الأخلاق الإسلامية ربانية
المصدر .
الإسلام
كلُه عقائدُه وعباداتُه ومعاملاتُه وأخلاقُه وسلوكياتُه من عند الله جل وعلا ، وما
من أمر من أمور الإسلام إلا وهو يستمد تعاليمه ونظمه ومبادئه من كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى أن الأخلاق الإسلامية ربانية المصدر أي أنها من
الله تعالى هو الذي أمر بها وحث عليها ورغب فيها ، ونهى عما يخالفها وحذر منه إما
في القرآن الكريم أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
أرسل
الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق ،وأثنى عليه بالخلق العظيم {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }[القلم/4] وكانت
تزكية النفوس محورا من محاور دعوته عليه الصلاة والسلام {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي
الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ
مُّبِينٍ }[الجمعة/2] .
قال
ابن كثير رحمه الله : " وذلك أن العرب كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم
الخليل عليه السلام فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركا
وباليقين شكا وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم
وحرفوها وغيروها وأولوها فبعث الله محمدا
صلى الله عليه وسلم بشرع عظيم كامل
شامل لجميع الخلق فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم
ومعادهم والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا الله عنهم والنهي عما يقربهم
إلى النار وسخط الله تعالى حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول
والفروع ، وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله وأعطاه ما لم
يعط أحدا من الأولين ولا يعطيه أحدا من الآخرين فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى
يوم الدين " . تفسير القرآن العظيم (4/364).
فتزكية
النفوس تطهيرها وتنمية الخير فيها ، وصيانتها من الانحراف والفساد ، فكل ما
جاء
به النبي صلى الله عليه وسلم من الخلق العظيم كان بوحي من الله تعالى {وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى
} [النجم /3 ، 4].
إن
ربانية هذه الأخلاق تعطيها ثقة وقبولاً ، وتجعلها في موضع الرضا والتسليم ، لخلوها
من التناقض والاختلاف والغموض .
إن
ربانية هذه الأخلاق جعلتها في غاية الوضوح والجمال فهي تدعو إلى نفسها بنفسها ،
بخلاف القيم الوضعية التي تحتاج إلى وسائل بهرجة وتزيين لإلباسها ثوب الرواج
والقبول الذي قد لا تتصف به على الحقيقة .
لقد
رأينا فيما مضى أن مصادر الأخلاق الوضعية يكتنفها النقص والتناقض ، وتختلف باختلاف
الزمان والمكان والثقافات مما عكر صفوها ، وجعل تعميمها وشمولها غير متاح ولا ممكن
.
إن
خاصية ( الربانية ) في الأخلاق الإسلامية كالرأس للجسد والروح للحياة ، لا قيام
للأخلاق بدونه ، فكل ما يأتي بعد ذلك من الخصائص تبع لهذه الخاصية سائر تحت لوائها
.
إن
الله تعالى وصف كتابه بأنه {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا
مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }[فصلت/42] ووصف رسوله بأنه لا
ينطق عن الهوى مما جعل كل أمر من أمور هذا الدين غاية في الكمال ومراعاة مصالح
العباد .
وإذا تأملت الأخلاق الإسلامية وجدتها تدور في هذا
الفلك الجميل ، فكل خلق يكمل الآخر ويجانسه ويرسخه ، وسيظهر لك أيها القارئ الكريم
مصداق هذا في ثنايا هذه المباحث القيمة موضحا بأدلته من الكتاب والسنة
إرسال تعليق