علاقة علم الاقتصاد بعلم الفقه
مر معنا أن الاقتصاد الإسلامي يتميز عن الاقتصاديات الأخرى بارتباطه بالدين عقيدة وشريعة, لكن السؤال:هل ارتباطه بالشريعة أو الفقه يجعله بابا من أبواب الفقه ؟هل علم الاقتصاد الإسلامي هو باب المعاملات في كتب الفقه الإسلامي؟ أم يمتد إلى دراسة الآثار المترتبة على هذه العاملات وانعكاس ذلك على اقتصاد البلدان الإسلامية ؟ وتحليل هذه الآثار لغرض تعظيم الآثار الايجابية والحد من الآثار السلبية؟؟
ـ نقول إن الاقتصاد الإسلامي يرتبط ارتباطا وثيقا بعلم الفقه لأنه يستمد أصوله من نصوص الكتاب والسنة التي جاءت ببيان الكثير من أحكام المعاملات المالية,وبالتالي فإن باب المعاملات في كتب الفقه يشكل الأرضية الصلبة والقاعدة التي يؤسس عليها بناء الاقتصاد الإسلامي والتي ينطلق منها المختصون في الاقتصاد الإسلامي لبلورة هذا العلم.
ـ لكن هذا الارتباط الوثيق بعلم الفقه لا يعني أن الاقتصاد الإسلامي هو باب من أبواب الفقه,لا يعني أن الاقتصاد الإسلامي هو باب المعاملات في كتب الفقه،ويتضح لنا ذلك أولا من خلال تعريف علم الاقتصاد وموضوعه,وكذا تعريف علم الفقه وموضوعه،مر معنا تعريف علم الاقتصاد,وعرفنا أن موضوع علم الاقتصاد: هو دراسة سلوك الإنسان, وهو يسعى إلى إشباع حاجاته باستخدام الموارد والإمكانات المتاحة له التي ربما تكون محدودة بالقياس إلى تنوع حاجاته وكثرتها.
أما موضوع علم الفقه: فهو الحكم على أفعال المكلفين من حيث الوجوب والتحريم والإباحة والندب والكراهة وتعريفه هو: معرفة الأحكام العملية بأدلتها التفصيلية.
ـ وعلى هذا فإن باب المعاملات في كتب الفقه لا يمكن أن يوصف بأنه: دراسة تحليلية لوصف سلوك المسلم أو المجتمعات الإسلامية وهي تسعى إلى إشباع أكبر قدر ممكن من احتياجاتها باستخدام أقل قدر ممكن من الموارد المتاحة لديها.
ـ كما يمكن أن نستدل من السنة على استقلالية علم الاقتصاد العلمية لا التشريعية.
يقول رافع بن خديج t:(قدم النبي r المدينة وهم يؤبرون النخل أي يلقحون النخل,فقال:
ما تصنعون؟ قالوا كنا نصنعه.قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً،فتركوه أي التأبير فنقصت, قال:رافع فذكروا ذلك له ,فقال:إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به،وإذا أمرتكم بشيء من رأيٍ فإنما أنا بشر)
وفي رواية أخرى قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)،وعلى هذا لا ننتظر من الفقيه أن يقدم حلولا لزيادة الإنتاج أو المشكلات الاقتصادية؛وإنما الحكم على العقود والتعاملات المالية وهل هي جائزة شرعا أم لا؟
_ أما الجانب الآخر في موضوع التفريق فيدخل في إطار الاقتصاد الإسلامي ويكون من مسؤولية الاقتصادي المسلم .فالجانب الذي يتعلق بتحليل الآثار ودراستها وتقديم الحلول للمشكلات ونحوها هذا يكون من مسؤولية الاقتصادي المسلم وليس من مسؤولية الفقيه.وهذا يقودنا إلى تحديد الفرق بين دور الفقيه ودور الاقتصادي المسلم,وقبل أن ننتقل لإلقاء مزيد من الضوء على هذا الجانب أعود فأؤكد أن استقلال علم الاقتصاد عن علم الفقه هي استقلالية علمية,وليست استقلالية تشريعية,بمعنى أن قول الرسول r:( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) لا يسمح بانفصام الاقتصاد في المجتمع المسلم عن أصوله التشريعية ولكنه يؤسس لعلوم مستقلة منها علم الاقتصاد الإسلامي,وهذه العلوم ترتكز على الأصول التشريعية التي جاءت في الكتاب أو التي قامت أدلتها في الكتاب والسنة.
نلخص دور الفقيه فيما يرتبط بالجانب الاقتصادي: بأنه بيان أحكام المعاملات المالية وبيان ما يحل منها وما يحرم,وقد يمتد دوره إلى تقديم بعض البدائل المشروعة للمعاملات المحرمة.
ونلخص دور الاقتصادي المسلم بأمور منها :
أولاً/ دراسة وتحليل الأوضاع الاقتصادية الناشئة عن التزام الناس بالفتاوى الشرعية التي أصدرها الفقهاء بخصوص هذه المعاملات.الفتاوى الشرعية التي يصدرها الفقهاء في باب المعاملات إذا لاقت قبولاً عاما لدى الناس أنشأت سلوكا وهذا السلوك الذي ينشأ نتيجة تلقي الناس بالقبول لفتوى من الفتاوى التي أصدرها الفقهاء في باب المعاملات أصبح وضع اقتصادي,من يقوم بدراسته وتحليله والتعرف على آثاره في مسيرة الاقتصاد الإسلامي واقتصاديات المجتمعات الإسلامية هو الاقتصادي وليس الفقيه.
مثال: هناك من يفتي فيما يتعلق بزكاة الأرض البيضاء بوجوب الزكاة كل عام إذا كان لا يريد استغلالها مباشرة أو استثمارها وتأجيرها ونحو ذلك,إذا كان نيته في نهاية المطاف هو البيع وإن طال الأمد؛فهناك من يفتي بوجوب الزكاة كل حول,هذه فتوى,وهناك من يفتي بأن الزكاة لا تجب في هذه الأرض البيضاء إلا إذا عرضت للبيع,فإذا نوى بيعها يستأنف حولا جديدا منذ أن عقد نية البيع,فهذا
لا يزكيها إلا إذا عقد نية البيع وحال حول على هذه النية,لكن لو صرف النظر عن البيع انقطع الحول فإذا عادت النية للبيع يستأنف حولا جديدا,إذا تلقى عامة المسلمين الفتوى الأولى بالقبول نشأ عنها سلوكاً اقتصادياً مغايراً للسلوك الذي ينشأ عن الفتوى الشرعية الأخرى والتي تتعلق بزكاة الأرض البيضاء,إذاً دراسة وتحليل الأوضاع الاقتصادية الناشئة عن التزام الناس بالفتاوى التي أصدرها الفقهاء هي من مهمات الاقتصادي وليس الفقيه .
ثانياً/ اقتراح حلول للمشكلات الاقتصادية التي تواجه المجتمعات الإسلامية, بشرط أن تتوافق مع نصوص الكتاب والسنة،وهذه من مهام المختص في الاقتصاد الإسلامي,لا شك أن فقه المعاملات يشكل أرضية صلبة والقاعدة الأساسية التي يستند إليها الاقتصادي المسلم في بناء تصوراته وتحديد الأُطر التي تحكم مسيرته في البحث عن حلول للمشكلات الاقتصادية التي تواجه المجتمعات الإسلامية,إن دور الفقيه في هذا الجانب يتكامل مع دور الاقتصادي في الوصول إلى حلول للمشكلات الاقتصادية وبدائل للمعاملات المحرمة فكل منهما لديه ما ليس لدى الآخر,فالفقيه لديه رسوخ في العلم الشرعي والاقتصادي المسلم لديه المعرفة بأصول الاقتصاد والواقع الاقتصادي الذي تعيشه الأمة الإسلامية.
ثالثا:الاجتهاد في تحديد الأنماط المثلى للإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار وتوجيه أفراد المجتمع المسلم إليها وتحقيق أكبر نفع ممكن للمجتمع المسلم،في السنوات الأخيرة شهدت الساحة الاقتصادية تعاوناً مثمراً بين الفقهاء والاقتصاديين,تجلى ذلك في مشاركة عدد من الفقهاء في لجان هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية,أو في تلك البنوك التي تسعى نحو الأسلمة,وكذلك نشر الفقهاء العديد من الدراسات في أبواب المعاملات المالية المعاصرة وقد كانت المراجع الاقتصادية ضمن المراجع التي اعتمدها الفقهاء في هذه الدراسات.
وكذلك أيضاً وُجدت مشروعات علمية اشترك فيها فقهاء واقتصاديون كمشروع المنتجات والأدوات المالية الإسلامية وهو مشروع طموح ولكنه لم يكتمل وقد تم نشر المرحلة الأولى من هذا المشروع في عام 1429 هـ وجاء في مقدمة المشروع ما يلي :
إن التصور الذي وضع للمشروع وخطة عمله كانا يقتضيان السير بالعمل في مراحل متكاملة تصل بالمنتج إلى منتهاه تبدأ باستخراج النص من المصدر ثم الدراسة الفقهية ثم التحليل الاقتصادي للمنتج وأخيرا مطابقة المنتج للواقع ومدى الإفادة منه في الصناعة المالية الإسلامية .ا هـ
وجاءت المرحلة الأولى من المشروع في حدود 626 صفحة استخرج الباحثون منها 1357منتجا بنكيا
بالرجوع إلى 14 مرجعا فقهيا تقع في 71 مجلدا وتحتوى 35000 صفحة ولا زالت الحاجة قائمة إلى مزيد من المشروعات المشتركة في الفقه والاقتصاد الإسلامي.

Post a Comment

أحدث أقدم