أحوالهم أكثر فأكثر ويزيد الرفه والدعة فينعكس ذلك على المبالغة في الترف والتأنق في الملابس الفاخرة والحرير والديابيج وتتنوع الأقوات ويتعالون في البيوت ويصل بهم الترف إلى غايته في اتخاذ القصور وإجراء المياه فيها وإعلاء الصروح والمبالغة في تزيينها وتنجيدها وهؤلاء هم الحضر وأهل الأمصار وهم من يعملون في الصناعة والتجارة ومكاسبهم أنمى وأرقى من أهل البدو لأن عندهم ما هو زائد عن الضروري وهذه الأجيال طبيعية حسب لفظ ابن خلدون.

حسب هذا المنطق، فإن أساس الوضع الحضاري لأي أمة يستند على وضعها الاقتصادي وسلوكها المعيشي (نمط ووسائل الإنتاج) مما يتولد عنه اجتماع أفرادها في تنظيمات وتكوينات مجتمعية.

البدو أقدم من الحضر وسابق عليه والبادية أصل العمران والأمصار مداد لها.
يدلل ابن خلدون على فكرته القائلة "بأن البدو أصل للمجتمعات كلها وهم تبعاً لذلك أقدم من الحضر" أن الإنسان يبدأ أولا بالسعي للحصول على ما يسد رمقه، ويكفل له استمرارية حياته، وهذه هي بداية كل التجمعات البشرية، ومنها تأتي كلمة بادية، والتي قد تعني من بين معانيها الكثيرة البداية، وبما أن الحضر منشغلون بالترفي والكمالي في أحوالهم، فيستحيل أن يكونوا بحال من الأحوال سابقين على البدو من حيث النشأة، لأن الانشغال بالضروري أقدم وسابق على الانشغال بالكمالي، وبما أن الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ عنه فالبداوة أصل للحضارة وسابق عليه، وخشونة البداوة قبل رقة الحضارة، والمدنية غاية للبدوي يجري إليها، ومتى ما حصل على الدعة فيها وصل إلى قيادة المدينة، وهذا شأن القبائل البدوية كلها، أما الحضري فلا يعود للبادية إلا لضرورة تدعوه إليها.

أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر.
حيث يؤكد ابن خلدون أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى فهي متهيئة لقبول ما يصل إليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم( كل مولود يولد على الفطرة) فإذا سبق أليها الخير تبتعد عن الشر ويصعب أن تكتسبه وإذا سبق إليها الشر صعب عليها الخير .
فأهل الحضر يعانون من الترف والإقبال على الدنيا والشهوات وتلوثت أنفسهم بالكثير من المذمومات وبعدت عن الخير ومسالكه حتى أن الحشمة حسب تعبير ابن خلدون ذهبت عنهم فهم يتحدثون بفاحش القول في مجالسهم وعند كبرائهم ومحارمهم لمجاهرتهم بالفواحش قولا وعملا.
أما أهل البدو فهم أقل بكثير من سوء أهل الحضر فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع بالنفس من سوء لقلة السوء في البادية نسبة للحاضرة حيث أنهم مشغولون في تحصيل أسباب بقائهم ووقت فراغهم لا يكاد يذكر حتى ينشغلوا بأمور الدنيا وملذاتها.فالحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد، ونهاية الشر والبعد عن الخير ولذلك أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر.

أهل البدو أقر إلى الشجاعة من أهل الحضر.
السبب حسب ابن خلدون أن أهل الحضر ركنوا للدعة وحياة الترف واطمئنوا على ما عندهم من أموال ورزق بسبب الأسوار المنيعة التي تحيط بهم والحاكم الذي يسوسهم والجنود الذين يحمونهم حتى القوا السلاح وتوالت الأجيال على عدم حمله حتى تنزلوا كما يقول ابن خلدون (منزلة النساء والوالدان) الذين هم عالة على أبيهم وصار هذا خلقا لهم. بعكس أهل البادية لابتعادهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار فهم يدافعون عن أنفسهم ولا يوكلون غيرهم بأمر الدفاع عنهم ولا يثقون بأحد بهذه المسألة ولذلك هم دائما ما يحملون السلاح ويفزعون خلف كل صيحة وهيعة واثقين بأنفسهم فالبأس لهم خلقا والشجاعة سجيتهم يستجيبون لكل داع وينفرون لكل صارخ وأهل الحضر عالة عليهم إذا ما صحبوهم في البادية لا يملكون شيئا معهم حتى في معرفة النواحي والجهات و موارد المياه.

مقياس تحديد البداوة والحضارة.
في حين صنف العلماء الزراعة مهنةً للريفيين أو القرويين،كان قد ألحقها ابن خلدون بالبدويين، ولم يكن عند ابن خلدون مجتمع وسط بين المجتمعين البدوي والحضري، وكان المحك الرئيس عند ابن خلدون للبداوة هو الترحال، فمتى حل الاستقرار الدائم انتهى عصر البداوة.
 وقد اختلفت آراء العلماء في تحديد مقياس للحياة البدوية والريفية والحضرية مابين تصنيف حسب المهنة أو حسب حجم المجتمع أو تجانس السكان أو عدم تجانسهم نفسيا واجتماعيا وثقافيا أو درجة الحراك الاجتماعي واتجاهه أو أشكال التباين الاجتماعي أو أنساق التفاعل الاجتماعي، ومع التقدم الذي تشهده المجتمعات باختلاف مشاربها أرى والله أعلم أن مقياس ابن خلدون وهو الترحال يبقى الأقوى للتصنيف، فالمقاييس الأخرى مرنة جدا وقد تتداخل فيها المجتمعات البدوية بالريفية بالحضرية بسهولة، والثغرات بها كبيرة وهذا ما نتج عنه سهولة إطلاق صفة بدو وبداوة على جميع العرب كما يقول عالم الاجتماع علي الوردي فالكثير من العادات والأعراف والسلوكيات التي تنسب للبدو، هي عادات وسلوكيات ريفية موجودة لدى كل أهل الريف في العالم سواء أكانوا في أمريكا اللاتينية أو الصين الشعبية، وإذا تجاهلنا مقياس ابن خلدون وهو الترحال فأصدق مقياس من بعده من وجهة نظري هو "المتصل الريفي الحضري" حيث يكون هناك مجتمع بلغ الغاية في البداوة من خشونة العيش والترحال وعدم الأخذ بأسباب الحضارة، أو مجتمع بلغ الغاية في الريفية، وفي مقابله مجتمع الحضارة والتمدن والاستقرار الدائم والأخذ بالعلم والصناعة، والمجتمعات تتدرج في هذا المقياس حسب قربها من هذا النموذج أو ذاك.

أما ما يحصل في مجتمعنا العربي السعودي من تصنيف حسب الأهواء ودون مقياس للبداوة والحضارة فهو الأبعد عن الطرح العلمي على الإطلاق، فلا يصح أن يتم التصنيف دون مقياس، ولا ينبغي أن يُصَنف أهل المدن بأنهم بدو وحضر مع أنهم في مدينة واحدة و يأخذون بأسباب الحضارة وقد يسكنون الحي نفسه، وذلك بأن يتم التصنيف حسب صفات معينة كأن يوصف البدو بالشجاعة والكرم والحمية والغيرة والنخوة والأصالة مما يعني بالضرورة أن أهل الحضر عكس ذلك، لأنه لابد أن تكون الصفات مقابل صفات أخرى معاكسة لها وهذا ما يحتمه مقياس التصنيف، وكأن يُقال أن الحضر هم أهل العلم ومحاسن الأخلاق والذوق واللباقة مما يعني بالضرورة أن البدو عكس ذلك، أو أن يُقال أن أبناء القبائل هم البدو وأبناء غير القبائل هم الحضر رغم أننا نجد أبناء القبيلة الواحد يقسمون أنفسهم على أنهم  بدو وحضر مع أنهم يعودون للقبيلة نفسها، وهذا لا ينطبق لأن الجميع أهل مدن وكرم وعلم ومحاسن أخلاق سواء أكانوا أبناء قبائل أم لا وسواء تم تصنيفهم حسب الهوى على أنهم بدو أم حضر، وفي المقابل الصفات السيئة موجودة عند جميع طبقات وشرائح المجتمع كما الصفات والخصال الحميدة فالأسرة الواحدة قد يكون منها عالم وأديب وآخر جاهل فوضوي يجلب العار لأسرته فالبداوة مرحلة تاريخية اجتماعية تمر بها المجتمعات وليست صفات يمتدح فيها الأشخاص أو يُذمون وهي بداية نشأت المجتمعات قاطبة كما يقول ابن خلدون هذا والله أعلم.
نظرية ابن خلدون أو ما يعرف بـ العمران البدوي والعمران الحضري:
صنف ابن خلدون  وفقا للدكتور علي الحوات المجتمعات إلى المجتمعات البدوية وهو ما أطلق عليه "العمران البدوي" والمجتمعات الحضرية وهو ما أطلق عليه "العمران الحضري" وقارن بين هذين النوعين من المجتمعات في مجالات وميادين اجتماعية وثقافية مختلفة ثم استخلص أن المدينة هي الهدف النهائي للاستقرار البشري إذ كلما تحسنت أوضاع أهل البادية أو الريف اتجهوا للإقامة في المدن ثم استخلص أيضا أن الطريق من البادية إلى المدينة طريق لا رجعة فيه.

نظريات مماثلة:
كان مدار نظرية ابن خلدون في العمران البدوي والعمران الحضري أن هناك نموذج يمثل قمة التقدم والتطور وهو "مجتمع الحضارة والتحضر" الذي يتوج "بالمدينة" وهذا النموذج يتمثل في مجتمع العلم بحسب تحليل أوجست كونت وممثلا في مجتمع الصناعة بحسب تحليل هيربرت سبنسر وممثلا في مجتمع تقسيم العمل بحسب تحليل أميل دوركايم وممثلا في مجتمع الحرية الفردية والعمل الحر بحسب تحليل ماكس فيبر وممثلا في مجتمع النسق الاجتماعي المتوازن والقادر على أداء وظائفه الأساسية لتحقيق غاياته وأهدافه العليا بحسب تالكوت بارسونز.

تصنيفات ابن خلدون للبدو و الحضر
تقديم
هل من جديد يمكن أن يقدمه طالب باحث حول مفهوم ما أو موضوع ما ضمن مقدمة بن خلدون؟
لقد ظل هذا التساؤل مستغرقا هذه الورقة-العرض من أول سطر إلى أخره، وكما يقول د محمد عابد الجابري: فالمقدمة"قتلت" بحثا ودرسا، بل إن الأطاريح التي قدمت في الجامعات العربية والغربية يستحيل حصرها أو إحصاؤها ناهيك عن الكتب والمقالات هنا وهناك بشتى اللغات، حتى عد البعض أن مجرد التفكير في الكتابة عن بن خلدون –أو بعضا من مقدمته- "أمرا مبتذلا" لن يثير انتباه المختصين ولا فضول المثقفين سواء الذين هم "خلدونيين" أو "المعترضين على أفكاره" أو ما يصطلح عليه اليوم بالدراسات الخلدونية.
بيد أن سؤال "الجديد" حول مقدمة بن خلدون سرعان ما يتولد عنه سؤال "فهم" المقدمة وعدم التعسف عليها و اختزالها أو الاجتزاء لبعض نصوصها، وهو ما لا يتورع عنه كثير من الكتاب حين يعمدون الى عبارة من عباراتها ينتزعونها ويتخذونها أساسا لتأويلات وشروح بعيدة عن الفكر الخلدوني. ولذلك يعتبر د علي الوردي ان ادعاء فهم بن خلدون ومقدمته هو وهم، فيقول" واعترف أنني لم استطع ان افهم مقاصد بن خلدون إلا بعد أن قرأت مقدمته عدة مرات... وفي كل مرة اكتشف وجها جديدا منها، ومن يدريني فربما كنت حتى الساعة بعيدا عن فهم بن خلدون كما هو في حقيقة أمره".
وليست المقدمة بمعزل عن الاختزال والتجزيء شأنها شان الكتب المتينة ، بل إن كتاب الله للعالمين لم يسلم من ذلك ! ولذلك ف"إن التراث كالكتاب المقدس حتى الشيطان يمكن ان يجد فيه نصوصا تؤيد ضالته" كما قال مكسيم رودنسون.
لقد كان لابد من هذه المقدمة قبل التوقف عند موضوع هذه الورقة : البدو والحضر عند بن خلدون" فبالرغم من كل ما سبق ذكره فليس لكاتب هذه السطور حصانة من هذا "الاختزال والاجتزاء" وعلى الله قصد السبيل.
البدو والحضر وأساس الاختلاف
قد يبدو الرجوع الى مفهوم البدو والحضر عند بن خلدون مجرد موقف تراثي تذكيري بمعلمة تاريخية قروسطية، لكن بقليل من الأناة والتبصر يعثر الباحث لا محالة على مفاهيم غاية في الأهمية.
فابن خلدون يحدد ان اختلاف طبيعة الأرض من حيث الخصب والجذب هي التي حددت شكل العمران فأشكال الاجتماع وأنماط التعاون تختلف بحسب أنماط تحصيل الغذاء والكسب، فأهل الأرض الجدباء يقتصرون على الضروريات وهم مضطرون الى التنقل طلبا للعشب والماء، عكس أهل الأراضي الخصبة فإنهم يتوسعون في الأقوات والملابس والتأنق وكلما زاد استقرارهم زاد توسعهم، وإذن فالعمران يتدرج من البسيط إلى المعقد بحسب خصوبة الأرض وجدبها، وهنا يتحدد مفهومين للاجتماع :الأول ينعت أصحابه بالبدو والثاني ينعت أهله بالحضر.
1– البدو نوعان، بدو رحل وبدو مغلوبون لأهل الأمصار
أ- البدو الرحل
"وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحامية واٌنتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ...ويتفردون في القفر والبيداء...قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية..."
والبدو هم ساكنو البادية التي هي في اصطلاح القدماء الصحراء والأرض القاحلة.
إن هذه الظروف القاسية التي استرسل صاحب المقدمة بأسلوبه الرائع انعكست بالضرورة على طباع أهلها وأخلاقهم ونمط سلوكهم فطباعهم تنفر من العمران ومناقضة له و"أرزاقهم في رماحهم" بسبب جدب الأرض فهم يمدون أيديهم إلى ما في أيدي الناس.
بيد أن بن خلدون وهو يقدم لنا صورة عن البدو فهو كان موضوعيا إلى أقصى درجة، فبالرغم مما نعتهم به من غلظة الطباع والجفاء والتوحش ... إلا انه قال عنهم " فهم أحسن حالا ، فألوانهم أصفى وأشكالهم اتم وأحسن وأخلاقهم ابعد عن الانحراف وأذهانهم اثقب في المعارف والإدراكات...فهم أقرب إلى الفطرة الأولى..." وسرعان ما تغلب صفاتهم الحميدة على طباعهم الذميمة من غلظة وجفاء و اخشيشان، خاصة إذا وجدوا من يعيدهم إلى فطرتهم الأولى"فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، ثم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك"ج2 ص465
ب - بدو مرتبطون بالمدن
يقدم لنا صاحب المقدمة صنف آخر من البدو وهم الفلاحون من توقف إنتاجهم الزراعي على استعمال الآلات والأدوات وهي توجد بالحضر ومن اختصاص المدن، فهؤلاء اقرب إلى التحضر رغم أنهم لم يبلغوا درجة الترف والتفنن في العيش غير" أنهم إن لم يحصل لهم ملك" كانوا مغلوبين خاضعين.
وهنا يحدد لنا ايف لاكوست نوعين من البدو المستقرين الذين يدخلون تحت اسم "قبائل"
* قبائل خاضعة منقادة وضعيفة التلاحم وفاقدة للعصبية.
* قبائل قائدة مسيطرة شديدة الاندماج، بالتالي ذات عصبية فاعلة في التاريخ ومحركة للتطور المجتمعي، تستمر في إلحاق القبائل بها فإن هي تمكنت من تشكيل قوة تعادل او تفوق قوة الدولة او أدركتها في طور انحدارها تبادر للاستيلاء على الملك ثم الاستقرار بالمدينة. بيد أن قبائل قليلة من اتسمت بهذه الصفة بحسب علي اومليل. إذ الغالب هو أن الوضع الاجتماعي لهؤلاء النوع من البدو هو أشبه بوضع سكان المدن البعيدون عن الجاه والسلطة كما يقول الجابري.
2– مفهوم الحضر
لكن كيف ينظر بن خلدون إلى الحضر؟
الحضارة كما يعرفها صاحب النص هي: "التفنن في الترف و استجادة أحواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه.." وأهل الحضارة أيضا "يقعد أفرادها عن العمل ويفر أصحاب الأموال بأموالهم وتغادر القبائل أراضيها ومراعيها... و يكثر الهرج وينقسم أهل العاصمة على أنفسهم كل يتحزب ويتعصب لنفسه وقريبه..." وهذا الوصف هو الذي أدى بابن خلدون لان يقول كلمته الشهيرة : "الحضارة مفسدة للعمران" .
"واهل الحضر القوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم، ...وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم". "فالحضارة مقرونة بالملك، فهي من توابع الترف، والترف من توابع الثروة والنعيم، والثروة والنعيم من توابع الملك(ج2 ص492
يرى فون كريمر أن بن خلدون كان ذا "نزعة تشاؤمية " بسبب أن الحضارة لفظته الى إحدى القلاع البدوية، وهو ما اثر بالضرورة في تحليلاته وتفسيراته لمفهوم الحضر والحضارة عموما. بينما يرى لاكوست وهو من أهم الدارسين للمقدمة ان بن خلدون انتقد سكان المدن لكونهم عجزوا عن تشكيل " طبقة بورجوازية" تمكن من مقاومة هجمات "الارستقراطية القبلية". ومن جانبه يرى محمد عزيز الحبابي أن "مؤاخذات وتهجمات" بن خلدون على الحضر إنما هي استثارة لهم للنهوض من سباتهم كي يحققوا حلمه بتأسيس دولة قوية أمام تحرشات البدو. لكن د الجابري يعتبر أن بن خلدون لم "ينتقد" ولم "يتحامل" وإنما "حلل" ظروفا اجتماعية وسياسية خاصة.
خلاصة
إن الانتقال من البداوة إلى الحضارة هو بالضرورة عند صاحب المقدمة انتقال من الخشونة إلى الترف ومن مجتمع شظف العيش والحرمان الذي هو أساس التضامن من اجل البقاء إلى مجتمع تطغى عليه صفة الفردانية والنزوع نحو الجاه والمال، وبحسب د المختار الهراس هو "انتقال من المصلحة المشتركة الى النزعة الفردية"
إن التمييز بين البدو والحضر في المقدمة هو في اختلاف طرق الكسب ، المعيشة، الطباع، والسلوك وكذا تأثير المناخ والخصب والجدب. و كل إيغال في التفنن في العيش والبذخ والترف هو استدراج بالضرورة نحو فساد العمران ونهايته، فهو نعي مقدم لحضارة الاستهلاك!
و ختاما
شدد ريمي لوفو على أن "المخزن" استفاد كثيرا من المعرفة السوسيولوجية الكولونيالية التي جعلته يتحكم في البادية المغربية، إذ جعل الفلاح - صانع التغيير عند بن خلدون عند كل فساد للعمران- حاميا لعرشه وبعيدا عن كل الصراعات السياسية ، و لا يخفى أن ريمي لوفو يلتقي أحيانا مع بن خلدون فيما يتصل بتبعية البادية للحضر أو تبعية رجل البادية لرجل السلطة!
يتساءل د المختار الهراس عن جدوائية الأسئلة "ما قبل النظام الاستعماري"؟ طارحا سؤالا آخر وهو: هل خرجت مجتمعات المغرب العربي حاليا عن "الزمن الخلدوني"؟
ختاما نتساءل بدورنا إلى أي مدى يمكن التمسك بمفهومي البدو والحضر الخلدونيين في زمن تتلاشى فيه الحدود بين ما هو حضري وبدوي؟ ألا توجد كيانات ومجتمعات موسومة بعلامات أخرى غير ما هو حضر وبدو؟ أين تنتهي كل من البادية والمدينة؟ وخاصة في زمن المسيرات والوقفات الاحتجاجية ل"بدو" و"سلاليات" وأهل مداشر نائية و"مغلوبة" في زمن عولمة القيم والتواصل و"الربيع العربي" الذي كسر الدائرة المغلقة التي يتهم بها البعض صاحب المقدمة.



بعض أقوال ابن خلدون حول البدو و الحضر

قال ابن خلدون إن الناس يجتمعون بالضرورة، للتعاون على المعاش، و يبدأو بما هو ضرورى منه وبسيط قبل الزيادة و الكماليات ، فمنهم من يمتهن الزراعة، ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدود لنتاجها واستخراج فضلاتها، و في كلا الحالين تكون الحاجة إلى المساحات الكبيرة سواء للمزارع أو مراعي الحيوانات، فكان وجودهم دائما في البادية و خارج المدن و الحواضر، و تميز عيشهم كفالحين أو رعاة بالاكتفاء بالمقدار الذي يحفظ الحياة، ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه، للعجز عما وراء ذلك في أحوال كثيرة، حتى إذا اتسعت أحوالهم وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم ذلك إلى السكون والدعة، واستكثروا من الأقوات والملابس، و توسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر، و هؤلاء هم الحضر، أهل الأمصار و البلدان
 فلفظة البدو عند ابن خلدون تشمل الرعي و فلاحة الأرض، فإذا انتقلنا إلى الحضر بدأ امتهان الصنائع و المهن الاخرى التي تدعو إليها معيشة الحضر، و منهم من ينتحل التجارة، وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو بشكل عام، فالبدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه و الحضر هم المعتنون بحاجات الترف و الكمال في أحوالهم و عوائدهم. و كلنا يفهم هذه الرؤية، و التاريخ المعاصر يشهد، و إن كانت المسافة بعيدة جدا بين بدايات نشأة المجتمعات و تحولها من بداوة إلى حضارة، و لعل ابن خلدون لم تصور هذا المدى الذي تحول فيه الرعي و الزراعة إلى صناعات، مستقلة عن الرعي أو الفلح لحفظ العيش، قد صارا صناعات و نظما اقتصادية قائمة، لا تبغي فقط تحصيل ضروريات العيش، بل موجهة بالدرجة الأولى إلى أعمال أخرى تتحقق فيها الأرباح الطائلة.
 فالبدو إذن هم المنتحلون للمعاش الطبيعي من الفلح والقيام على الأنعام، وأنهم مقتصرون على الضروريات، و يتميز أهل الزراعة منهم بالميل للاستقرار، فهم سكان المدر والقرى والجبال، وهم عامة البربر (أهل شمال غرب أقريقيا) و الأعاجم، عند ابن خلدون، بينما كان التقلب في الأرض أصلح أصلح للرعاة، مثل بعض البربر والترك و إخوانهم من التركمان و الصقالبة (في شمال و غرب و أواسط آسيا). فلما تحدث عن العرب قال إن من كان معاشهم في الإبل فهم أكثر ظعناً وأبعد في القفر مجالاً، لأن مسارح التلول ونباتها وشجرها لا يستغني بها الإبل في قوام حياتها عن مراعي الشجر بالقفر وورود مياهه الملحة والتقلب فصل الشتاء في نواحيه فراراً من أذى البرد إلى دفء هوائه، إذ الإبل أصعب الحيوان فصالاً ومخاضاً، فكان رعاة الأبل من أشد الناس توحشاً (و هو في هذا اللفظ يعني أكثر بعدا عن أسباب الرفاهية و التنعم)، و قال إن هؤلاء هم العرب، و مثلهم بعض ظعون البربر و زناتة بالمغرب و الأكراد و التركمان و الترك بالمشرق، إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة لأنهم مختصون بالقيام على الإبل فقط، بينما الآخرون يرعون الشياه و البقر معها. و لا يجب أن يكون في هذا الكلام ذم أو مدح، فهو يشير إلى أجيال العرب الأولى في عصور ماقبل الإسلام و قبل أن ينقلهم الإسلام إلى حضارته، و هو يقول إن البدو أصل المدن و الحضر، و إذا فتشنا أهل أي بلد من البلاد وجدنا بدايات أكثرهم من أهل البدو (بمعناها الواسع لا بمعناه الضيق السائد حاليا و المقصور على أنهم الرعاة) بناحية ذلك البلد، و قد و تغيروا إلى الدعة و الترف الذي في الحضر (حتى الولايات المتحدة الأمريكية لها نفس مسار التطور من مغامرين و أفراد متناثرين إلى أكبر حضارة قائمة)، فأحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة و هي أصل لها، ثم إن كل واحد من البدو و الحضر متفاوت الأحوال من جنسه، فرب حي أعظم من حي و بلد أعظم من بلد و مدينة أوسع من مدينة و أكثر عمراناً و هكذا.
 و لكن الفكرة و السؤال قد يأتياننا اليوم عندما نتأمل أحوال العرب ما بين أمم الأرض الأخرى، فنجدهم متأخرين تأخرا كثيرا، و نستطيع أن نثري هذه السؤال بالتفكر في تلك النقلة التي أخذ بها الإسلام العرب من مستوى كونهم أشد الشعوب بعدا عن الحضارة إلى قادة أكبر حضارة و مدنية عرفها التاريخ، فلاشك أن في هذه النقلة الضخمة عبرة لكل من له عقل، و في الوهدة العميقة التي لايبدو لها قرار و التي وقعنا فيها في أيامنا الحالية لدليل على ان هناك عبرة و فكرة و آية لمن يريد أن يتفكر ليفهم.

كتاب ( مقدمة إبن خلدون: دراسة تحليلية )

القســــــم الأول : عـرض مقدمــــــــــة إبن خلــــــــــــدون
                                     البــــاب الثانــــــي    
 في أساس علم العمران وبدايته في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل                                     الفصل الأول : 
في أن أجيال البدو والحضر طبيعية
النشاط الاقتصادي أساس الإختلاف بين الريف والحضر
     إختلاف الأجيال باختلاف طريقتهم في كسب المعاش ، لأن إجتماعهم يكون للتعاون على كسب المعاش الضروري قبل الكماليات ، ومنهم من يحترف الزراعة ، ومنهم من يحترف الرعى. والمزارعون والرعاة يحتاجون إلى البداوة والصحراء .
تحول القرية إلى مدينة وتحول الريف إلى حضر
     ثم إذا إزدهرت أحوال المزارعين والرعاة آثروا الدعة ومالوا إلى إدخار الزائد عن الحاجة وتوسعوا في البيوت وأقاموا المدن والحواضر . ثم إذا ازداد الترف بالغوا في التأنق في الطعام واللباس والمساكن والآلات التي تساعد على راحتهم في بيوتهم . وهؤلاء هم الحضر وتلك هي الحضارة ، وتعني ( الحاضرون من أهل البلاد والأمصار) ، وهنا تظهر حرفتا الصناعة والتجارة . وتكون مكاسبهما أكثر من مكاسب أهل الصحراء . وهكذا فأجيال البدو والحضر طبيعية ، والبدو مقصود بهم أيضا أهل القرى بالإضافة إلى أهل الصحراء ، حيث تشابه الفريقان في شمال أفريقيا في عهده ( أي إبن خلدون ).
                                             الفصل الثانــي
                                 في أن جيل العرب في الخلقة طبيعي
البدو والريف لا يحتاجون إلى الكماليات
     البدو يعيشون على المعاش الطبيعي  من الزراعة والرعي والضروري من الأقوات والملابس والمساكن دون إهتمام بالكماليات ، والمزارعون يقيمون في القرى  والجبال وهم عامة البربر والأعاجم .
نوعية الحيوان تحدد درجة التحضر لدى الرعاة ومدى تنقلهم
      والرعاة ينتقلون حسب الكلأ والمياه ، وإذا كانوا رعاة أغنام وبقر فلا ينتقلون كثيرا ، مثل البربر والترك والتركمان والصقالبة ، أما رعاة الإبل فهم أكثر وأبعد في التنقل ، فالإبل أصعب  الحيوانات ، فاضطر رعاتها إلى الإبتعاد بها ، فكانوا أشد الناس توحشا ، وذلك ينطبق على العرب ( الأعراب ) وقبائل زناته بالمغرب ، والأكراد والتركمان والترك بالمشرق . إلا أن العرب أكثر توغلا في الصحراء وأشد بأسا وذلك لأنهم تخصصوا في الإبل فقط ، وغيرهم يرعى الشاة والبقر مع الإبل . وهكذا فجيل العرب طبيعي ، لا بد منه في العمران .
                                             الفصل الثالث
                         البدو أقدم من الحضر ، والبادية أصل العمران
الأساس هو الحاجات الضرورية لدى البدو
    البدو يقتصرون على الحاجات الضرورية ، وأهل الحضر يعيشون على الترف والكماليات ، والضروريات أقدم من الكماليات ، فالضروريات أصل والكماليات فرع . فالبدو أصل المدن والحضر ، لأن الضروري أول مطالب الإنسان ، فإذا حصل عليه طلب الكماليات ، والبدو يهاجر إلى الحضر فإذا وصل إليه عاش في دعة ، أما الحضري فلا يذهب للصحراء إلا للضرورة . والدليل أن أول من يسكن مدينة ناشئة  هم البدو الأغنياء . وتتفاوت الأحوال داخل البدو وداخل الحضر ، فهناك قبيلة أعظم من قبيلة ومدينة أروع من مدينة .
                                           الفصل الرابع
                               البدو أقرب للخير من أهل الحضر
مقارنة بين البدو وأهل الحضر
     النفس إذا كانت على سجيتها تكون سريعة التأثر بالخير أو الشر ، واستدل  بحديث " كل مولود يولد على الفطرة ". وإذا تأثر بالشر أو بالخير فإنه يلتزم بأحدهما ويبتعد عن الآخر . أما أهل الحضر فقد تلونت نفوسهم بالملذات والترف فانهمكوا في الترف وتظاهروا بالفواحش. وأهل البداوة لا يعرفون الشهوات إلا في الضروري ، لذا كانوا أقل وقوعا في الشر من أهل الحضر ، وكانوا أسهل في علاجهم من أهل الحضر . ولأن الحضارة هي نهاية العمران وغاية الشر فالبدو أقرب للخير من أهل الحضر .
رأي إبن خلدونفي أن الحياة في الصحراء ليست ارتدادا للخلف
     ورد إبن خلدون  على حديث  البخاري الذي يذكر أن النبيأذن لسلمة بن الأكوع في سكن البادية ، بأن ذلك خاص بسلمة ، وقد ورد في ذلك الحديث أن الحجاج بن يوسف إعترض على سلمة حياته في البادية وقال له : إرتددت على عقبيك .. ورأى إبن خلدون أن قول الحجاج إنما كان احتجاجا على سلمة أنه ترك السكنى في المدينة  فقط  ، وأن مشروعية الهجرة كانت لمناصرة النبي وليست لذم البدو .
                                                   الفصل الخامس
                                  البدو أقرب للشجاعة من أهل الحضر
    لأن أهل الحضر تعودوا الراحة والترف حيث يدافع عنهم الحاكم وجيشه ، فأصبحوا كالنساء والأطفال في اعتمادهم على الوالدين . أما البدو فقد توحشوا في القفار واحتاجوا للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم فهم يحملون السلاح ويتوقعون الشر فصارت لهم الشجاعة خلقا . وأهل الحضر إذا صاحبوا البدو أصبحوا محتاجين لحمايتهم .
                                                الفصل السادس
 معاناة أهل الحضر للأحكام ( أي التحكم ) مفسدة للبأس فيهم ، ذاهبة بالمنعة  ( أي العزة ) فيهم
كلما إزداد قهر الحاكم لأهل الحضر إزدادت ذلة الرعية 
       لأن أهل الحضر خاضعون للحاكم وأعوانه ، فإذا كان الحاكم عادلا مترفقا أصبح الإعتزاز بالنفس طبيعة لهم . أما إن كان الحاكم قاسيا فإن ذلك يجعلهم مقهورين . وشدة عقاب الحاكم تجعلهم أذلاء ، أما إذا اقتصر على التأديب والتهذيب وبالتدريج تربوا على الخوف والإنقياد بدون الإذلال .
هذا لا ينطبق على البدو أو الصحابة وينطبق على الطلبة الذين يتعرضون للضرب
     ولهذا  فالبدو أشد بأسا من الخاضعين للحكم في المدن الذين يرتضون الظلم ولا يقاومونه ، وتجد ذلك في طلبة العلم الخاضعين لشيوخهم ، ولا ينطبق ذلك على الصحابة حيث لم يكن تعليمهم صناعيا وإنما كان بتأثرهم بتعاليم الدين في الترغيب والترهيب . فظلوا متنعمين بالبأس والشجاعة ، وقد قال عمر : من لم يؤدبه الشرع فلا أدبه الله ، أي لا يخشى المؤمن غير الله .
       ثم صار الشرع علما وصناعة مع تكوين المدن والأمصار فانتهت الشجاعة بتحكم السلاطين وتربية علماء الدين ، وأصبح الضرب وسيلة للتعليم والتأديب ، وقد نجا من ذلك البدو بينما عانى منه أهل الحضر ، ولذلك قال محمد بن يزيد أنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب الصبي أكثر من ثلاثة أسواط .
                                               الفصل السابع
                       في أن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية
الحاكم في الحضر يمنع إعتداء الناس على بعضهم أو إعتداء الغير عليهم ، وشيخ القبيلة يفعل نفس الشئ معتمدا على عصبيته القبلية
     النفس البشرية مجبولة على الشر والخير معا ، والشر أقرب إليها من الخير إذا  لم يتمسك الإنسان بالدين ، والأكثرية تقع في الشر والعدوان . إلا أن أهل الحضر يمنعهم من الاعتداء والظلم على بعضهم البعض سطوة الحكم ، إلا إذا جاء الظلم من جانب الحاكم نفسه . وأما البدو فإن شيوخهم يمنعون عدوان بعضهم على بعض ، وفي الحضر يقوم الحاكم بحماية المجتمع من الخطر الخارجي ، وفي البدو يعتمدون على أنفسهم في صد الخطر عن القبيلة .
العصبية أساس حماية القبيلة وتماسكها ، لذا لا يسكن الصحراء إلا أصحاب النسب الواحد
    ومن هنا تتجلى أهمية العصبية والقرابة في الدفاع عن القبيلة لأنهم أهل نسب واحد فيتراحمون فيما بينهم ويتناصرون على عدوهم ، ولا يوجد ذلك لدى أصحاب الأنساب المختلفة ، ولذلك لا يسكن الصحراء إلا أصحاب النسب الواحد لأنهم أسرع في حماية بعضهم .
والعصبية أساس في سكنى القبيلة في الصحراء وفي حماية الدعوة الدينية أو السياسية
    وإذا كان ذلك مطلوبا في السكنى فإنه أيضا يحتاج إليه في كل أمر يتم فرضه على الناس من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة . إذ يتحتم هنا القتال لما في طبائع البشر من العناد ، ولا بد في القتال من وجود العصبية القائمة على القرابة والنسب .
                                                  الفصل الثامن
                          العصبية تكون من الإلتحام بالنسب أو ما في معناه
      صلة الرحم طبيعية في البشر ، وتجعل الإنسان يدافع عن أهله وقبيلته ، خصوصا إذا كان النسب قريبا ، والحلف والولاء قريب من النسب ، واستشهد إبن خلدون بحديث  " الولاء مثل لحمة النسب " ، وحديث : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " ، وإذا كان النسب بعيدا تعرض للنسيان ولم يعد مؤثرا في التناصر .
                                                  الفصل التاسع
      النسب الصريح يوجد لدى العرب المتوحشين  في قفار الصحراء وأمثالهم من الناس
الســــبب
     لأنهم يعيشون في شظف ومشقة مع الإبل ، وينتقلون معها في بطون الصحراء بعيدا عن العمران ، فتباعد ما بينهم وبين غيرهم ، لذلك لا يختلطون بغيرهم وتظل أنسابهم نقية ومحفوظة وصريحة ، وكان ذلك في قبائل قريش وكنانة وثقيف وأسد وهذيل وخزاعة الذين إبتعدوا عن ريف العراق والشام .
     أما عرب التلال والوديان الخصبة من حمير وكهلان مثل قبائل لخم وجذام وغسان وطئ وقضاعة وأياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت ، ولذا قال عمر : تعلموا النسب ولاتكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا.
     وحدث الإنتماء إلى الموطن بعد الفتوحات فكان يقال جند قنسرين ، جند دمشق ، وانتقل ذلك إلى الأندلس ، ولا يعني ذلك أن العرب تركوا النسب ، ولكنهم صارت لهم علامة أخرى مميزة بالمكان إلى جانب النسب .
     ثم اختلط العرب بالعجم وضاعت الأنساب وتراخت العصبية وتلاشت القبائل
                                                    الفصل العاشر
                                              كيف يقع اختلاط الأنساب
     يقع الإختلاط في الأنساب عندما يتداخل نسب فرع من قبيلة داخل فرع آخر ، أو عن طريق الحلف بين قبيلة وأخرى . وتختلط الأنساب بسبب المجاورة والمخالطة أو يفر أحدهم إلى قبيلة فلا يلبث أن يحمل أبناؤه نسبها . وفي كل الأحوال ينسى الناس النسب الأول بطول الزمان ويذهب أهل العلم به فيخفى على الأكثر ، ومازالت الأنساب تسقط من شعب إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية والإسلام والعرب والعجم ، وانظر إختلاف الناس في نسب آل المنذر ، وانتساب عرفجة بن هرثمة إلى بجيلة وليس منهم . وقد رفضوا أن يوليه عمر عليهم وقالوا إنه لزيق .
                                             الفصل الحادي عشر
                الرياسة تنحصر في نصابها أو نسبها المخصوص من أهل العصبية
    في داخل كل حي أو بطن أو قبيلة توجد أنساب خاصة أشد تماسكا من النسب العام المشترك للقبيلة أو البطن أو الحي . مثل أهل البيت الواحد أو أبناء الأب الواحد . والرياسة تكون في نصاب واحد منهم ، ولأن الرياسة تكون بالقوة والتغلب وجب أن تكون عصبية هذا النسب الخاص أقوي من غيرها ، وتنتقل الرياسة داخل هذا العنصر الأقوى من هذا النسب الخاص وفروعه .
                                               الفصلالثاني عشر
                            الرياسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم
العصبيات تكون رئاستها داخل الفرع الأقوى الأصيل فيها
     الرياسة بالتغلب والقوة ، وهذا لا يكون إلا بالعصبية ، وفي داخل القبيلة الواحدة،  لا يمكن أن تدين العصبيات الأخرى لفروع القبيلة إلا لعصبية فرع أقوى تكون أصرح نسبا ، وهذا لا يتم لمن يلتصق بالقبيلة ، خصوصا وأن الرياسة تنتقل في بيت واحد يتوارثها الأبناء عن الأجداد.
إدعاء البعض الإنتساب لنسب شهير
    وكثير من الرؤساء للقبائل يصلون أنسابهم بالإدعاء إلى بعض القبائل والشعوب طلبا للشهرة ، وهم بذلك يطعنون في أنسابهم وفي رئاستهم ، من ذلك ما يدعيه أهل زناته أنهم من العرب ،وإدعاء أولاد رباب من زغبة أنهم من بني سليم ، وإدعاء بني عبدالقوي بن العباس بن توجين أنهم من ولد العباس بن عبدالمطلب ، وإدعاء أبناء زيان ملوك تلمسان أنهم من ولد القاسم بن إدريس الهاشمي , وقد أنكر يغمراسن  بن زيان هذا النسب ، وقال بلغته الزناتية أنه نال الدنيا والملك بسيفه وليس بهذا النسب ، وإدعاء بني سعد بن يزيد من زغبة أنهم من ولد أبي بكر الصديق ، وإدعاء شيوخ رباح أنهم من نسل البرامكة ، وأمثال ذلك كثير .
                                           الفصل الثالث عشر
    البيت والشرف والأصل في الحقيقة لأهل العصبية ، ويكون لغيرهم بالمجاز وليس بالحقيقة
الحسب في النسب والعصبية معا ، وفي مجتمع البدو
    البيت يعني أن يكون الرجل في نسبه من أشراف مذكورين ، ويحمل هذا الشرف  بانتسابه لهذا البيت وأولئك الآباء . والناس في نشأتهم وتناسلهم معادن ، والحسب راجع إلى هذا النسب إذا كان شريفا .
      وفائدة الأنساب في العصبية والمناصرة وحماية أهل النسب الواحد ، وهنا تزداد الفائدة بكثرة الأشراف في النسب ، وتزداد بذلك العصبية والمناصرة . وتقل العصبية بتفاوت البيوت في الشرف . والمفتقرون للنسب في الأمصار لا يكون لهم بيت إلا على المجاز ، وأن ادعوا ذلك فهو من قبيل الزخرف والمباهاة.      
الحسب والعصبية لا يجتمعان في الحضر
    والحسب في أهل الحضر أن يكون رب البيت قدوة في الأخلاق الحسنة وفي التعامل مع الناس ، مع إيثار السلامة ما استطاع . وهنا يختلف الأمر مع التعصب للقبيلة أو النسب ، إلا أنه يطلق مفهوم الحسب في أهل الحضر على المجاز وليس حسبا على الحقيقة حتى لو صح ذلك لغويا .
     وقد يكون للبيت شرف بالعصبية والأخلاق الحسنة ، ثم ينسلخون عنه بالإستقرار في الحضر والإختلاط بالأوباش ، فتضيع العصبية والقدوة ، ولكن يبقي في نفوسهم الفخر بذلك الحسب القديم ، ويحدث ذلك لمن أقام من العرب والعجم لأول مرة في الأمصار ، كما يحدث لمن إنقطع نسبهم بالحياة في الحضر . وبنو إسرائيل هو المثل الواضح لذلك الوسواس بالفخر بالنسب القديم مع حياتهم الذليلة بين الأمم وسطوة الدول والحكام . فقد كانت فيهم النبوة والملك والكتب السماوية مع العصبية والقوة ، ثم ضربت عليهم الذلة والمسكنة واستعبدتهم الأمم والدول . ومازالوا يقولون هذا هاروني ، هذا من نسل يوشع ، هذا من عقب كالب .
خطأ إبن رشد في حصره الحسب في النسب فقط
    ويرى إبن خلدون أن الفيلسوف إبن رشد قد أخطأ في كتابه " الخطابة " فيما ذكره عن الحسب وحصره في النسب فقط دون العصبية التي تحافظ على المهابة . ويعلل خطأ إبن رشد في أن إبن رشد عاش في جيل وموطن لم يعرف العصبية ولم يعرف صلتها بالحسب .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق