الأحد، 4 ديسمبر، 2016

المسلم و الوقت



المسلم والوقت
{مسؤولية المسلم عن الوقت}
عقيدة النابعة من القرآن الكريم والسنة المطهرة تدفعه إلى الاهتمام بالوقت والحرص على اغتنامه والحذر من إضاعته،وقد استشعر السلف هذه المسؤولية وعملوا بمقتضاها فيصف الحسن البصري رحمه الله تعالى بقوله:أدركت أقواماً كان أحدهم أشح على عمره منه على دراهمه ودنانيره.
فالاهتمام بالوقت وإعمال العقل في استثماره والاستفادة منه مطلب هام في حياة المسلم وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:"أعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله أنواع.وذكر منها الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهمّ كله عليه فالعارف ابن وقته،فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت،وإن ضيعه لم يستدركه أبداً."كذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:"صبحت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين،أحدهما قولهم:الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك...."أي اقطع الوقت بالعمل لئلا يقطعك بالتسويف.
والوقت هو الحياة كما أثر ذلك عن الإمام حسن البنا رحمه الله الذي استفادة من قول ابن القيم:"وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة،وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم،وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب،فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره،وغير ذلك ليس محسوباً في حياته وإن عاش فيه عاش عيش البهائم،فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير له من حياته.
والوقت وعاء العمل،يقول ابن القيم في ذلك:"السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة حنظل،وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد فعند الجذاذ يتبين حلو الثمار من مرها".
تلك هي نظرة الإسلام للوقت،وهذه هي حال سلفنا الصالح معه،ولعل أهم واجبات المسلم نحو الوقت تتمثل فيما يلي:
أولاً:الحرص على الاستفادة من الوقت
إن الحفاظ على الوقت من أوجب الواجبات وأهمها في حياة المؤمن الذي ينبغي له تسخير الوقت واستثماره في كل ما يعود عليه بالفائدة في دينه ودنياه،متأسياً في ذلك بسلفنا الصالح الذين كانوا يعرفون للوقت حقه،مما خولهم في أقل من قرن من الزمان أن يحدثوا انقلاباً جذرياً في كثير من المجتمعات التي حملوا الإسلام إليها.
كان سلفنا الصالح حريصين كل الحرص على ألا يمر بأحدهم يوم أو بعض يوم أو برهة من الوقت وإن قصرت،دون التزود منها بعلم نافع أو عمل صالح أو إسداء خير ونفع إلى أحد من المسلمين،أو تقديم نصيحة إلى الأمة فقد كانوا رحمهم الله يسابقون الساعات،ويبادرون اللحظات ضناً منهم بالوقت وحرصاً على ألا يذهب منهم هدراً وفي ذلك قال موسى بن إسماعيل في الإمام المحدث حمادة بن سلمه البصري:"لو قلت لكم:إني ما رأيت حماد بن سلمه ضاحكاً قط صدقتكم كان مشغولاً بنفسه إما أن يحدث وإما أن يصلي،وإما أن يقرأ وإما أن يسبح كان قد قسّم النهار على هذه الأعمال.وقال عبد الرحمن بن مهدي:لو قيل لحمّاد بن سلمه:إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً".
وقال شميط بن عجلان:"والله إن أبغض ساعاتي إليّ الساعة التي آكل فيها".فهو رحمه الله يتحسر على الوقت الذي يمضيه في تناول الطعام فيالها من عناية بالوقت وحرص عليه.
وقال أحد الحكماء:"من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه،أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه. ثانياً:اغتنام أوقات الفراغ
إن فراغ القلب من الهموم والأكدار وفراغ الجسم من الأسقام نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل على عباده،إلا أن الناس فيها مغبونون كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس:الصحة والفراغ)).وهو صلى الله عليه وسلم يشير في الحديث إلى حال الناس أمام هاتين النعمتين وأنهم لا يقدرونهما حق قدرهما فتضيع أوقات الفراغ لديهم دون استثمارها فيما ينفعهم في أي من الأمور دينهم أو دنياهم وهذا هو الخسران المبين.
وحثاً للمسلم على اغتنام أوقات الفراغ والاستفادة من جميع أوقات العمر وعدم تضييعه،فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال:عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فين أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه)).
أما قوله صلى الله عليه وسلم:((اغتنم خمساً قبل خمس:شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناءك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل شغلك)).فهو إشارة واضحة للمسلم في الحرص على استثماره الأوقات حال القدرة والاستطاعة من الشباب والصحة والغنى والفراغ وذلك قبل أن تدهمه المعوقات من الهرم والسقم والفقر والانشغال.
وقد كان السلف رضي الله عنهم حريصين على إشغال أوقاتهم بالصالح المفيد من الأعمال،وكانوا يكرهون الكسل والبطالة،فقد أثر عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"إني لأكره أن أرى أحدكم فارغاً متهللاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
كما روي كذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال"إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً لا في دنيا ولا في آخرة".
وقال الشيخ يوسف القرضاوي:"الفراغ لا يبقى فراغاً أبداً فلا بد له أن يملأ بخير أو شر ومن لم يشغل نفسه بالحق شغلته نفسه بالباطل فطوبى لمن ملأه بالخير والصلاح وويل لمن ملأه بالشر والفساد".
ثالثاً:المسارعة في الخيرات
مما ندب الله عز وجل للمسلم اكتساب الأوقات والمسارعة في الخيرات،إذ يقول في كتابه العزيز:{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم}ويقول:{ولكلٍ وجهةُ هو موليها فاستبقوا الخيرات}.
فهذه الدنيا دار العمل؛وهي تشبه مضمار السباق الذي علا فيه الغبار،فمن الناس من يسارع في مضمار الشهوات والملذات،ومنهم من جمع بين الحسنين فهو يسابق في أعمال البر ولا ينسى نصيبه من الدنيا،وعند انجلاء الغبار يعض الظالم على يديه من الندم.وصدق أبو العتاهية إذ يقول:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً           ندمت على التفريط في زمن البذر
وقد أدرك سلفنا رضي الله عنهم ذلك فأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله:"ارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل واحدة منهما بنون،فكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب ولا عمل".
وليحذر المسلم أعظم المثبطات عن المسارعة في الخيرات وهما العجز والكسل اللذان يثمران التأجيل والتسويف وقد حذر منهما النبي صلى الله عليه وسلم وعلّم المؤمنين أن يعوذوا بالله منهما تأسياً به صلى الله عليه وسلم إذ كان من دعائه:(اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل).
فعلى المسلم أن يسارع في كل ما فيه صلاح دينه ودنياه ولا يكون كلاً على من سواه وعالة على المجتمع،فقد شبه بعض الصالحين الفقير الذي لا حرفة له بالبومة الساكنة في  الخراب ليس فيها نفع لأحد.
رابعاً:الاعتبار بمرور الأيام
ما من يوم يبزغ فجره وتطلع شمسه إلا وفيه الكثير من العبر للمسلم الذي يتفكر في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار،كما قال الله عز وجل عنهم:(إنَّ في خلقِ السّمواتِ والأرض واختلفِ الليل والنّهار لآيات لأولي الألباب).
والأيام شهيدة على الإنسان،لأنها الظرف الذي يمارس فيه أعماله فيراها شاخصة أمامه يوم القيامة،ومن ذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه:يا ابن آدم .أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك غداً شهيد،فاعمل في خيراً أشهد لك غداً،فإني لو قد مضيت لم ترني أبداً.قال:ويقول الليل مثل ذلك).
والأيام صحائف الأعمال،كما جاء عن ابن الجوزي قوله:"الأيام صحائف الأعمال،فخلدوها بأحسن الأعمال،الفرص تمر مرّ السحاب والتواني من أخلاق الخوالف من استو طأ مركب العجز عثر به،تزوج التواني الكسل فولد بينهما الخسران".
وحياة الإنسان التي يعيشها في الدنيا هي في الحقيقة أيامٌ وساعاتٌ كما قال الحسن البصري:"يا ابن آدم إنما أنت أيام،كلما ذهب يوم ذهب بعضك".
وقد صوَّر أحمد شوقي كلام البصري هذا في قوله:
دقات قلب المرء قائله له            إن الحياة دقائق وثوانِ
ومن عجيب الأمر أن الإنسان يعظم فرحه بتصرم الشهور والأيام ليدرك راتباً شهرياً أو إجازة سنوية،أو شهادة جامعية،ونحو ذلك ولا يعلم المسكين أنها محسوبة من عمره وأن ما مضى منها قد قربه من الآخرة وصدق أبو العتاهية إذ يقول:
نظل نفرح بالأيام نقطعها                   وكل يوم مضى يدني من الأجل
وهذا صالح بن جناح اللخمي يوصي ابنه فيقول:(يابني إذا مر بك يوم وليلة وقد سلم فيهما دينك وجسمك ومالك فأكثر الشكر لله تعالى،فكم من مسلوب دينه، ومنزوع ملكه ومهتوك ستره،ومقصوم ظهره في ذلك اليوم وأنت في عافية وفي ذلك أقول:
لو أنني أعطيت سؤلي لما                سألت إلا العفو والعافية
فكم فتىً قد بات في نعمة                  فسُلَّ منها الليلة الثانية
واعلم:
إنما الدنيا نهار                            ضوءه ضوء معار
بينما غصنك غض                        ناعم فيه اخضرار
إذ رماه الدهر يوماً                        فإذا فيه اصفرار
وكذلك الليل يأتي                          ثم يمحو النهار
خامساً:تحري الأوقات الفاضلة  
لا تفاضل بين الناس في نصيب كل أحد منهم من الوقت،لأنه موزع بينهم بالتساوي ولكنهم يتفاضلون في إدارته وكيفية استثماره والاستفادة منه.
وكذلك فإن الله عز وجل الذي قدر الوقت وقسمه بين عباده خص بعض أجزاء هذا الوقت بمزية يفضل بها غيره من الأجزاء.
فعلى صعيد الأعمال التعبدية جعل الله لعباده مواسم تضاعف فيها أجور الأعمال كرمضان وأيام العشر من ذي الحجة،وأخرى تكون إجابة الدعوة فيها أرجى من غيرها كثلث الليل الأخير من كل يوم،وعصر الجمعة من كل أسبوع،وعند الفطر بالنسبة للصائم وليلة القدر في رمضان.
يقول حسن البنا رحمه الله:"أمامك كل يوم لحظة بالغداة ولحظة بالعشي،ولحظة بالسحر،تستطيع أن تسمو بروحك الطهور إلى الملأ فتظفر بخير الدنيا والآخرة،وأمامك مواسم الطاعات،وأيام العبادات،وليالي القربات،التي وجَّهك إليها كتابك الكريم،ورسولك العظيم صلى الله عليه وسلم،فاحرص أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين،ومن العاملين لا من الخاملين،واغتنم الوقت،فالوقت كالسيف،ودع التسويف فلا أضر منه".
أما على الصعيد الدنيوي،وسعي الإنسان فيها لإصلاح معاشه،فقد جعل الله التبكير في أداء الأعمال من  
أسباب النجاح والفلاح فجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:(اللهم بارك لأمتي في بكورها)،فعلى المسلم أن يحرص على التعرض لهذه المواسم والاستزادة منها بما يصلح له دينه ودنياه.
سادساً:تخطيط الوقت وتنظيمه
تخطيط الوقت وترتيب الأولويات من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم وذلك لأهميتها في القدرة على استثماره الوقت بشكل سليم،وقد عرف سلفنا حكمة ذلك،فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة استدعى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي عهد له بالخلافة من بعده،فأوصاه بكلمات منها:(إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل،ولله في الليل حقٌ لا يقبله بالنهار،وأنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة).
هذه الكلمات همس بها الصديق في أذن الفاروق الذي سيحمل الأمانة من بعده فلا بد أن يكون على بصيرة بتخطيط وقته وتنظيمه،وأن يرتب أولوياته ويحدد أهدافه حسب أهميتها،وأن يقوم بكل عمل منوط به في وقته المخصص له،فالفريضة قبل النافلة وهكذا في سائر الأمور الأخرى,
إذاً فتخطيط المسلم لوقته وحسن استثماره من الأمور التي وصى بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو في سكرات الموت،وذلك لعلمه بأهميته وضرورة استثماره؛لذا كان حثه على حسن تنظيمه آخر ما تكلم به رضي الله عنه وأرضاه. وهو قاعدة ثمينة يمكن تلخيصها بأنه ليس المهم أن يعمل الإنسان أي شيء في أي زمن بل المهم أن يعمل العمل المناسب في الوقت المناسب.
سابعاً:الالتزام بالموعد
حث الإسلام المسلم على الالتزام بالموعد وإنجاز الوعد فامتدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله:(والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)،وفي قول الله عز وجل عن موسى:(ثمَّ جئت على قدر يا موسى)إشارة إلى أهمية فعل الأمر في موعده المناسب إذ المعنى حيث للوقت الذي أردنا إرسالك فيه إلى فرعون رسولاً.
كما حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من التفريط في الوعد وعدّ ذلك من علامات النفاق فقال صلى الله عليه وسلم:(آية المنافق ثلاث:إذا حدّث كذب،وإذا وعد أخلف،وإذا اؤتمن خان)؛لما في إخلاف الوعد وعدم إنجازه من إلحاق الضرر بالآخرين وإضاعة أوقاتهم في الانتظار.
ثامناً:وجوب الحذر من مضيعات الوقت
حذر الإسلام من تضييع الوقت والتفريط فيه،ووضع الضوابط التي تكفل للمسلم حفظ وقته،ومن ذلك أن شرع الاستئذان فلا يحق لأحد أن يدخل على غيره إلا بعد أن يستأذن منه،فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(الاستئذان ثلاثٌ فإن أذن لك وإلا فارجع).وقول الله عز وجل(يأيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتَّى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خيرٌ لكم لعلكم تذكرون(1)فإن لَّم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتَّى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم).كل ذلك من أجل حفظ وقت المسلم من أن يضيع في الزيارات غير المخطط لها.
ومن أشد مضيعات الوقت التسويف وطول الأمل،يقول الحسن البصري:ما أطال عبدٌ الأمل إلا أساء العمل.قال القرطبي:وصدق رحمه الله!فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني،ويعقب التشاغل والتقاعس ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى).
وقال أيضاً محذراً من التسويف:"ابن آدم إياك والتسويف،فإنك بيومك ولست بغد،فإن يكن غد لك فكن في غد كما كنت في اليوم وإلا يكن لك لم تندم على ما فرطت في اليوم".
وجاء عن بعض السلف قوله:"إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
وكان السلف يقولون:"من علامة المقت إضاعة الوقت".
ويقولون:"من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون".
ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:(ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي).
ولله در علي بن محمد ألبستي إذ يقول:
إذا ما مضى يوم ولم اصطنع يداً            ولم أقتبس علماً فما هو من عمري
وكتب محمد بن سمرة السائح إلى يوسف بن أسباط بهذه الرسالة:أي أخي،إياك وتأمير التسويف على نفسك،وإمكانه من قلبك،فإنه محل الكلال،وموئل التلف،وبه تقطع الآمال،وفيه تنقطع الآجال...وبادر ياأخي فإنك مبادر بك،وأسرع فأنك مشروع بك،وجدَّ فإن الأمر جد.
وقال الإمام ابن عقيل:إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري،فإذا تعطل لساني من مذاكرة ومناظرة،وبصري من مطالعة،عملت في حال فراشي وأنا مضطجع،فلا أنهض إلا وقد يحصل لي ما أسطره،وإني لأجد من حرصي على العلم في عشر الثمانين أشد مما كنت وأنا ابن العشرين.
ويحذر القرآن الكريم المفرطين في أوقاتهم،الذين يفوتهم العمل فيها،وينذرهم بالحسرة والندامة على ذلك التفريط يوم القيامة،يوم يقول قائلهم:(ياليتني قدمت لحياتي)ويوم يقولون في حسرة وندامة أيضاً:(ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل).فيأتيهم الجواب كلا.لقد مضى وقت العمل ولن يعود فالدنيا عمل ولا حساب ولا عمل.
تاسعا:كيف يعيش المسلم وقته
ينبغي للمسلم إذا أراد أن يبارك الله له في عمره أن يسير على نظام الحياة اليومي في الإسلام،ويقتضي هذا النظام أن يستيقظ المسلم مبكراً وينام مبكراً.
يبدأ يوم المسلم منذ مطلع الفجر،أو على الأقل قبل مشرق الشمس،وبهذا يتلقى الصباح طاهراً نقياً قبل أن تلوثه أنفاس العصاة الذين لا يفيقون من نومهم إلا في ضحى النهار وهنا يستقبل المسلم يومه من البكور الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته بالبركة فيه حين قال:(اللهم بارك لأمتي في بكورها).
ومن الآفات التي ابتلى بها المسلمون التي ابتلي بها المسلمون أنهم غيروا نظام يومهم،فهم يسهرون طويلاً،ثم ينامون حتى تضيع عليهم صلاة الفجر،وقد قال بعض السلف:عجبت لمن يصلي الصبح بعد طلوع الفجر كيف يرزق؟.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد،يضرب كل عقدة،عليك ليل طويل فارقد،فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة،فإن توضأ عقدة،فإن صلى انحلت عقدة،فأصبح نشيطاً طيب النفس،وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).
وما أعظم الفارق بين المسلم الذي انحلت عقد الشيطان كلها من نفسه،فاستقبل يومه من الصباح الباكر بالذكر والطهارة والصلاة،وانطلق إلى معترك الحياة نشيط الجسم طيب النفس منشرح الصدر،وبين من ظلت عقد الشيطان فوق رأسه فأصبح ينام للضحى،بطيء الخطى خبيث النفس ثقيل الجسم كسلان.
يفتتح المسلم يومه بطاعة الله مصلياً فرضه وسنته تالياً ماتيسر له من أذكار الصباح المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل:
(أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين،اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه،وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده).
(اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك،فلك الحمد ولك الشكر).
ثم يقرأ ما تيسر له من القرآن الكريم بخشوع وتدبر وتفهم لمعانيه،كما قال الله تعالى:(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب).
ويتناول فطوره باعتدال ثم يتوجه إلى عمله اليومي ساعياً في تدبير معاشه وطلب رزقه يجتهد أن يشغل نفسه بأي عمل حلال،مهما كان من ذوي الثراء والمال،                      
ولو كان للإشراف والرقابة فقط لأن المال السايب يعلم السرقة.
ومن هنا حرم الإسلام الربا لأنه نظام يلد المال فيه المال حتماً بغير عمل ولا مشاركة ولا مخاطرة،فهو يعقد متربعاً على أريكته،ضامناً أن تأتي له المائة بعشرة،
أو الألف بمائة دون أدنى تحمل للمسؤولية،وهذا ضد نظرة الإسلام إلى الإنسان،إنه خلق ليعمل ويعمر الأرض تحقيقاً لقوله تعالى:(هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).
والمرء كما يأخذ من الحياة يجب عليه أن يعطيها،وكما يستهلك منها ينبغي أن ينتج لها،ولا يعيش متعطلاً بطالاً،يأكل ولا يعمل،ولو كان ذلك بدعوى التفرغ لعبادة الله تعالى إذ لا رهبانية في الإسلام.
قال ابن الزبير:(أشر شيء في العالم البطالة).ومعنى ذلك أن الإنسان إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح،يستعين به على دينه،كان ظاهره فارغاً،ولم يبق قلبه فارغاً بل يعشش الشيطان ويبيض ويفرخ،فيتوالد فيه نسله توالداً أسرع من توالد كل حيوان...،ومن لم ينفع الناس بحرفة يعملها يأخذ منافعهم ويضيق عليهم معايشهم،فلا فائدة في حياتهم لهم،إلا أن يكدر الماء،ويغلي الأسعار ولهذا كان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى ذي سيما،سأل:أله حرفة؟فإذا قيل: لا،سقط من عينه!).
والمسلم يعد عمله الدنيوي عبادة وجهاداً،إذا صحت فيه النية،ولم يشغل عن ذكر الله،وأدى عمله بإتقان وأمانة،فإن إتقان العمل فريضة على المسلم،كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(إن الله كتب الإحسان على كل شيء).وفي الحديث الآخر(إن الله تبارك وتعالى إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).  
ومن الواجبات اليومية التي لا يجوز للمسلم أن ينساها أو يهملها:واجبه نحو خدمة المجتمع،ومساعدة أفراده على قضاء حوائجهم،وتسهيل أمورهم،ليكون له بذلك صدقة.
فعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(على كل مسلم صدقة.قالوا:فإن لم يجد؟قال:فيعمل بيديه،فينفع نفسه ويتصدق،قالوا:فإن لم يستطع،أو لم يفعل؟قال:فيعين ذا حاجة الملهوف.قالوا:فإن لم يفعل؟قال:فيمسك عن الشر،فإنه له صدقة).
هذه الصدقة أو الضريبة الاجتماعية مفروضة على المسلم في كل يوم.بل صح الحديث أنها واجبة على كل مفصل من مفاصله مع إشراقه كل شمس،وبهذا يصبح المسلم ينبوعاً يفيض بالخير والنفع والسلام لمن حوله وما حوله.
جاء عن أبو هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كل سلامي من الناس عليه صدقة،كل يوم تطلع فيه الشمس:يعدل بين اثنين صدقة، ويعين رجل على دابته،فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة،والكلمة الطيبة صدقة،وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة،ويميط الأذى عن الطريق صدقة).
والمراد بالسلامي في الحديث:العظام والمفاصل والأعضاء،كما دلت على ذلك أحاديث أخرى،فهي نعمة على الإنسان ممن خلقه فسواه فعدله،وصوره في أحسن صورة،فعليه أن يشكر الله تعالى عليها،بأن يستخدمها في طاعته ونفع عباده،وإسداء الخير لهم بأي وجه من الوجوه ألمستطاعه.
وعند الزوال يؤذن للظهر،فيهرع المسلم إلى صلاته مجتهداً أن يؤديها في أول وقتها وفي جماعة ما استطاع،فأول الوقت رضوان الله،والله تعالى قد أمر باستباق الخيرات،والرسول صلى الله عليه وسلم قد همَّ أن يأمر بالصلاة فتقام ثم يذهب ليحرق على قوم بيوتهم لتخلفهم عن الجماعات،وقد جعل صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة،ولا سيما إذا آكلا من طيبات ما رزق الله،غير مسرف إلى حد التخمة ولا متقشف إلى حد الحرمان،كما قال الله تعالى:(يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين*قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).
وفي البلاد الحارة وفي فصل الصيف فيها بخاصة،قد يحتاج بعض الناس إلى قيلولة يخلدون فيها إلى شيء من الراحة،يستعينون بها على قيام الليل،ويقظة البكور،وإليها أشار القرآن بقوله:(وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة).
فإذا جاء وقت العصر ونادى مناديها:أن حي على الصلاة،قام المسلم من قيلولته إن كان قائلاً أو من لجة عمله إن كان عاملاً،مسارعاً إلى هذه الصلاة التي تعد(الصلاة الوسطى)لليوم،ولا يجوز للمسلم أن يشغل عنها ببيع أو تجارة أو لهو،فالمؤمنون كما وصفهم الله في كتابه(رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).
ولا يليق بالمسلم أن يؤخر صلاة العصر،تهاوناً بها،حتى تصفر الشمس وتدنو من الغروب،فهذه صلاة المنافقين،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(تلك صلاة المنافق:يجلس يرقب الشمس،حتى إذا كانت بين قرني الشيطان،قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً).
وعندما تغرب الشمس يبادر المسلم إلى صلاة المغرب لأول وقتها،وبخاصة أن وقتها ضيق.
فإذا أدى الفرض والسنة،تلا ماتيسر له من أذكار المساء المأثورة مثل:(اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك أصوات دعاتك فاغفر لي).
ويتناول المسلم عشاءه بغير إسراف ولا تقتير،ثم يصلي العشاء،ومالها من سنن،ويؤخر الوتر إذا كان معتاداً الاستيقاظ في الليل،وإلا صلاها قبل النوم.
وقد يؤخر المسلم طعام عشائه إلى ما بعد العشاء،غير أنه إذا حضر العشاء قدم طعام العشاء كما جاء في الحديث،حتى لا يصلي المسلم وقلبه مشغول بغير مناجاة الله.
ويستطيع المسلم أن يقضي بعض الحقوق قبل نومه،كبعض الزيارات أو المجاملات.
وينبغي أن يكون له حظ يومي من القراءة المنتظمة طلباً للزيادة في العلم،كما قال الله لرسوله:(وقل رب زدني علماً).ويحسن به أن يتخير من الكتب والمجلات ما ينفعه في دينه ودنياه..وقد قال حكيم:أخبرني ماذا تقرأ؟أخبرك من أنت!
ولا حرج على المسلم أن يمتع نفسه ببعض اللهو المباح،أو الترفيه المشروع في نهار أو ليل،على ألا يجور ذلك على حق ربه في العبادة،أو حق عينه في النوم،أو حق بدنه في الراحة أو حق أسرته في الرعاية،أو حق عمله في الإتقان،أو حق من حقوق الآخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق