الجمعة، 23 ديسمبر 2016

تشجيع قوافل التجارة وحماية طرقها في الإسلام :

تشجيع قوافل التجارة وحماية طرقها في الإسلام :
لكي يضمن الإسلام الاستقرار الاقتصادي في ربوع الدولة المسلمة ؛وذلك بتناول المنافع والسلع في أنحاء الدولة ؛لذا حبب الإسلام للمسلم السفر وشجعه على ذلك للبحث عن الرزق وطلب الحلال ؛.وشجع قوافل التجارة أن تذهب هنا وهناك ؛تحمل معها السلع وأنواع البضائع .
وشدد الإسلام في حماية طرق المسافرين حتى ينتشر الأمن وتلتقي مصالح العباد وتعمر البلاد .وهاهي الأدلة صريحة من كتاب الله وسُنة رسوله r في الحث على طلب الرزق والسعي في الأرض في جميع جهاتها .
*الأدلة من الكتاب :
قال الله تعالى :)هو الذي جعل الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ([1] .
*يقول العالم الكبير (الشنقيطي ) : في تفسيرة "أضواء البيان "أن معنى ذلولاً :أي مسخرة بحيث يتمكن الإنسان من الانتفاع منها حيث ثبتت بالجبال ودحيت بالخيرات .وذللت بإمكان الزرع والسير؛ومما يشير إلى هذة المعاني قوله تعالى ) فمشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ( لترتيبه على ماقبله بالفاء ؛أي بسبب تذليلها بالتسبب فيها بزراعة وتجارة ونحو ذلك  من المباحات [2].
وقوله تعالى:)وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباًفرهان مقبوضة ([3]وقد أشارت الآية إلى إمكان التعامل التجاري أثناء السفر ؛حيث شرع الإسلام الرهن حيث لايوجد من يكتب بينهم ؛هذا الدين الذي حصل بسبب التعامل التجاري أثناء السفر .
ولم يكتف القرآن بتشجيع التجارة والسفر بها في الحالات العادية كما سبق من الأدلة .بل أباح لقوافل الحجيج التي قصدت بيت الله لأداء مناسكها أن تباشر التجارة وتستغل هذه الرحلة لتجمع بين المصالح الدينية والدنيوية .
قال الله تعالى :)ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم  ( [4].
وسبب نزولها ماثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاًفي الجاهلية فتاثموا في الإسلام أن يتجروا فيها فنزلت الآية وذلك في موسم الحج [5] .
*يقول ابن العربي في تفسيره : (قال علماؤنا في الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة وأن القصد        إلى ذلك لايكون شركاً؛ولايخرج المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه [6] ) .
*تيسير مهمة القوافل بقصر الصلاة والجمع بين الصلاتين في السفر :
وهذا من التيسير العظيم الذي اختصت به الأمة الإسلامية حيث خفف الله عن المسافرين للتجارة ونحوها بعض العبادات وذلك بقصر الصلاة الرباعية ؛والجمع بينهما .
وأن مثل هذا القصر والجمع في حالة السفر لقوافل التجارة ونحوها لهو مما يساعد على سرعة القوافل وتحركها حتى لاتتعرض للتلف والعطب وهذا مما يساعد على الجلب السريع الذي له دور كبير في حل مشاكل الناس وضائقتهم الاقتصادية .
ولننظر ماقاله الفقهاء في شأن القصر والجمع في السفر المباح .
*يقول ابن قدامة في المغني :
الأصل في قصر الصلاة الكتاب والسُنة والإجماع ؛أما الكتاب فقوله تعالى: ) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ( [7] . ويقول عمر فسألت رسول الله r عن القصر في حالة الأمن فقال  r:"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوها " [8] .
وقد تواترت الأخبار أن رسول الله r كان يقصر في أسفاره حاجاً ومعتمراً وغازياً .يقول ابن عمر رضي الله عنه : (صحبت رسول الله r حتى قبض –يعني صحبة السفر-وكان لايزيد على ركعتين وأبا بكر لايزيد على ركعتين ؛وعمر وعثمان كذلك [9]  وعن أنس :(خرجنامع رسول الله r إلى مكة فصلىركعتين حتىرجع وأقمنا بمكة عشراً نقصرالصلاة حتى رجع [10])
.ويقول ابن مسعود : (صليت مع رسول الله r ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر  [11]) .
ويقول ابن قدامة في المغني : (يقول أبوداود :سمعت أحمد يقول في المكاري الذي هو دهره في السفر ؛قال هذا يقصر وذلك أنه مسافر مشقوق عليه فله القصر كغيره )[12] .
ثم يقول ابن قدامة : (إن القصر والفطر في السفر أحب إلىأبي عبدالله رحمه الله وذلك أن النبي r كان يداوم على القصر حيث قال ابن عمر :صحبت رسول الله r في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وكذلك أبوبكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين [13]) .
*ثم تحدث ابن قدامة عن الجمع بين الصلاتين :  (جملة أقوال العلماء أن الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهن جائز ؛وممن روي عنه من الصحابة سعيد بن زيد وسعد وأسامة ومعاذ ؛وأبوموسى وابن عباس وابن عمر وقال به طاووس ومجاهد وعكرمة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبوثور وابن المنذر [14]) .
     حيث كان r إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء [15].
*يقول القرطبي في الكافي :
(صلاة المسافر ركعتان الإ المغرب ؛ولايقصر أحد صلاته حتى يكون سفره طاعة أو مباحاً ؛وتكون مسافته ثمانية وأربعين ميلاً ؛فصاعداً براً ؛أوبحراً في سفر واحد ذاهباً أو راجعاً [16]) .
ثم يقول في موضع آخر : (والقصر في السفر سُنة مؤكدة والرجال والنساء في ذلك سواء ؛وليس للمسافر أن يتم الصلاة في مثل هذه المسافة[17] ) .
*ويقول زكريا الأنصاري من الشافعية :
 (إنما تقصر رباعية مكتوبة وأوله مجاوزة سور البلد ومزارعه ثمانية وأربعين ميلاً هاشمياً ذهاباً _أي سير يومين متعدلين بسير
الأثقال [18] ) . 
وكذلك رخص للمسافرين سفراً حلالاً كتجارة ونحوها أيتيمموا بالتراب عند فقد الماء أو شحه ؛قال تعالى :) وأن كنتم مرضى أو على سفر أوجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيبا ً([19] .
وخفف عنهم الصوم في رمضان حيث أباح للمسافرين سفراً حلالاً كتجارة ونحوها أن يفطروا ويقضوا بعد حين الاستقرار .
قال تعالى : )فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ([20].
*المطلب الثامن تشجيع التجارة الخارجية في الإسلام :
الأصل فيها الحل ؛قال تعالى )وأحل الله البيع ([21] .فهو عام يشمل البيع في الداخل والبيع والشراء من الخارج وللخارج .ولايستثنى الإفي حالات معينة : كمنع سلعة معينة من الخروج أو الدخول ؛كما إذا كانت هذه السلعة مثلاً تنافس سلعة وطنية عملاً  بقوله r : "لاضرر ولاضرار "[22] .أو في حالة تصدير البضائع أو استيرادها من دولة محاربة فعلاً ؛وذلك حتى لاتتقوى علينا .فمثل هذه الحالات يتدخل ولي أمر المسلمين ليمنع التجارة ويعاقب ذلك عملاً بالقاعدة الأصولية .
(ارتكاب أدنى المفسدتين درءاً لأعلاهما )[23] ؛أما المحاربون فلولي الأمر أن يأذن لهم في التجارة ويفرض عليهم مايشاء من المكوس . وتحمي قوافلهم حتى يخرجوا من بلاد المسلمين [24]  .
*مبايعة أهل الحرب ومتاجرهم إذا قدموا بأمان :
يقول ابن رشد : (أما مبايعة أهل الحرب ومتاجرتهم إذا قدموا بأمان فذلك جائز ؛روى عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال : (بينما نحن عند رسول الله r إذ جاء رجل مشرك طويل بغنم يسوقها فقال له رسول الله r أبيعاً أم عطية ؛أم هبة ؟ فقال :بل بيع ؛فاشترى رسول الله r منها شاة [25]) .
وقد بوب البخاري على ذلك فقال : (باب البيع والشراء من المشركين وأهل الحرب[26] ). ثم قال ابن بطال : إن معاملة الكفار جائزة الإبيع مايستعين به أهل الحرب على المسلمين [27] .
*يقول ابن العربي في تفسيره :
إن صحابة رسول الله r  مازالوا يسافرون لبلاد الكفار يفكون أسراهم ويعقدون الصلح ؛وأن السفر إليهم لمجرد التجارة لابأس به [28].
*السفر للتجارة إلى دار الحرب :
يقول ابن سعدي [29]: (أما السفر إلى هذه الإقطار للاتجار مع حفظ الدين فلا مانع من ذلك والمسلمون ؛والمسلمون مازالوا يسافرون للتجاة لبلاد الكفر في وقت الصحابة رضي الله عنهم وقد ذكر ذلك أهل العلم ) .
قال في المغني : (  وإذا دخل إلينا منهم تاجر بأمان أخذ منه العشر ) .
*ويقول أبوحنيفة : (لايؤخذ منهم الإأن يكونوا يأخذون منا شيئاً ؛وهذا صريح في اتجار الصحابة ومن بعدهم من المسلمين
إلى دار الحرب بالتجارة ؛فكيف دار الذين لهم عهداوأمان ).
وقد أشار الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الجمع بين (الشرح والإنصاف )فقال : (ومن دخل دار الحرب رسولاً أو تاجراً
 بأمانهم فخيانتهم محرمة عليه إنما أعطوا الأمان مشروطاً بترك خيانتهم ) .
*ومما تقدم ،يتبين لنا حرص الشريعة الإسلامية على تشجيع على القطاع التجاري ،حيث أباحت الشريعة كل مامن شأنه
تشجيع هذا القطاع ودفعه إلى الأمام وذلك بمشروعية البيع إلى جواز التعامل بالشركات إلى مشروعية السلم والوكالة
والحوالة إلى إلى تشجيع السفر للتجارة ونحوها إلى جواز التجارة خارج حدود الدولة الإسلامية ،إذا اقتضت المصلحة ذلك ولاشك أن الشريعة تهدف من ذلك سرعة التبادل التجاري بين الناس حتى يظهر أثر ذلك بزيادة الإنتاج التجاري ؛ولينعكس أثره على الفرد والجماعة بضمان الحاجات الأساسية وتوفيرها في بلادهم وأسواقهم بالسعر الملائم .


[1] سورة الملك –آية 15 .
[2] ينظر أضواء البيان تفسير القرآن بالقرآن –محمد الشنقيطي –ج8-ص403- ط:عالم الكتب بيروت بتصرف .
[3]سورة البقرة –آية 283 .
[4] سورة البقرة –آية 198 .
[5] تفسير آيات الأحكام –ابن العربي –ج1-ص135 .
[6] تفسير آيات الأحكام- ابن العربي –ج1-ص136 .
[7] سورة النساء –آية 101 .
[8] مسلم في صحيحه –كتاب المسافرين –الباب الرابع –ج2-ص143 .
[9] مسلم في صحيحه – ج2-ص144 .
[10] مسلم في صحيحه –ج2-ص145 .
[11] مسلم في صحيحه –ج2-ص144 .
[12] ابن قدامة في المغني –ج2- ص265 .
[13] ابن قدامة في المغني –ج2-ص269 .
[14] ابن قدامة في المغني –ج 2- ص271 .
[15] رواه مسلم في صحيحه –ج2-ص150 .
[16] الكافي –القرطبي –ج1-ص244-ط:أولى .
[17] الكافي –القرطبي-ج1-ص244-ط:أولى .
[18] فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب –أبي زكريا الأنصاري –ج1-ص69-70 –بتصرف- الناشر :دار المعرفة بيروت .
[19] سورة النساء –آية 6 .
[20] سورة البقرة –آية 184 .
[21] سورة البقرة –آية275 .
[22] موطأ مالك –ص529 –وانظر الخراج –يحيى بن آدم –ص97 .
[23] الروضة الندية –ج1-ص215 .
[24] ينظر أحكام القرآن –لابن العربي –ج1-ص515-بتصرف .
[25] الحديث رواه –كتاب البيع –الباب 99-وفي فتح الباري –ج 4 –ص410 .
[26] مقدمات ابن رشد –على هامش مدونة الإمام مالك –ج3-ص348-ط:دار الفكر –بيروت .
[27] انظر فتح الباري –ج4-ص410 .
[28] ينظر تفسير أحكام القرآن –لابن العربي –ج1-ص515 .
[29] المختارات الجلية –لابن سعدي –ص218 –الناشر المؤسسة السعدية –بالرياض .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق