وللعقل في الشرع مكان عظيم حيث إنه أساس كل فضيلة ، وينبوع كل أدب ، أوجب الله التكليف بكماله ، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه ، روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ( أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، ومروءته خلقه ) .
وقال الحسن البصري رحمه الله : ما استودع الله أحدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما .
وقال بعض الحكماء : العقل أفضل مرجو ، والجهل أنكى عدو .
وقال آخر : خير المواهب العقل ، وشر المصائب الجهل .
ومع أهمية العقل وكونه أداة الفهم والتدبر والتأمل والاستنباط ، فليس كل الناس لديهم أهلية استخدام العقل والإقناع به ، فهناك من يغلب عليه التأثر بالقلب والضمير

والاستجابة للفطرة والوحي الشريف لمجرد صدور الأمر من الشرع وتأثر القلب به وميله إليه ومن هناك كانت سمة الأخلاق الإسلامية الجمع بين الأمرين لموافقة أحوال جميع المخاطبين. 
فمخاطبة القلب وإشباعه يحقق له السكينة والطمأنينة الكافية لاستجابته والتزامه بأوامر الشرع ونواهيه .
قال تعالى { {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرعد/28] فالطمأنينة سكون القلب إلي الشيء وعدم اضطرابه وقلقه ، وفي الأثر (الصدق طمأنينة ، والكذب ريبة ) أي أن الصدق يطمئن إليه قلب السامع ، ويجد عنده سكونا، والكذب يوجب له اضطرابا وشكاً ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( البر ما اطمأن إليه القلب ) أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه .
فالقرآن الكريم لم يكن يلقي القول على علاَّته ، وإنما يأتي بالقضية مبرهنا عليها بالدليل
تلو الدليل ، فيرضي العقل ويطمئن النفس ويقود الضمير إلى الإيمان .
تهدف التربية الوجدانية إلى وقاية الضمير من عثرات الشك والحيرة والضلال والوساوس ، وتحرص على صحة الوجدان من الخلل والمرض القلبي ، ليصبح المرء سيد نفسه ويبدع في ميدان السلوك الأخلاقي ، ويتحرر من براثن العادات المتحجرة والتقاليد الزائفة والأعراف البالية ، ويكون مدركا لفعله نبيلا في هدفه ، فما الذي يدفع الإنسان إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل والمسارعة في المعالي إن لم يكن هناك قناعات نفسية مشبعة وحاجات وجدانية متطلعة ؟
إن الأخلاق الإسلامية تمتاز بمخاطبة العقل وإقناعه لتحمل ذوي العقول والمنطق السوي على التزام مبادئها والتمسك بها ، وهي كذلك تخاطب القلب والوجدان وتشبعهما لتكتمل الصورة الفريدة للأخلاق الإسلامية في جانبيها النظري العلمي والعملي التطبيقي.
اعتدال وشمول وتوسط فلا تركيز على العقل مع إهمال الوجدان ، ولا العكس ، وإنما مخاطبة شاملة في أعز ما يملك الإنسان ويتصف به العقل والقلب والفكر والوجدان .

Post a Comment

Previous Post Next Post