حكم
الفتوى
لما كان حكم الفتوى مما تتطرق
إليه الأحكام التكليفية الخمسة حسن توضيح ذلك فيما يأتي:
أ- حكم الإفتاء
في الأصل
جائز فقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يفتون الناس، فمنهم المكثر في ذلك
والمقل، وكذلك كان في التابعين وتابعيهم ومن بعدهم. فلا بد للناس من علماء يسألونهم،
ومفتين يستفتونهم.
قال تعالى: { فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } وقال r: «ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال».
ب- وقد يكون الإفتاء واجبًا.
وذلك إذا كان المفتي أهلاً للإفتاء، وكانت الحاجة قائمة، ولم يوجد مفتٍ سواه، فيلزمه
والحالة كذلك فتوى من استفتاه، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا
مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ
أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ } ، وقوله تعالى: { وَإِذْ
أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا
تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }وقال (ص) :«من سئل من علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار
يوم القيامة».
جـ- وقد يكون الإفتاء مستحبًا
إذا كان المفتي أهلاً، وكان في البلد غيره، ولم تكن هنالك حاجة قائمة.
د- وقد يحرم على المفتي الإفتاء.
وذلك إذا لم يكن عالمًا بالحكم، لئلا يدخل تحت قوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ
رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ
الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا
عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ }
فجعل الله القول عليه بلا
علم من المحرمات التي لا تباح بحال،
ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر.
وكذلك يحرم الإفتاء فيما
إذا عرف المفتي الحق؛ فلا يجوز له أن يفتي بغيره، فإن من أخبر عما يعلم خلافه فهو كاذب
على الله عمدًا، وقد قال تعالى: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا
عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ }. والكاذب على الله أعظم جرمًا ممن أفتى بغير
علم.
ه- ويكره للمفتي أن يفتي
في حال غضب شديد، أو جوعٍ مفرطٍ، أو هم مقلق، أو خوفٍ مزعج، أو نعاسٍ غالبٍ، أو شغلِ
قلبٍ مستولٍ عليه، أو حالِ مدافعةِ الأخبثين.
بل متى أحس من نفسه شيئًا
من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى.
و- وعلى كل، فالضابط لحكم
الإفتاء النظر إلى المصالح والمفاسد.
إرسال تعليق