آداب المفتي
 آداب المفتي: للمفتي آداب ينبغي أن يتحلى بها قبل إصداره الفتوى، وأثناء الفتوى، وبعدها، فمن ذلك:
1- ألا يفتي في مسألة يكفيه غيره إياها، فقد كان السلف رضي الله عنهم يتدافعون الفتوى، ويتورعون عن الإفتاء، ويود أحدهم أن يكفيه الجواب غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل جهده في معرفة حكمها مستعينًا بالله تعالى؟
2- ألا يتسرع في إصدار الفتوى إن تعينت عليه، بل عليه أن يتأمل وينظر، ولا يبادر إلى الجواب إلا بعد استفراغ الوسع، وبذل الجهد، وحصول الاطمئنان؛ لذلك كان على المفتي:
3- أن يستشير من يثق بدينه وعلمه، ولا يستقل بالجواب ذهابًا بنفسه وارتفاعًا بها، فقد قال الله لنبيه r: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ } ، وأثنى على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم.
هذا إذا لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين. لذلك فإن على المفتي:
4- أن يحفظ أسرار الناس، وأن يستر ما اطلع عليه من عوراتهم.
5- إذا اعتدل عند المفتي قولان أو لم يعرف الحق منهما فلم يتبين له الراجح من القولين فالأظهر أنه يتوقف ولا يفتي بشيء.
6- للمفتي أن يدل المستفتي على عالم غيره، لكن على المفتي أن يتقي الله ويرشده إلى رجل سُنة، فإنه إما أن يكون معينًا على البر والتقوى، أو على الإثم والعدوان.
وهذه الدلالة وذلك التوقف إنما يجوز بالتفصيل الآتي:
7- إذا كانت الفتوى مخالفة لغرض السائل فإن على المفتي أن يفتي بالحق الذي يعتقده، ولا يسعه أن يتوقف في الإفتاء به إذا خالف غرض السائل؛ فإن ذلك إثم عظيم، وكيف يسعه من الله أن يقدم غرض السائل على الله ورسوله r، ولا يجوز له أيضاً أن يدله على مفتٍ أو مذهبٍ يكون غرضه عنده.
8- ذكر الدليل والتعليل، فإن جمال الفتوى وروحها هو الدليل، وقول المفتي إذا ذكر معه الدليل حجة يحرم على المستفتي مخالفتها، ويبرئ المفتي من عهدة الإفتاء بلا علم، ومن تأمل فتاوى النبي rالذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم، ونظيره، ووجه مشروعيته.
ومن ذلك: نهيه عن الخذف، وتعليل ذلك بأنه: «يفقأ العين ويكسر السن».
وكذلك أحكام القرآن فإن الله يرشد إلى مداركها وعللها، كقوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ{
9- التوطئة للحكم إذا كان مستغربًا لم تألفه النفوس بما يؤذن به ويدل عليه، ويقدم بين يديه مقدمات تؤنس به.
10- الإرشاد إلى البديل المناسب، فإن من فقه المفتي ونصحه إذا منع المستفتي مما يحتاجه أن يدله على ما هو عوض له منه، فإذا سد عليه باب المحظور فتح له باب المباح، فمتى وجد المفتي للسائل مخرجًا مشروعًا أرشده إليه ونبهه عليه، كما قال تعالى لأيوب عليه الصلاة والسلام لما حلف أن يضرب زوجته مائة: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ }
11- ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإن النص يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله rكذا، أو فعل رسول الله rكذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلاً.
12- يجب على المفتي أن يفتي بالحق ولو خالف مذهبه.
13- ينبغي على المفتي أن يبين للسائل الجواب بيانًا مزيلاً للإشكال، متضمناً لفصل الخطاب، كافيًا في حصول المقصود، لا يحتاج معه إلى غيره، ولا يوقع السائل في الحيرة والإشكال.
14- ينبغي للمفتي إذا كان السؤال محتملاً استفصالُ السائل،وعدم إطلاق الجواب إلا إذا علم أنه أراد نوعًا من تلك الأنواع الممكنة في المسألة.
فمتى دعت الحاجة إلى الاستفصال استفصل، ومتى كان الاستفصال لا يحتاج إليه تركه.
فإذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانع الإرث؛ فيقول: بشرط ألا يكون كافرًا، ولا رقيقًا، ولا قاتلاً.
وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب عليه أن يقول: إن كان لأب فله كذا، وإن كان لأم فله كذا.
15- ينبغي للمفتي أن ينبه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم على خلاف الصواب، كقوله r: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». فإن نهيه عن الجلوس فيه نوع تعظيمٍ لها، لذا عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظيمها حتى تجعل قبلة.
16- ينبغي للمفتي إذا نزلت به المسألة أن يتوجه إلى الله بصدقٍ وإخلاصٍ أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه في المسألة، فإذا استفرغ وسعه في التعرف على الحكم فإن ظفر به أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله. فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أن تضعفه.
ومما يجدر الدعاء به:ما ورد في الحديث الصحيح: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وكان بعض السلف يقرأ الفاتحة.وكان بعضهم يقول عند الإفتاء: { سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }.
وبعضهم يقول: «يا معلم إبراهيم علمني».وبعضهم يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
وبعضهم يقول: { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي }

Post a Comment

Previous Post Next Post