منظمة التجارة العالمية وعولمة الاقتصاد
    أبرز سمات الاقتصاد العالمي حالياً هي حركة السلع والخدمات ورأس المال وتكنولوجيا المعلومات والأيدي العاملة . وقد ارتبط تطور اقتصاد العولمة بالتقدم التكنولوجي المتسرع في مجال المعلومات والاتصالت ،إذ أمكن التحرك والانتقال وإدارة شبكة كبيرة من الفروع والأعمال من مكتب صغير في أي مكان في العالم. وجاء الإعلان عن تأسيس منظمة التجارة العالمية عقب الانتهاء من جولة أوروغواي عام    1996 ، ليؤذن ببداية مرحلة جديدة للاقتصاد العالمي تتميز برفض أي حاجز أمام التبادل التجاري العالمي ، وهو ما أخاف الدول النامية والفقيرة من تعوّل اقتصاديات المناطق الغنية والعالم الصناعي في أميركا واليابان وأوروبا على حساب اقتصادياتها النامية أو العاجزة . لقد أثر ميلاد المنظمة على الاقتصاد العالمي والعلاقة بين الشمال والجنوب إذ زاد من تحكم الشمال المنتج لأكثر من 87% من واردات العالم و94% من صادراته ، وانطلقت شركاته متعددة الجنسية (أي الشركات التي تتوزع رؤوس أموالها في أكثر من دولة) لتجبر الجنوب على مبادئ استثمارية جديدة ، تدعمها في كل ذلك برامج الإصلاح لصندوق النقد الدولي التي ركزت على خفض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة وتوسيع امتيازات الاستثمار الأجنبي، وصار فرضاً على دول الجنوب الانضمام للمنظمة. وكان من الطبيعي أن تتأثر اقتصاديات الدول العربية بالمنظمة التي ظهر معها العديد من المشاكل والتحديات التي تواجه اقتصاديات الدول  العربية والإسلامية ، ومن  أهمها :
" أولاً   :  مكافحة الإغراق في السلع المستوردة .
ثانياً :  زيادة أجور العمال ومنع تشغيل الأطفال .
ثالثاً :  تنظيم التجارة العالمية على أساس فرض الضرائب على الاستهلاك " (1 ) .
  وفي ظل التكتلات الاقتصادية الدولية العملاقة لزم على الدول العربية والإسلامية  أن تعيد التفكير في ضرورة تحرير التجارة العربية والإسلامية البينية لتخفيف حدة الخوف من التبادل التجاري ، ولعل أهم خطوة بعد خلق أجواء الالتزام بالاتفاقيات المبرمة هو إلغاء الرسوم الجمركية على البضائع العربية وإنشاء منطقة تجارة عربية كبرى . وهذا يتطلب سياسة شجاعة لمواجهة المشاكل الآنية المترتبة على ذلك ، وأخيرا السعي لإيجاد إتحاد جمركي عربي . إن الوقوف في وجه العولمة الاقتصادية بات أمرا غير منطقي حتى من الناحية النظرية ، والارتماء أمام مد هذه العولمة لا يوجد حلولاً للمشاكل الاقتصادية للدول الإسلامية ، بل لا بد من إحداث إصلاحات على مستوى القرار السياسي ،والسياسة الاقتصادية ، وتقنين ضمانات النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمار البيني في الدول العربية والإسلامية.
 ومن هنا يظهر أن من أهم أهداف منظمة التجارة العالمية هو ما يتمثل بخفض الحواجز الجمركية وغيرها لغرض زيادة التبادل التجاري على المستوى الدولي ، وتطبيق مبدأ المفاوضات لحل النزاعات التجارية (2) .
(1) منظمة التجارة العالمية وعولمة الاقتصاد – مصدر سابق .
(2) الدكتور بسام الحجار ، العلاقات الاقتصادية الدولية  ، ص233 - مصدر سابق


تأثير منظمة التجارة العالمية على الاقتصاد العالمي
    لم يلبث قيام منظمة التجارة العالمية أن غيَّر ملامح الاقتصاد العالمي ، من خلال ربط علاقات ومصالح تجارية دولية متشابكة بين عدد من البلدان . وتضمّ هذه المنظمة “ 142 دولة، وهناك نحو 28 دولة طالبة للعضوية "(1 ) . وبميلادها اكتملت مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي الحديث الذي يتسم بهيمنة النظام الرأسمالي بمبادئه وآلياته  .وتسعى الدول المنتمية إلى هذه المنظمة إلى الاستفادة من تحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال الدولية . وقد سبقت ميلاد هذه المنظمة مفاوضات عسيرة برهنت على التناقضات القائمة بين الدول الصناعية الكبرى الباحثة عن أسواق لتصريف السلع والخدمات التي تنتجها ، وبين الدول النامية التي تسعى لحماية اقتصادياتها من المنافسة الحادة ، وتغذية خزينتها بعائدات الضرائب والرسوم الجمركية على السلع الواردة ، واعتبار المنظمة جهازاً جديداً لتمرير سياسات القوى العظمى المهيمنة . وقد كرست هذه المنظمة حدة العلاقة اللامتكافئة بين الشمال المصنع، حيث تنتج أطراف الثالوث التي تشكل دعائم الاقتصاد العالمي (أميركا الشمالية، أوروبا، اليابان) حوالي 87% من الواردات العالمية وأكثر من 94% من الصادرات العالمية من المواد والسلع المصنعة ، وبين الجنوب الذي مازالت أغلب بلدانه تعاني من مشاكل مزمنة مثل الفقر والبطالة والمديونية الخارجية الخانقة وعدم الاستقرار السياسي.. إن تفاقم هذا الوضع ينذر بالكارثة ، خصوصاً بعد أن بدا واضحاً أن نمو واستقرار البلدان النامية شرط أساس لاستقرار الاقتصاد العالمي . إن انعقاد مؤتمر وزراء المنظمة في تشرين الثاني عام 2002 بالدوحة (قطر) ونجاحه بعد مؤتمر سياتل وما صاحبه من ضجة أسهم في تحسين أوضاع الاقتصاد العالمي ، إلا أن ذلك رهبن بنجاح وتقدم المفاوضات متعددة الأطراف والمتعلقة بتحرير قطاعات جديدة مثل الزراعة والخدمات.. كما أن تحسن أداء الاقتصاد العالمي يبقى مشروطاً بما سيؤول إليه معدل نمو الاقتصاد الأميركي خصوصاً بعد هجمات 11  أيلول 2001 على واشنطن ونيويورك  . وهذه المميزات تتفق مع ما تدعو إليه منظمة التجارة العالمية (WTO) وتتناسق مع معطيات النظام الدولي الجديد الذي يتسم بهيمنة النظام الرأسمالي بمبادئه وقواعده على الاقتصاد العالمي.
  وقد تميز عقد التسعينيات من القرن العشرين بانهيار الاتحاد السوفيتي وتعاظم نشاط الأسواق المالية وقيام تكتلات اقتصادية كبرى . وبقيام منظمة التجارة العالمية اكتمل المثلث الذي تشكل أضلاعه مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي (صندوق النقد الدولي IMF ، والبنك الدولي WB ، ومنظمة التجارة العالمية).
**********************************************************************************************************************
(1) الدكتور بسام الحجار ،  العلافات الاقتصادية الدولية ، في موضوع منظمة التجارة العالمية - ص 240– مصدر سابق.

- 6-
وقد عرفت المنظمة بأنها الإطار المؤسسي الموحد لإدارة جميع الاتفاقيات الشاملة لجولات لأورغواي وللنظام التجاري المتعدد الأطراف. إن أبرز سمات الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن تتمثل في حركة السلع والخدمات ورأس المال والمعلومات والأيدي العاملة عبر الحدود الوطنية والإقليمية .
وتهدف المنظمة إلى تقوية الاقتصاد العالمي من خلال تحرير التجارة من جميع القيود ، ورفع مستوى الدخل القومي الحقيقي للدول الأعضاء، وزيادة الطلب على الموارد الاقتصادية والاستغلال الأمثل لها، وتوسيع وتسهيل الوصول إلى الأسواق الدولية ، والمساعدة في حل المنازعات بين الدول والإدارة الآلية للسياسات التجارية ، والتعاون مع المؤسسات الدولية الأخرى (IMF وWB) لتحقيق الانسجام بين السياسات التجارية والمالية والنقدية .
وقد شهد المجتمع الدولي اهتماماً متنامياً بالتحولات الرئيسة التي ميزت الاقتصاد العالمي، بعد أن تسارعت وتيرتها على نحو غير مسبوق خلال عقد التسعينات من القرن العشرين، وذلك بعد قيام منظمة التجارة العالمية التي تعتبر أداة ووسيلة لها أهميتها في تنظيم وتشجيع التجارة الدولية ، وبالتالي إسهامها في عولمة الاقتصاد .
  وقد حظي موضوع عولمة الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة بجانب كبير من اهتمامات المفكرين الاقتصاديين والسياسيين في جميع أنحاء العالم بعد أن بدا واضحاً للعيان أن التطورات الاقتصادية السريعة والمتلاحقة التي يشهدها عالمنا المعاصر أدت إلى نظام اقتصادي جديد ، أعاد ترتيب الأولويات والأيديولوجيات الاقتصادية للدول ، وإلى بروز منظومة من العلاقات والمصالح الاقتصادية المتشابكة التي أسهمت في قيام نظام اقتصادي عالمي أكثر تعقيداً ، وقد أثر تأسيس المنظمة في هذا التعقيد والتشابك.
"وتستطيع أي دولة الانضمام إلى المنظمة عن طريق التفاوض ، وعلى الدولة الراغبة قي الانضمام إلى المنظمة أن تراعي الاتفاقيات حزمة واحدة وتتعهد بالالتزام بها، ويبلغ عدد أعضاء المنظمة حالياً 142 دولة   وهناك نحو 28 دولة طلبت الانضمام " (1).
وفي هذا الإطار يسعى البحث إلى رصد أهم التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ قيام المنظمة  ودراسة العلاقة بين الشمال والجنوب في ضوء هذه التغيرات ، وفي الأخير إبراز مسألة الانضمام إلى المنظمة من خلال تحليل مزايا ومخاطر العضوية ومعوقاتها .


(1)  الدكتور بسام الحجار ، العلاقات الاقتصادية الدولية ، ص240 ،  مصدر سابق .

Post a Comment

Previous Post Next Post