دور التربية في
المحافظة على عقل الفرد واتزانه، هذه المسؤولية هي أن يفهم الفرد ما يجري حوله في
العالم الذي يعيش فيه.
فعندما يكون الفرد على معرفة بما يجري حوله فإنه يستطيع أن
يشخص من الناحية الاجتماعية الظروف والمشكلات التي تواجهه. أما إذا لم يكن على
معرفة بها فإنه يصبح ولا شك ضحية الواقع الذي يواجه. بدلا من أن يسيطر عليه.
وبازدياد التغير
الاجتماعي ازداد عدد المشكلات الاجتماعية كما سبق القول ولم تزد هذه المشكلات
الاجتماعية في العدد فقط ولكنها ازدادت عمقا وشدة مما أدى إلى أن تنفصم وحدة
الجماعة انفصاما قد يؤدي إلى تمزيقها أشلاء. ولقد كانت المجتمعات القديمة، عندما
كان التغير بطيئا بسيطا سطحيا، تعيش على مستويات قيمية تستطيع أن تحكم حكما يسري
على جميع الأشياء الجديدة، أما الآن، وبعد التراكم والتعقد الثقافي، اختلفت
المعايير وتعددت المستويات واتخذت كل جماعة قيمها الخاصة مما ترتب عليه اختلاف
وجهات النظر. وفي مثل هذه الظروف يقل التواصل والارتباط بين أعضاء الجماعة، وتصبح
الموافقة على أساس واحد من الفهم المشترك أمرا بعيد المنال.
وينتج عن هذا الصراع
والتعدد في الآراء والاتجاهات، تعددا لا يؤدي إلى حل المشكلة، وإنما يزيدها
تعقيدا، نجد أنه من الضروري أن تكون هناك طرق مؤكدة معترف بها لمناقشة هذه المشكلات الاجتماعية
والوصول إلى حل لها، فالمجتمع الذي يهدف إلى حل مشكلاته حلا عمليا يلجأ إلى
استخدام العقل والاعتماد على الحقائق أكثر من استخدام القوة أو الاعتماد على
انفعالات مؤقتة وواجب التربية في هذا الصدد أن تتيح الفرصة، كل الفرصة، لتفكير
الفرد مع الجماعة وللتخطيط الجماعي ولاستخدام العقل والحقيقة. فإذا ما احتلت هذه
المشكلات الاجتماعية اهتماما أساسيا في البرنامج التعليمي فإن التربية بذلك تمد
الأفراد بنوع الخبرة الملائمة التي تنمي التفكير النقدي الذي يجمع الحقائق ويمحصها
وينقدها ويحكم عليها. وهذا التفكير النقدي لازمة من لوازم مواقف الصراع الثقافي
يتعلم الشباب والكبار نتيجة لذلك كيف يفكرون تفكيرا فعالا منتجا في المواقف التي
تواجههم شخصيا، وبذلك تقوم التربية بوظيفتها ازدياد تكيف الأفراد في المجتمع
المتغير.
ولكي نغير
نظام المجتمع كله يجب أن نغير التربية، وذلك ليكون تغييرا حقيقيا في
نظامنا الاجتماعي والسياسي، فلا بد من انقلاب جذري في نظامنا التربوي، وتثوير لفلسفته
وأساليبه وأهدافه، وهذا لان صياغة المجتمع لا تتم إلا بصياغة التربية. ولا نعن
بالتربية التعليم والتعلم فقط، بل نعني بمعناها الشامل والأوسع، وهو رسم سياسة مؤسسات
المجتمع وتحميلها مسؤوليات تطبيقها، لبناء الإنسان العربي وتنشئتهن من ثم تجديد
بنائنا الاجتماعي والحضاري، ومن هنا نستنتج أن التربية التي نهدف إليها هي عملية
تنشئة اجتماعية شاملة. فان التربية لا تستطيع أن تصنع المجتمع وتغيره، أو تحدث فيه
أثرا بارزا وسريعا في بنيته، إلا إذا استطاعت أن تقهر العوامل الأخرى الكامنة في
المجتمع والتي تشدها إلى الخلف، وان تكون على علم ودراية تامة بتلك البيئة. ولكن هذا
لا يعني أيضا بان التربية ليس لها دور كبير وأساسي في أحداث عملية التغير.
إرسال تعليق