تغير المجتمعات
تتغير المجتمعات وتتطور
ويصيبها التجديد في النواحي المادية والاجتماعية خاصة في هذا العصر الذي نعيش فيه
والذي تحاول الدول أن تقفز فيه إلى الأمام قفزات سريعة لتعويض ما فاتها من عصور
الكبت والانعزال والحرمان لتلحق بالركب الحضاري، لتجد لها مكانا يتناسب مع ماضيها
ويبنيه عقول أبنائها وسواعدهم، ولما كانت التربية وسيلة أساسية لزيادة العناصر
الثقافية الجديدة، ووسيلة المجتمع أيضا للقضاء على المشكلات الاجتماعية التي تنشأ
عن انتشار هذه العناصر الثقافية الجديدة وصراعها مع العناصر الثقافية السائدة، فإن
علاقة التربية بالتغير الاجتماعي علاقة متبادلة لا نستطيع إغفالها.
ولقد نادى كثير من
المربين بأن التربية في المدارس يجب أن ترتبط ارتباطا وثيقا بالقوى المختلفة التي
تسبب التغير الاجتماعي، وفي السنوات الأخيرة اهتم المربون اهتماما كبيرا بمشكلة
تكامل المدرسة مع الحياة الاجتماعية. واختلفت آراء المربين حول مسؤولية المدرسة في
فترة التغير الاجتماعي، كيف تتعامل مع القوى الاجتماعية التي حدثت بالفعل في
المجتمع أحسن ما يكون الانعكاس. وهذه ولا شك نظرة بسيطة تجعل من التربية وسيلة
تتبع المجتمع ولا تقوده، كالمرآة تعكس الضوء ولا تولده. ثم تطورت النظرة إلى
التربية ونادى آخرون بأن المدارس يجب أن تقوم بدور فعال في توجيه التغير الاجتماعي
الجديد.
والمدرسة جزء لا يتجزأ
من النظام الاجتماعي السائد، وعلى هذا فهي تتأثر ولا شك بما يسود المجتمع من
تغيرات اجتماعية، وإنها تتبع وتعكس هذا النظام الاجتماعي السائد. هذا معناه أن
التربية لا تنفصل عن المجتمع وإنما هي من لحمته وسداه، وينتج عن ذلك أن تصبح
التربية عاملا فعالا في بناء النظام الاجتماعي المقبل للمجتمع. وبذلك ينتفي السؤال
الثنائي الذي يقول: هل يجب على المدرسة أن تسهم أو لا تسهم في بناء المجتمع
الجديد، فهذه الثنائية لا وجود لها في الواقع، إذ أن المدرسة تسهم بالفعل في هذا
البناء. ولكن المشكلة التي تتطلب السؤال هي كيف تسهم التربية في هذا البناء؟
ولعلنا إذا نظرنا
للمجتمعات الجديدة لوجدنا أن التربية أسهمت إسهاما فعالا في بنائها، فبناء تركيا
الجديدة على يد كمال أتاتورك لم يكن ليتم وليصل إلى نتائجه لو لم تكن التربية
وسيلته الفعالة. وفي عملية البناء الاجتماعي الحاضر في المجتمع العربي في مصر،
تقوم على التربية بمسؤولياتها الكبيرة في هذا الميدان فالجيل الجديد في مصر الذي
يؤمن بالثورة ومبادئها، إنما هو في تكوينه الأساسي نتاج للتربية وللمدرسة بصفة
خاصة. وعلى هذا عندما ناد الرئيس جمال عبد الناصر بالثورة الثقافية إنما كان يهدف
إلى أن تصل مبادئ الثورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى نفوس الأفراد وأن
تتغلغل في شخصياتهم، فتتجاوز السطح إلى الأعماق، والثورة الثقافية هي هدف التربية
ومطلبها الأول.
Post a Comment