إسهامات الدين الإسلامي في
رفع فعالية نظام الإتصالات :
اهتمَّتِ الحضارة الإسلامية بالبريد ونظم الاتصالات
وأَوْلَتْهُ عناية كبيرة، وقد كان حينما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية ، وازدادت
الحاجة إلى إنشاء نظام إداري يضمن وصول الرسائل بين عاصمة الخلافة ومدن دار
الإسلام ، وخاصة المراسلات بين الخليفة والولاة، فتطوَّر ذلك النظام وأصبح مؤسسة
كبرى لها دورها ومكانتها في الدولة الإسلامية، كما أصبح شاهدًا على مدى ما وصلت
إليه حضارة الإسلام من تقدُّم ورقي.
وكان الغرض من البريد في صدر الإسلام توصيل أوامر
الخلفاء إلى ولاتهم وعمالهم، وأخبار الولاة والعمال إلى الخلفاء، ثم تَوَسَّعُوا
فيه حتى جعلوا صاحبه عينًا
للخليفة؛ فهو كما ينقل أمره إلى ولاته وعماله، كان
رقيبًا عليهم، ينقل أخبارهم إليه ، وكان البريد مقصورًا على أغراض الدولة، ثم
أُبِيحَ فيما بعدُ للرعية أن ينتفعوا به في نقل رسائلهم
.
أ - البريد في العهد النبوي :
إن نظام البريد
كان سُنَّة قديمة، وأسلوبًا مُتَّبَعًا لدى الفرس والرومان، وكان العرب قبل
الإسلام كانوا على دراية به، فالبديهي أن يكون البريد معروفًا منذ عهد الرسول ؛
إذ كان يتبادل
الرسائل والسفارات مع الملوك والأمراء من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وبلغ من اهتمامه
بذلك
أنه أمر عُمَّاله أن يُرْسِلوا له البريد
مع أشخاص يتوافر فيهم حسن الوجه والاسم، كما كان حريصًا على
توافر تلك الصفات فيمن بعثهم إلى الملوك المعاصرين له ، مثل كسرى ملك الفرس، وقيصر
الروم، وإلى المقوقس حاكم مصر، وإلى النجاشي ملك الحبشة ، وغيرهم؛ وذلك لعلمه بأن
المبعوث هو لسان مُتَرْجِمٌ لرغباته وآرائه، وإذا لم يكن كذلك خسر مهمَّتَه، ورجع
على مُرْسِله بالخسران.
وكان من مظاهر اهتمام النبي بالبريد
أنه اتخذ الخاتم ؛ لأن العجم كانوا لا يقبلون كتابًا إلاَّ إذا كان مختومًا؛ لأنهم
يَرَوْنَ ختم الكتب فيه تعظيم للمكتوب إليه.
ب - البريد في العصر الأموي :
ولما قامت الدولة الأموية جعل معاوية بن أبي سفيان
لديوان البريد اختصاصات، وقواعد مُقَنَّنَة من أهمِّهَا الإشراف على كل شئون
الدولة، وبذلك كان معاوية أول من أدخل نظام البريد في الإسلام على هذا النحو
المُقَنَّن؛ حيث وُضِعَ ديوانٌ للخاتم لتنظيم البريدِ وإحضارِ عمال من الروم
والفرس لهذا الغرض.
ثم جاء عبد الملك بن مروان فأدخل على ديوان البريد
العديد من التحسينات؛ ليصبح أداة مهمَّة في إدارة شئون الدولة، وذلك مثل مسح
الأرض، ووضع حدود على كل مساحة، فضلاً عن أربعة طرق تمتدُّ من القدس إلى دمشق، وفي
عهد الوليد بن عبد الملك زاد اتساع شبكة البريد لتخدم التقدُّم العمراني والاقتصادي
الذي كان ينشده, ووفَّر لها من الخيل والإبل العدد الكبير, وأنشأ لها السكك
(المحطات) في كل أنحاء الدولة, وبلغ من أهمية البريد في عهده أن حُمِلَ على ظهور
دوابِّه الفسيفساء (الفصّ المُذَهَّب) من القسطنطينية إلى دمشق، حتى صُفِّح منه
حيطان المسجد الجامع بها، ومساجد بمكة والمدينة والقدس.
وكذلك اهتمَّ عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- بتنظيم
البريد ؛ حيث أنشأ المحطات والخانات, وأقام أحواض السقيا، ومخازن العلف للدواب في
كل المسالك والطرق التي يُحْمَلُ عَبْرها البريد، وقد بلغ من وَرَعِ عمر بن عبد
العزيز -رحمه الله- أنَّه كان لا يحمل على البريد إلاَّ في حاجة المسلمين؛ لأنَّ
البريد كان مخصَّصًا لخدمة الدولة، وكتب إلى عامل له يشتري له عسلاً، ولا يُسخَّرُ
فِيه شيئًا، وأن عامله حمله على مركبة من البريد، فلمَّا أتى قال: على ما حمله؟
قالوا: على البريد. فأمر بذلك العسل، فبِيعَ، وجعل ثمنه في بيت مال المسلمين،
وقال: أفسدتَ علينا عسلك .
ج - البريد في العصر العباسي :
أما في العصر العباسي فيُسْتَشَفُّ من المصادر التاريخية
أن خلفاء هذا العصر قد اعتنوا بالبريد عناية كبيرة، واعتمدوا عليه كثيرًا في إدارة
شئون دولتهم، وكان أبو جعفر المنصور يقول: "ما كان أحوجني إلى أن يكون على
بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعفَّ منهم. قيل له: يا أمير المؤمنين، مَنْ هم؟
قال: هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلاَّ بهم، كما أن السرير لا يصلح إلاَّ
بأربع قوائم إن نقصت واحدة وَهِيَ (أي ضَعُف): أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه في الله
لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا
يظلم الرعية؛ فإني عن ظلمها غني، والرابع - ثم عضَّ على أصبعه السبابة ثلاث مرات،
يقول في كل مرة: آه آه. قيل له: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر
هؤلاء على الصحَّة .
وقد أحاط هارون الرشيد دولته بشبكة دقيقة من خطوط
البريد؛ ليتوخَّى السرعة في تلقِّي الأخبار، وإصدار الأوامر إلى وُلاَتِهِ،
وقُسِّمَتْ هذه الخطوط إلى محطات، وفي كل محطة يوجد عدد من العمال والخيل، وكلُّ
ما يحتاج إليه عامل البريد من زادٍ، وعلف، ومياه .
ويذكر ابن كثير في أحداث سنة (166هـ/ 782م) أن الخليفة
المهدي أمر بإقامة البريد بين مكة، والمدينة، واليمن، وأنه لم يفعل أحد هذا قبل
هذه السنة .
د - البريد في عصر المماليك :
وكذلك ارتقى البريد في عهد المماليك، وبخاصَّة في أيام
السلطان بيبرس؛ فقد وضع له نظامًا يكفل ارتباط جميع أجزاء الدولة بعضها بالبعض
الآخر بشبكة من خطوط البريد
البرية والجوية (عن طريق الحمام الزاجل)، وكان مركز
هذه الخطوط قلعة الجبل (شرقي القاهرة) التي أنشأها صلاح الدين سنة (572هـ/1176م )
.
Post a Comment