الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

المذنبات



المذنبات :
         إن مشهد مذنب مضيء لأمر مثير حقا كما يبينه الشكل. إلا أن مشاهد كهذه أصبحت وللأسف نادرة بسبب التلوث الضوئي الناتج عن مدننا والذي يحجب رؤيتها عن معظم الناس. وقد ارتبطت المذنبات منذ زمن طويل بمشاعر الرهبة والمهابة. وعزز غموضها ظهورها المفاجئ واختفاؤها بعد بضعة أيام بشكل مفاجئ أيضا. ومما يزعم أن البابا كاليكستوس الثالث أصدر "حرمانا كنسيا" لمذنب هالي في أعقاب تزامن ظهوره عام 1456 مع هجوم كبير شنه الأتراك على جنوب شرق أوروبا.

بنية المذنبات
         تتألف المذنبات من جزأين رئيسيين، الجزء الأكبر هو الذيل الطويل، وهو خط ضيق من الغبار والغاز داخل النظام الشمسي الداخلي قد يصل طوله إلى 100مليون كيلو متر (أي واحدة فلكية كاملة تقريباً). ينشأ الذيل عن سحابة من الغاز تسمى ذؤابة المذنب coma يبلغ قطرها نحوا من 100000كم، أي حوالي عشرة أضعاف قطر الأرض. وعلى الرغم من الحجم الهائل لذؤابة المذنب وذيله فإن الكتلة التي يحتويها هذان الجزءان من المذنب صغيرة جدا كما أن الغاز والغبار هما من الرقة والتخلخل بحيث أن سنتمترا واحدا من الغاز لا يحتوي على أكثر من بضعة آلاف من الذرات والجزئيات، وهذا يعد خواء مثاليا بالمعايير الأرضية. إن هذا الغاز المخلخل نتج عن تسخين الشمس لقلب المذنب أي لنواته حتى درجة الغليان. أما نواة المذنب فهي كتلة من الجليد والغازات تجمدت في جو من البرودة الشديدة للفضاء الواقع بين الكواكب السيارة، فتحولت إلى كتلة غير منتظمة يصل قطرها إلى 10كم تقريباً. وقد وصفت نواة المذنب على أنها "جبل جليدي" ضخم أو "كرة ثلجية ملونة" تحتوي على معظم كتلة المذنب. وقد استقينا أفضل معلوماتنا عن النواة من دراسات المذنب هالي، أنجزتها مركبة الفضاء غيوتو Giotto. وغيوتو مركبة فضاء أطلقتها جمعية الفضاء الأوروبية كجزء من دراسات دولية للمذنب هالي، وقد اقتربت هذه المركبة إلى مسافة 600كم من نواة هالي وبثت صورا لها إلى الأرض، وجرى من خلال تلك الصور قياس قطر المذنب، ومن ثم حساب كثافته عن طريق تقديرات كتلة نواته. وقد وجد أن كثافته تبلغ نحو 0.2جرام/سم  ولسوء الحظ فإن الحسابات التقديرية للكتلة ليست على درجة عالية من الدقة، ومن ثم فالكثافة التي نستنتجها منها غير أكيدة.
         وعلى الرغم من البنية الجليدية للمذنب فإن نواته عاتمة للغاية، كما يتبين لك من الشكل  الذي يمثل إحدى الصور التي التقطتها مركبة الفضاء غيوتو. ويظن الفلكيون أن اللون العاتم ناشيء من الغبار والمواد الغنية بالكربون التي تغطي سطح النواة (على غرار الحال في الأحجار النيزكية العقيدية الكربونية) ومن المظاهر المرئية الأخرى للنواة نذكر شكلها غير المنتظم واندفاعات الغاز المنطلقة من السطح المتجمد. وتتشكل تلك الإندفاعات نتيجة تسخين أشعة الشمس للمواد الجليدية ثم تبخرها. ومن المحتمل أن الشكل غير المنتظم ينتج عن الذوبان غير المتوازن للنواة خلال مرورها قريباً من الشمس في مدارات سابقة.

تركيب المذنبات
         يسمح الغاز المنطلق من المذنب من معرفة تركيبه، فأطياف الغاز في ذؤابه المذنب والذيل تدل على أن المذنبات غنية بالماء إضافة إلى كميات صغيرة من غازات أخرى تكثفت في السديم الشمسي البدائي. تتفكك المياه المتبخرة بفعل الاشعاعات الشمسية فوق البنفسجية فتولد غازي الأكسجين والهيدروجين. وتحيط بمعظم المذنبات سحابة كبيرة من الهيدروجين المتولد بتلك الطريقة.
         فإذا مر المذنب بالشمس مرات متكررة فإن الغاز المنطلق منه يؤدي إلى تآكله. كذلك فإن بعض المذنبات تسقط في الشمس فعلا. وبما أن هناك مذنبات جديدة تظهر كل بضع سنوات فلابد أن يكون هناك مصدر لتعويض المذنبات التي تبتلعها الشمس.

منشأ المذنبات
         يعتقد الفلكيون أن معظم المذنبات تأتي من سحابة أورت Oart cloud وهي جمهرة من تريليونات الأجرام الجليدية يظن أنها تقع بعيدا عن نطاق مدار بلوتو، وذكرنا أن علماء الفلك يعتقدون أن سحابة أورت تشكلت من نوى كوكبية كانت تدور أصلا قرب الكواكب العملاقة، ثم قذفتها القوى الثقالية لتلك الكواكب نحو الأجزاء الخارجية من المنظومة الشمسية.
         تتألف سحابة أورت من قسمين رئيسيين : الجزء الداخلي وهو قرص منبسط تقريباً يسمى نطاق كويبر Kuiper belt وسحابة كروية خارجية تحيط بكامل النظام الشمسي، يبدأ الجزء الداخلي حول مدار نبتون ثم يمتد من هناك إلى حوالي 10000وحدة فلكية عن الشمس حيث يتسع تدريجياً ليصبح على هيئة غلاف، في حين يبتعد الجزء الخارجي إلى مدى قد يبلغ 150000وحدة فلكية عن الشمس. تتحرك نواة كل مذنب على مسارها في سحابة أورت، وتستغرق ملايين السنين لتتم دورة واحدة. ولا تتلقى هذه الأجرام الجليدية حرارة الشمس بسبب بعد مداراتها عنها وتدل الحسابات على أن درجة حرارتها لا تتجاوز 3كلفن وهي درجات من شأنها أن تبقي الغازات والثلوج متجمدة بشكل كبير. هذه الأجرام الباردة والبعيدة غير مرئية لنا على الأرض. فلو جاز لنا رؤية المذنب يتعين تغيير مداره بشكل ما ليقترب منا ومن الشمس. ويظن علماء الفلك أن تلك التغييرات المدارية قد تنشأ من المرور العابر لنجم ما خارج أطراف النظام الشمسي أو من قوى المد والجزر التي تمارسها مجرة درب التبانة على سحابة أورت، إذ إن الآثار الثقالية تشوش مدارات نوى المذنب في سحابة أورت مغيرة بذلك طريقها ومسببة لها الاقتراب من النظام الشمسي الداخلي، فاضطراب واحد قد يزيح عدداً من المدارات يكفي لتزويد النظام الشمسي الداخلي بالمذنبات لعشرات آلاف السنين. وعندما يسقط المذنب نحو الداخل باتجاه النظام الشمسي الداخلي، تبدأ أشعة الشمس بتسخينه وإذابة الجليد. وعلى مسافة حوالي 5 واحدات فلكية عن الشمس (مدار المشترى) تكفي الحرارة لتبخير الجليد وتشكيل غاز يتسرب لتشكيل الذؤابة حول نواة المذنب.يحمل الغاز المتسرب حبيبات دقيقة من الغبار كانت متجمدة معه داخل النواة.عندئذ يبدو المذنب من خلال المقراب مثل كرة عاتمة، وبسقوط المذنب على مقربة من الشمس يغلي غازه بسرعة أكبر، ولكن تبدأ الشمس الآن بتوفير قوى إضافية على غاز المذنب وغباره.

تكوين ذيل المذنب
         إن ضوء الشمس الذي يسقط على حبيبات الغبار يكسبها قوةً صغيرةً تسمى ضغط الإشعاع radiation pressure . ونحن لا نشعر بضغط الإشعاع هذا عندما تسقط أشعة الشمس علينا لضئآلة هذه القوة، ولأن الجسم البشري ممتلئ ومتماسك بحيث تعجز الفوتونات الشمسية عن تحريكه. ومع ذلك فإن حبات الغبار المجهرية في ذؤابة المذنب تستجيب لضغط الإشعاع مبتعدة عن الشمس. ولما كانت جميع الحبيبات تتحرك في الاتجاه نفسه، بعيداً عن الشمس ، فإن الذيل يبدأ بالتكون.
         يتألف الذيل المتكون بفعل ضغط الإشعاع من جسيمات غبارية. إن للمذنبات في الغالب ذيلاً ثانياً نتج عن تدفق غازي من الشمس نحو الفضاء. ويسمى هذا التدفق بالرياح الشمسية solar wind. تنطلق الرياح الشمسية من الشمس بسرعة 400 كم/ث، وهي ريح ضعيفة الكثافة تحتوي فقط على بضع ذرات في السنتمتر المكعب الواحد. إلا أن المواد الموجودة في ذؤابة المذنب ضعيفة الكثافة هي الأخرى، في حين أن الرياح الشمسية كثيفة بما يكفي لدفعها على شكل عمود طويل. تزيد الحقول المغنطيسية التي تحملها الرياح الشمسية من تأثيرها في ذيل المذنب، مسهمة بذلك في سحب المواد من ذؤابة المذنب وفي توجيه تدفقها، تماماً كما توجِه الحقول المغنطيسية في الغلاف الجوي للأرض الجسيمات لتشكل الشفق القطبي. وهكذا تؤثر قوتان هما ضغط الإشعاع والرياح الشمسية على المذنب لتكوين الذيل. ولما كانت هذه القوى موجهة بعيداً عن الشمس فإن ذيل المذنب يتجه دوماً بعيداً عن الشمس كذلك، وقد يتجه الذيل نحو الأمام أثناء ابتعاده عن الشمس.وهكذا فإن السرعة العالية للرياح الشمسية (400كم/ث مقابل حوالي 40كم/ث للمذنب ) توجه ذيل المذنب بعيداً عن الشمس بصرف النظر عن حركة المذنب .تضيء الشمسُ الغازاتِ والغبار المنجرف إلى الذيل وتعكس جزئيات الغبار ضوءَ الشمس. وتصدر الغازات الضوء من ذاتها بعملية تسمى التفلورfluorescence. تحصل عملية التفلور هذه عندما يتحول الضوء من طول موجي معين إلى ضوء ذي طول موجي آخر. 

ماهية تركيب المذنب.
- المذنبات قصيرة الدورة
         على الرغم من أن معظم المذنبات التي نراها من الأرض تدور قرب الشمس على مدارات تعيدها إلى النظام الشمسي الداخلي بعد ملايين السنين، فإن عدداً صغيرا ً منها يعود إلى الظهور في الفترات من الزمن لا تتجاوز 200 عام . وتضم المذنبات قصيرة الدورة –period comets short  مذنب هالي الذي يصل دوره إلى 76عاماً. ما زالت محاولة معرفة  منشأ المذنبات قيد الدراسة. فقد كان يظن في فترة ما أن أصل المذنبات هو من سحابة  أورت، لكنها عندما تحركت عبر منطقة النظام الشمسي، بما يحتويه من الكواكب العملاقة، انتقلت مداراتها إلى مدارات أصغر بأدوار تصل إلى مئات السنين بدلاً من آلاف السنين ، وحصل هذا الانتقال في المدارات نتيجة اقترابها الشديد من أحد الكواكب . ويعتقد الفلكيون الآن أن منشأ المذنبات قصيرة الدورة هي المجموعة الثانية من النوى الجليدية التي تدور خارج نطاق نبتون، لكنها مع ذلك تبقى ضمن الجزء الرئيسي من النظام الشمسي في المنطقة التي تسمى طوق كويبر. ومما يعزز فرضية طوق كويبر هذه هو الكشف الحديث عن عدة أجرام صغيرة، ربما كانت جليدية، تدور على مدارات أبعد من بلوتو.

- مصير المذنِبات قصيرة الدورة
         إن الدوران المتكرر لمذنب قصير الدورة بمحاذاة الشمس يجعله ينبري ويتصاغر تدريجياً، إذ تبخر جميع الثلوج والغازات، ولا يبقى إلا المقدار البسيط من المادة الصلبة والغبار والصخر الرملي. وهذا المصير مشابه لمصير كرة ثلجية جمعت من الطريق وقد احتوت على كميات صغيره من الحصى . فإذا ما تركت هذه الكره الثلجية فإنها تذوب وتتبخر. مخلفه وراءها الصخر الرملي الذي احتوته. وعلى المبدأ نفسه يخلف المذنب المتبخر وراءه في مداره الصخر الرملي الذي يستمر في الدوران حول الشمس ، علماً بأن المواد التي يخلفها المذنب ذات فائدة مثيرة فهي منبع للشهب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق