نشأة
التأمين:
· التأمين من حيث المبدأ كوسيلة لدفع الأضرار
والمخاطر المتوقعة نشأ منذ القدم، بنشأة الإنسان نفسه؛ لأنه معرض للخطر في كل
لحظة، فمن البدهي أن يبذل أقصى ما يمكن لدفع الخطر عن نفسه وعن ممتلكاته([1]).
وعندما أتى الإسلام دعا إلى التعاون بين
الناس، وبذل التضحيات
يتحقق
هذا المبدأ ب:
1 – تضمين العاقلة الذي يقضي بتوزيع دية
القتل الخطأ على أقارب القاتل من الذكور.
2 – كفالة
الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل وإعطائهم من الزكاة الواجبة.
3 – النفقات بين الأقارب.
4 – الصدقات
والهبات والتكافل بين الناس وتنفيس حاجات بعضهم بعضاً([2]).
·
أما التأمين كعقد معاوضة بين طرفين له حضوره في تعاملات
الناس؛ فقد كانت نواته الأولى في بلاد الغرب، في نهاية القرن السابع الهجري (القرن
الثاني عشر الميلادي) فيما يسمى بالقرض البحري، وكان يسيطر على هذا النوع من
التجارة فئة من التجار في القطاع الشمالي من إيطاليا وأغلبهم من اليهود، الذين
انتشروا بعد ذلك في أوربا.
وكان العام الحاسم في نشأة التأمين – كما
يصفه مؤرخو التأمين هو عام 1076هـ/1666م،
حيث وقع في هذا العام حريق هائل في لندن التهم حوالي 85% من مبانيها، مما جعل تجار
التأمين – الآنف ذكرهم – ينتهزون هذه الفرصة بالقيام بالدعوة إلى تأمين جديد هو
التأمين ضد الحريق، وبه فتحت الأبواب للتأمين البري بأنواعه المتعددة.
ومع التطور الصناعي الذي حدث في القرن
الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) نشأ ما يسمى بالتأمين ضد المسؤولية, وذلك
مثل التأمين ضد حوادث المصانع والمختبرات العلمية والسيارات.
كما نشأت بعد ذلك أنواع أخر من التأمين
كالتأمين التعاوني والاجتماعي والتأمين على الحياة
([3]).
·أما
حضور فكرة التأمين في كتب الفقهاء كعقد مستقل؛ فيكاد يطبق جلّ من كتب من المعاصرين
عن التأمين([4]) بأن أول من تكلم عنها ابن عابدين الحنفي
(ت 1252هـ) وانتهى إلى أنه لا يحل([5]).
(ت 1252هـ) وانتهى إلى أنه لا يحل([5]).
والواقع أنه مسبوق إلى ذلك منذ بداية
التأليف في الفقه في القرن الثاني الهجري، حيث تكلم الإمام أشهب القيسي (ت 204هـ)
أحد كبار فقهاء المالكية عن
صورة من صورة التأمين وأفتى فيها بعدم الجواز أيضاً([6]).
صورة من صورة التأمين وأفتى فيها بعدم الجواز أيضاً([6]).
([4]) انظر:
عقود التأمين لـ د. بلتاجي، ص 21 – فقد حكى اتفاق الباحثين على ذلك - ؛ التأمين بين الحلال والحرام للشيخ عبدالله
المنيع، ص 10؛ الخطر والتأمين لـ د. رفيق المصري، ص 47؛ التأمين الإسلامي لـ د.
ملحم، ص 43؛ عقود التأمين لـ د. حمد الحماد، ص 4؛ فقه البيع والاستيثاق لـ د. علي السالوس، 2/1432؛ المعاملات
المالية المعاصرة لـ د. محمد شبير، ص 97؛= = منهج استنباط أحكام
النوازل لـ د. مسفر القحطاني، ص 613؛ التأمين لرجب التميمي (ضمن بحوث مجلة المجمع)
الدورة الثانية, 2/555.
([5]) فقد
عقد له مطلباً مستقلاً في كتابه: رد المحتار، 6/281 – 292، وسماه: "مطلب مهم
فيما يفعله التجار من دفع ما يسمّى (سَوْكَرَة) وتضمين الحربي ما هلك في
المركب".
(وسوكرة في الأصل كلمة انجليزية وفرنسية
بمعنى الأمان – كما أفاد ذلك د. رفيق المصري في كتابه: الخطر والتأمين، ص 33).
ومما قاله ابن عابدين: "وبما قررناه
يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا: وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا
استأجروا مركباً من حربي يدفعون له أجرته، ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي
مقيم في بلاده، يسمى ذلك المالك سوكرة, على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب
بحرق أو غرق أو نهب أو غيره, فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل
عنه مستأمَن في دارنا, يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان، يقبض من
التجار مال السوكرة, وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمَن للتجار
بدله تماماً, والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله؛ لأن هذا
التزام ما لا يلزم.
فإن قلت: إن المودع إذا أخذ أجرة على
الوديعة يضمنها إذا هلكت. قلت: ليست مسألتنا من هذا القبيل؛ لن المال ليس في يد
صاحب السوكرة, بل في يد صاحب المركب, وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون
أجيراً مشتركاً قد أخذ أجرة على الحفظ, وعلى الحمل، وكل من المودع والأجير المشترك
لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، كالموت والغرق ونحو ذلك. فإن قلت: …".
إلى أن قال في نهاية المسألة: "… هذا
ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة فاغتنمه فإنه لا تجده في غير هذا الكتاب".
([6]) حيث
جاء في المدونة, 4/28: "ألا ترى أنه لا يصلح أن يقول الرجل للرجل: اضمن لي
هذه السلعة إلى أجل ولك كذا؛ لأنه أعطاه ماله فيما لا يجوز لأحد أن يبتاعه, وأنه
غَرر وقمار, ولو علم الضامن أن السلعة تموت أو تفوت [ أي تهلك وتتلف ]: لم يرضَ أن
يضمنها بضعف ما أعطاه. ولو علم المضمون له أنها تسلم: لم يرضَ أن يضمنها إياه بأقل
مما ضمنه إياها به أضعافاً, بل لم = = يرضَ بدرهم. ألا ترى أنها إن
سَلمت أخذ الضامن من مال المضمون مالاً باطلاً بغير شيء أخرجه, وإن عطبت غرم له
قيمتها من غير مال ملكه؟!".
وقد أفاد ذلك/ سامي السويلم في بحثه: وقفات
في قضية التأمين، ص 2، كما ذكر أنه عرض هذا النص على العلامة مصطفى الزرقا – رحمه
الله – فتعجب منه. كما أفاد أيضاً أنه ورد في البيان والتحصيل – 11/289 – 291 صورة
أخرى للتأمين التجاري, وأحال إلى التأمين التجاري والبديل الإسلامي للجمال, ص 224.
Post a Comment