موقف الشريعة الإسلامية من تنفيذ الأحكام الأجنبية :
        إذا كانت الأحكام المطلوب تنفيذها صادرةً من دول أخرى ، فما وافق منها الشريعة الإسلامية وجب تنفيذه وما خالفها لم يجز تنفيذه .
        ولابد من التنبُّه هنا إلى المسائل الآتية :
أولاً : هل القاضي الذي أصدر الحكم مسلم أم كافر ؟
ثانياً : هل تتوفر شروط القضاء فيمن أصدر الحكم ؟
ثالثاً : هل من قام بتولية القاضي سواءً أكان رئيس دولة أو نحـوه له ولاية شـرعية ؟
رابعاً : هل الحكم في ذاته متفق مع الشريعة الإسلامية أم هو متفق مع نظم وضعية تخالف الشريعة الإسلامية ؟
خامساً : هل وسائل الإثبات والثبوت التي يعتمد عليها القاضي من بيّنات وقرائن يمكن الاعتماد عليها شرعاً أم لا ؟
        فبالنسبة للبلدان التي لا تحكم بشريعة الله لا شك أن المسلمين فيها لا يمكن أن يُتركوا سُدىً ، بل إذا كانت لهم جماعة قائمة وجب عليها أن تعمل من خلال القنوات الرسمية على تنصيب قاضٍ مسلم فإذا تم تنصيبه فإنه يعتبر قاضياً شرعاً وتَنْفُذُ تصرفاته وتُقبل خطاباته إن كان صالحاً للقضاء ، وإن لم تستطع جماعة المسلمين ذلك رسمياً فلتنظر إلى القضاة الذين نصبتهم حكوماتهم فإن كان فيهم من يصلح للقضاء اعتمدت الجماعة تنصيبهم ؛ فتكون توليتهم صحيحةً شرعاً لصدورها من جماعة الحل والعقد من المسلمين.
        وإن لم يكن للمسلمين في بلد من هذه البلدان جماعة منتظمة ، فمن كان أهلاً للقضاء من الذين نصبتهم الحكومات يستمد سلطته الشرعية من تراضي الناس عليه فيكون كالمحكَّم ([1]) .

        أما القضاة الكفار الذين تنصبهم الدولة الكافرة لفصل الخصام بين رعاياها وتطبيق أنظمتها فبالإمكان اعتبار مخاطباتهم مجرد قرائن ، فيقبل القاضي المسلم منها ما اقتنع بصحته؛ للضرورة وعموم البلوى ([2]) . والله أعلم .
خلال الواقع العملي في المحكمة و كذلك من خلال ما تم تقديمه من بحوث وتوصيات في ندوة تنفيذ الأحكام بدولة الكويت الشقيقة فإني أوصي بما يلي :
1- إيجاد إدارة عامة للتنفيذ في وزارة العدل ودعمها بالمتخصصين في مجال التنفيذ ؛ وذلك تسهيلاً وتيسيراً لمهمة أقسام الحجز والتنفيذ في المحاكم .
2- إيجاد مكاتب تابعة لــهــذه الإدارة بـيـانـهـا فـيـمـا يـلي : مكـتـب الرقـابة المالية ، ومكتب المتابعة وخــدمــة المواطن بخصوص الإعلان ونحوه ، ومكتب متابعة الأمور القانونية ، ومكتب المنع من السفر ـــ و ينبغي أن يكون هناك وحدة في المطار تستلم المبلغ المحكوم به وترفع المنع مباشرة في أي وقت حتى في غير وقت الدوام الرسمي وفي أيام العطل ـــ ، ومكتب الحاسب الآلي ، ومكتب لوزارة الداخلية للحجز على السيارات ، والهيئة العامة للمعلومات المدنية ، وقسم التنفيذ الشخصي ومن ضمن الموظفين بهذا القسم باحثون نفسيون ، ومكتب البيوع لتنظيم المزادات العلنية .
3- أن يكون هناك ربط آلي بين وزارتي العدل والداخلية بحيث يتم التنفيذ على المدين عند مراجعته لأي إدارة من إدارات وزارة الداخلية .
4- تطوير العنصر البشري  وهذا يشمل مأموري التنفيذ ومندوبي الإعلان والموظفين ، وذلك بإقامة دورات عديدة مثل تعليم فن التعامل مع الجمهور ومع ضغط العمل ، وتعليــم الكـمـبـيـوتر ، وكذلك تعليم أحدث الإجراءات في العمل وآخر ما صدر من تعاميم .
5- الاستعلام عن التنفيذ عن بُعد مجاناً لمن أراد ذلك من المحامين وغيرهم  .
6- التنفيذ عن بُعد : وتقام دورات في ذلك بحيث يتم تنفيذ الأحكام وتبليغها عن طريق الإنترنت .
7- التعاون مع بقية دول العالم بصفة عامة ومع بقية الدول العربية بصفة خاصة ومع بقية دول مجلس التعاون الخليجي بصفة أخص بحيث يكون تبليغ الأحكام المطلوب تنفيذها عن طريق الإنترنت .
8- وضع نماذج لتنفيذ الأحكام بين الدول وتحديد جهات مركزية بوزارات العدل لتسهيل ومتابعة وصول الإعلانات والأوراق القضائية والاتصال بين الدول عن طريق الإنترنت .
9- الاشتراك في الاتحاد الدولي لأجهزة مكافحة غسيل الأموال ( الأجمونت ).
10- أن التنفيذ لا يعد من أعمال السلطة التنفيذية كما يوحي بذلك اسمه , ولكنه نشاط قضائي لا يُجــرى إلا إذا كــانــت هـنــاك مـخـالـفـة للـنـظــام ( الــقــانون ) يتطلب الأمر إزالتها , فهدفه نظامي ( قانوني ) بحت ؛ ولذلك فإنه يسمى التنفيذ القضائي , ويترتب على الطبيعة القضائية للتنفيذ أن الجهاز القضائي للدولة هو الذي يباشر سلطة التنفيذ .
11- أن تكون هناك شرطة قضائية على غرار ما هو معمول به في بعض الدول وبحيث تكون أقسام التنفيذ لدى الشرطة تابعة لوزارة العدل  .
12- الإسراع في تزويد المحاكم بقضاة التنفيذ .
13- تعديل المواد المتعلقة بإلغاء عبء الحجز و التنفيذ على رئيس المحكمة  ـــ في حالة عدم وجود قاضي التنفيذ ـــ بحيث يستمر هذا الإجراء من اختصاص ناظر القضية كما كان سابقاً , ولا مانع من أن يتولى رئيس المحكمة الإشراف على قسم الحجز و التنفيذ ؛ قياساً على ما هو معمول به بالنسبة لقسم بيت المال بالمحكمة سواء كانت الأموال لمعاليم أو مجاهيل أو قاصرين أو كانت لأوقاف .
14- خطورة إيجاد صندوق في المحكمة لحفظ حصيلة الأموال التي يتم التنفيذ عليها , وإنما الذي ينبغي في ذلك فتح حساب مستقل باسم أموال التنفيذ , ويتم التعامل معه وفق ما هو معمول به مع بيت المال .
15- زيادة تفصيل طرق التنفيذ في اللوائح التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية حيث أن بعضاً منها لا يزال مبهماً كبيع المنقول .
16- ضرورة مراجعة التشريعات القائمة لتواكب وتنظم ما استجد من مستحدثات في ميدان إجراءات التنفيذ ، وما يقتضي ذلك من إدخال التعديلات المناسبة على هذه التشريعات ، وسن الجديد منها تحقيقاً لهذه الأهداف .
17 - الـعمل على إزالة صعوبات التنفيذ بين الدول ، وفي مقدمتها ضرورة حـضــور طالب التنفيذ ، والتي تعـمـل بـهـا بعض الأنظمة إلا في الحالات التي تقتضيها طبيعة الحكم المقضي به ، والمراد تنفيذه في الدولة الطرف .
18- التوسع في استعمال التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال ، وتدريب العاملين على هذه التقنيات ، وربط إدارات التنفيذ بكافة الأجهزة المعنية بالتنفيذ في الدولة .
19- تشكيل لجنة من الخبراء لوضع تنظيم موحد لإجراءات التنفيذ في الدول الإسلامية .
20-  التركيز على التعاون الدولي في مجال إجراءات تنفيذ الأحكام بين الدول ، وتفعيل الإمكانات المتعلقة بهذا الشأن .

21- اعتبار نصوص اتفاقية التعاون القضائي الدولي ، النظام الواجب التطبيق حال تنفيذ الأحكام الصادرة من الدول الأطراف بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية .
    وختاماً أسأل الله أن ينفع بهذا البحث وأن يرزقه القبول , والحمد لله أولاً وآخراً , ولبيان ذلك حرر في 5/11/1426هـ  والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


([1]) انظر : مخاطبات القضاة -محمد ولد الدّدو ص 439 – 447 .
([2]) انظر : المرجع السابق ص 469-471 .

Post a Comment

أحدث أقدم