المنظمات الدولية والأسواق العربية
المقدمة
   في البدء لابد من الإشارة إلى أن ظاهرة عولمة الاقتصاد وتحرير التجارة ليست اكتشافا غريبًا جديدًا- إنما الدولة الإسلامية وقبل أربعة عشر قرنًا ونادرا قد أوجدت مجتمعًا إنسانيًا متعايشًا مع غيره، متعاونًا معه، مكملا له من أجل رفاهية وسعادة البشر جميعًا، دون أن يقف أمام ذلك اختلاف العقيدة التي اعتبرها الإسلام شأنًا خاصًا لا يترتب عن اختلافها موقف معاكس لتبادل النشاط الاقتصادي والتجاري.  بل أن انتقال المال والعمال للتكسب من بلد إلى آخر من الأعمال التي أمتن بها الخالق سبحانه وتعالى على عباده في قوله تعالى{ لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف }*والذي حدث في تاريخ الإسلام أنه بالرغم من التزام المسلمين الصارم آنذاك بمشروعية وصحة معاملاتهم المالية إلا أن التجارة بينهم وبين مختلف أنحاء المعمورة كانت رائجة ومزدهرة بلا عوائق إدارية أو تشريعية.
   فالعولمة كظاهرة ترتبط بتطور الوعي الإنساني غير أن العولمة تتم اليوم في عالم يتسم بالتوزيع غير العادل للسلطة والثروة والقوة العسكرية لذا القوى المهيمنة عالميًا قد لونت العولمة بلونها وحاولت وتحاول إخضاعها لمصالحها الذاتية.
   والواقع يفرض علينا أن نقبل العولمة كتطور حتمي لتاريخ الإنسان وأن نتخذ ما نستطيع من إجراءات على كافة الأصعدة لكي لا تتحول العولمة إلى امتثال للهيمنة الدولية وهذه معادلة صعبة ولكن الانكفاء دون العولمة تخلف، والامتثال للهيمنة تبعية وعلينا أن نحقق الانفتاح نحو العولمة ونتجنب التبعية .
   وهناك بلا شك تحديات عدة تطرحها عولمة الاقتصاد وتحرير التجارة، وهي تشكل دوافع لتحركات على مستوى العمل المشترك وعلى صعيد الدول والحكومات، وعلى صعيد الشركات ومؤسسات الأعمال والمنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية .
    فلابد من تفعيل الإرادة السياسية لاتخاذ خطوات أضحت ملحة فعلى مستوى العمل العربي ولازمة خاصة وأن الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة المعروفة باسم الجات) قد منحت فرصة واسعة جدًا لاستثناءات وإعفاءات تستفيد منها التكتلات الاقتصادية الإقليمية ( فالعولمة ليست بالضرورة عدوًا للإقليمية وقد تدعم كل منهما الأخرى، وقد لا تستطيع أي أمة في عالم اليوم من تحقيق أمالها الاقتصادية بصورة منفردة ولابد من التعاون.
  ما من شك إن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية مما يعني  إن الدول العربية وأسواقها ستتعامل مع عمالقة اقتصاديين من شركات وبنوك بشكل متساوي داخل الوطن العربي دون تدخل من الدولة لحمايتها وهو الأمر الذي يتطلب من الدول العربية فهم مخاطر الانضمام والاجراءات اللازمة والإعداد المتين المبني على أسس المواجهة والتكيف بنفس الوقت. 
*سورة القريش ، الجزء 50.
- 1 -
الغـايـة
   وفيما يختص بدور الحكومات والسلطات الوطنية لابد من ضرورة توفير المناخ الملائم وإبداء الشفافية على الأداء الاقتصادي والذي يسهل على الشركات إتباع منهج مبرمج ومتكامل وسليم يمكنها من الاستجابة لتحديات العولمة، وذلك بإعادة هيكلة الاقتصاديات الوطنية بما يحقق التوازن بين دور الدولة المعاصرة وإمكانيات القطاع الخاص ، كذلك ينبغي اعتبار الوحدات الإنتاجية الحكومية كيانات مستقلة هدفها الأساسي تحقيق الربح وزيادة حصتها من السوق المحلي والخارجي وذلك عن طريق زيادة الكفاءة الإنتاجية وتقليل التكلفة.
   أما فيما يخص شركات ومشروعات القطاع الخاص فبلا شك هناك تراكمات تؤثر في قدرتها على الاستجابة الفاعلة لمواكبة ما يحدث، منها الإطار القطري الضيق الذي نشأت فيه معظم هذه الشركات والمؤسسات وخضوع بعضها للتأميم، وزيادة اعتمادها على الحماية الوطنية والدعم الحكومي، واعتبار بعض هذه الشركات أداة لتنفيذ التوجيهات الحكومية فيما يتعلق بالعمالة والأجور والتسعير.
  كذلك من العوامل غير الملائمة انحصار السوق في حدودها القطرية وعدم التوسع إقليميًا، ومن المظاهر السلبية كذلك التوسع في إصدار التشريعات واللوائح التي تحد من الإقامة والعمل والملكية لغير المواطنين.
 هذه الأسباب وغيرها جعلت المشروعات الخاصة والحكومية لا تتهيأ للتكيف الايجابي مع توجهات عولمة الاقتصاد ولكن يتحتم على المشروعات الخاصة في المنطقة العربية وهى تستشرف آفاقًا أوسع وتواجه تحديات أكبر أن تحدث تغييرًا هيكليًا في نمط تفكير الإدارة العليا وإستراتيجية التخطيط والتحفيز وإرساء منهج التطوير والتجديد والاستفادة من الإمكانيات التقنية المتاحة لأكبر درجة ممكنة، حتى تكسب وبالتدريج حصة أكبر من السوق اعتمادًا على جودة المنتج وكفاءة تسويقه وانخفاض تكلفته.
   لقد أتاحت بعض بنود الاتفاقيات الفرصة للدول العربية  أن تدخل أسواقًا جديدة الأمر الذي يتطلب منا الارتقاء بمستوى الإنتاج إلى المعايير العالمية للجودة والمواصفات كما يتطلب الاهتمام بابتكار وتطوير التقنية لا الاكتفاء بمجرد شرائها - والتخلي عن مشروعات تسليم المفتاح - حتى نكتسب التقنية تدريجيًا ، ولابد أيضًا من تحقيق الأداء المهني الراقي ، والتخصص فيما نملك فيه ميزة نسبية وباختصار لابد من إثبات وجود فاعل لأن الاقتصاد الهامشي يتأثر بسلبيات العولمة ولا يستفيد من مزاياها مطلقًا(1).

Post a Comment

أحدث أقدم