سلوك المستهلك في الاقتصاد الغربي
لا
يمكن أن يعيش الإنسان في هذه الحياة على نحو مريح يمكنه من أداء وظيفته في تعمير
هذه الأرض دون إشباع العديد من الحاجات,لكن الناس كثيرا ما يتفاوتون في تقديرهم
لهذه الحاجات في مستوى الإشباع وذلك إما بسبب اختلاف مستوى الدخل المتاح لكل
فرد,أو بسبب تأثير العوامل الاجتماعية على سلوك المستهلك,فالفرد عندما يُقبل على
شراء سلعة ويمتنع عن أخرى وعندما يقوم بتحديد الكمية المستهلكة من السلعة إنما
يقوم بذلك في إطار مادي بحت.أما العوامل الدينية والأخلاقية فلا وجود لها وإذا
وجدت فتأثيرها ضعيف.إن المستهلك في الاقتصاد الرأسمالي
يقدم على شراء سلعة معينة إذا شعر أن استهلاكها يعود عليه بالمنفعة,لذا فهو
يسعى لتعظيم الاستفادة من دخله المتاح لشراء أكبر قدر ممكن من السلع
والخدمات,ويحدد الكمية المشتراة من سلعة ما عندما يتساوى مقدار ما يضحي به من
منفعة الثمن مع منفعة السلعة المشتراة,أي تساوي منفعة السلعة مع منفعة الثمن
الذي يدفعه لشراء تلك السلعة وهو ما يعرف بتوازن المستهلك.
ما مفهوم المنفعة وكيف تحدد أو تقاس ؟
مفهوم
المنفعة أو الإشباع لازال غامضا وقياسها ليس بالأمر السهل اليسير إذا أخذنا
بالاعتبار تفاوت الناس في أذواقهم وتفضيلاتهم,لكن الاقتصاديون الغربيون يتفادون
الدخول في هذه التفاصيل,ويعتبرون هذا المفهوم شاملاً لكل الأذواق والرغبات فكل
إشباع لرغبة يعتبر منفعة,وقد حاولوا إيجاد معيار كمي لقياس المنفعة التي يحصل
عليها الفرد عند المقارنة بين منافع السلع التي يحتاجها,فكوب الشاي يعطي عشر وحدات
من المنفعة،وكوب القهوة يعطي سبع وحدات من المنفعة،ولهذا يسعى المستهلك عند اختياره للمنفعة بين عدد من السلع للحصول على
أكبر قدر من وحدات المنفعة في حدود دخله المتاح, لكن شعور الاقتصاديين
بعدم واقعية هذا التحليل جعلهم يستبدلون أسلوب القياس الكمي لمنفعة السلعة بأسلوب التحليل التفضيلي,ترتيب الأولويات أي قدرة المستهلك على المقارنة بين سلعتين أو
أكثر من حيث التفضيل كأن يفضل الشاي على القهوة،أو القهوة على الشاي،أو
أن الاثنين على درجة متساوية بالنسبة له وهذا ما يعرف بمنحنيات التسوية أو
التفضيل,لكن هذا الأسلوب يظل قاصرا لإهماله متغيرات اقتصادية مثل:تغيرات
السعر وأذواق المستهلكين,كما أن هذا التحليل يرتكز على قوة المستهلك الرشيد
اقتصاديا على اتخاذ قرار سليم لاختيار التوليفة المناسبة من السلع,وهذا الافتراض
غير صحيح في كثير من الأحيان.فافتراض توافر الرشد لدى المستهلك وافتراض تطابق دالة
التفضيل مع دالة المنفعة الحقيقية للمستهلك يخالف الواقع,فقد
يفضل فرد في المجتمع الغربي شرب كأس من الخمر على شرب كوب من الحليب,بينما المنفعة
الحقيقية لكوب الحليب أفضل بكثير من منفعة الخمر,وبهذا
يتضح لنا سلوك المستهلك في الاقتصاد الغربي الذي يعتمد على معايير ذاتية مادية لا تخضع لقيم دينية
أو أخلاقية فكل الأشياء التي يؤدي استهلاكها إلى إشباع رغبة أو غريزة إنسانية فهي
سلعة وخدمات مقبولة
ثانياً: قواعد نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي:اتضح لنا مما سبق بشكل عام إن نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الغربي لا تتفق مع المفاهيم الإسلامية للاستهلاك وبالتالي فإن نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي تختلف في قواعدها ومسلماتها عن نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الغربي ونتناول فيما يلي أبرز القواعد التي تبنى عليها نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي:
ثانياً: قواعد نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي:اتضح لنا مما سبق بشكل عام إن نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الغربي لا تتفق مع المفاهيم الإسلامية للاستهلاك وبالتالي فإن نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي تختلف في قواعدها ومسلماتها عن نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الغربي ونتناول فيما يلي أبرز القواعد التي تبنى عليها نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي:
أولاً // الدخل:
فله أهمية وتأثير على سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي لكن هذا التأثير محكوم
بقواعد أخرى وفي قوله تعالى:{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} دلالة على تأثير هذا
الدخل على سلوك المستهلك فالمسلم إذا اتسع رزقه،مطالب بالتوسع بالإنفاق والاستهلاك
في ظل الالتزام بالضوابط والمعايير الأخرى التي تحكم الاستهلاك .
ثانياً // الرشد الاقتصادي:لا يلغي الاقتصاد الإسلامي
مبدأ الرشد الاقتصادي كافتراض نظري ذو أهمية في التحليل الاقتصادي لكنه يخضع هذا
المبدأ للبعد الديني العقدي وفي الإسلام لا يمكن القول برشد المستهلك المطلق؛فسلوك
المستهلك قابل للانحراف تحت تأثير بعض المغريات والمؤثرات بحيث تكون قراراته في
بعض الأحيان غير رشيدة وغير اقتصادية بل تضر ببعض مصالح الفرد والمجتمع قال الله
تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }آل عمران14.
وقد
جاء الإسلام بالحجر على السفيه كي لا ينفق الأموال
ويستهلكها بغير رشد.فالرشد الاقتصادي في الإسلام ليس فقط هو الموازنة بين الدخل
المتاح وأنواع السلع والخدمات ومزاياها فقط بل إن هذه الموازنة لابد أن تتم ضمن
تعاليم وضوابط الشريعة الإسلامية.
ومن أهم هذه الضوابط والتعليمات:
1_ الامتناع عن استهلاك
السلع المحرمة كما أن النظام الإسلامي وضع ضوابط شرعية لاكتساب المال فقد
أوجب على الفرد ضرورة أن يكون الاستهلاك منضبطا في المشروعية أي اجتناب استهلاك
السلع المحرمة كالخمر والخنزير وغيرها وكذلك عدم استخدام آنية الذهب والفضة للطعام
وعدم استخدام الذهب والحرير للرجال,وفي تحريم هذه السلع منافع تتمثل في المحافظة
على دخل الفرد وحمايته من الضياع في سلع لا تحقق نفعاً حقيقياً للفرد،وما يترتب
على ذلك من المحافظة على موارد المجتمع بشكل عام إضافة إلى رفع معدل الادخار وما
يترتب عليه من تركيم رأس المال وزيادة معدلات الاستثمار في المجالات الأكثر نفعا .
2_ الامتناع عن الإمعان في التنعم والترف المنهي عنه,يمقت
الإسلام الترف ويعده سلوكا شاذاً وسبباً في نزول العذاب ودمار الأمم وهلاكها,يقول الله
تعالى:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}الإسراء16.
وقال رسول الله r:(شرار
أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به يأكلون من أنواع الطعام ألوانا ويلبسون من
الثياب ألوانا ويركبون من الدواب ألوانا يتشدقون في الكلام)ومن نماذج السلوك
الترفي التي نهى عنها الإسلام التوسع في البنيان والتباهي به من غير
حاجة,قال الرسول r:(كل
مال يكون هكذا فهو وبال على صاحبه يوم القيامة) قال r هذا الكلام في شأن صاحب القبة,وأيضا جاء في الإسلام النهي عن
ستر الحوائط والمبالغة في زينة الجدران والنهي هنا ليس نهي
تحريم ولكنه ليس السلوك الأفضل بالنسبة للمسلم.
3_
الحذر من إضاعة المال بالإسراف والتبذير والسفه.الإسراف هو تجاوز القصد والاعتدال في الإنفاق
وهو مادون الترف،أما التبذير فيعني
إنفاق المال وتفريقه إسرافا في غير ما ينبغي وقد حرم الإسلام الإسراف والتبذير
لما يترتب عليهما من تبديد وإضاعة لموارد الفرد والمجتمع وهي موارد ينبغي الحفاظ
عليها والاقتصاد في إنفاقها قال تعالى:{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ
تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}الأعراف31.وقال تعالى:{إِنَّ
الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ
كَفُوراً} الإسراء27
أما
السفيه عند الفقهاء فهو المبذر لماله
والمسرف فيه والذي يعمل بخلاف أحكام الشرع ويتبع هواه . وقد نهى الإسلام أن
تدفع إليه الأموال قال الله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ
الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ
وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}النساء5 .والحجر على السفيه في الإسلام
يمثل صورة من صور الحرص على عدم إهدار الموارد والإسراف فيها.
4_ الاعتدال والتوسط
في الإنفاق الاستهلاكي.
إن النهي عن الترف والإسراف لا يعني الدعوة إلى البخل والشح قال الله تعالى {وَلاَ
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ
فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً }الإسراء29.وقال تعالى: {وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَاماً}الفرقان67,وقالr:(كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة)وهذا
الاعتدال لا يعني أن تتساوى مستويات المعيشة لدى عامة الأفراد في المجتمع
المسلم؛وإنما يقاس بالنسبة لدخل الفرد كما قال الله تعالى:{لِيُنفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ
اللَّهُ}فالذي أنعم الله عليه يجب أن يتوسع في الإنفاق ويحسن كما أحسن الله
إليه,وهذا التوسع في الإنفاق له آثار اقتصادية عظمى ففيه دعم لمسيرة التنمية
الاقتصادية وتنشيط للطلب وزيادة في حجم المشروعات الاستثمارية وبالتالي توفر لفرص
العمل,ولذلك نجد أن الإسلام رغب كثيرا في الإنفاق فمن كان لديه
ما
يفيض عن حاجته وقد أحسن الله إليه فليحسن كما أحسن الله إليه.
ثالثاً// الحرية الاقتصادية المنضبطة : في النظام الاقتصادي
الرأسمالي للفرد مطلق الحرية التي تعزز سيادة المستهلك وتبرز دوره وأثره في قرارات
الإنتاج حيث ينفق ما يقع تحت يده من أموال كيف شاء, ويستجيب المنتجون لإنتاج ما
يطلبه المستهلك الذي يمتلك المال بغض النظر عما يترتب على سلوك المستهلك من نتائج
تمتد آثارها إلى المجتمع,أما المستهلك المسلم فحريته منضبطة بتعاليم الدين
الإسلامي التي توائم بين مصلحة الفرد والجماعة والتي تعتبر الإنسان مستخلفاً في
هذا المال ومسئولاً عنه بين يدي الرب يوم القيامة .
رابعاً// تعظيم المنفعة:في المجتمعات الغربية التي يسودها
الاقتصاد الرأسمالي لا هم للمستهلك إلا الإشباع المادي والسعي إلى تعظيم منفعته
المادية,أما المسلم فإن المنفعة التي يسعى لتحقيقها ليست مادية فقط وليست محصورة
في هذه الدنيا الفانية,بل تمتد إلى الدار الآخرة,ولذلك قال تعالى:{وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}ولذلك
فهو لا يسعى لإنفاق جميع دخله على متع دنيوية زائلة،وإنما يجعل نصيبا من أمواله
لفعل الخير وبذل المعروف الذي يرجو ثوابه من رب العالمين يوم
لا
ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
تلخيص لما سبق:
وبهذا
يتضح الفرق بين سلوك المستهلك المسلم وسلوك غيره من المستهلكين,ولعلنا نلخص أهم ما
جاء في هذه الحلقة فالمستهلك في الاقتصاد الغربي يسعى لتعظيم إشباعه وهو إشباع غير
منضبط بقيم دينية
أو
أخلاقية,أما سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي فتحكمه قواعد, وهذه القواعد:
1/ الدخل,ورغم أن الدخل له تأثير كبير على الإنفاق
الاستهلاكي سواء لدى المسلم أو غيره إلا أن المسلم بنص القرآن الكريم مدعو للتوسع
في الإنفاق إذا اتسع رزقه وزاد دخله.قال تعالى:{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن
سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}وهذا
التوسع في الإنفاق أو زيادة الاستهلاك المترتبة على زيادة الدخل يجب أن تكون
منضبطة بالضوابط الشرعية التي تحكم السلوك الاستهلاكي للمسلم.
2/
الرشد الاقتصادي, في الاقتصاد الغربي يفترض أن
الاقتصاد رشيد وهو يسعى لإشباع حاجاته وتعظيم منافعه,والحصول على أكبر منفعة ممكنه
بأقل ما يمكن من النفقة.
الإسلام
لا يستبعد مبدأ الرشد كافتراض نظري له أهميته,لكن هنا مفهوم الرشد في الاقتصاد
الإسلامي يختلف عن مفهوم الرشد عن الاقتصاد الغربي,فالمسلم له معايير معينة تحكم
سلوكه فهو مأمور أن يمتنع عن السلع المحرمة وأن لا يمعن في الترف أو إضاعة المال
في الإسراف والتبذير, وكذلك عليه بالاعتدال في الإنفاق الاستهلاكي,قال تعالى: {وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَاماً}
3/
الحرية الاقتصادية المنضبطة,فحرية المستهلك المسلم
تخضع للضوابط الشرعية بخلاف حرية الفرد في المجتمعات الغربية الرأسمالية.
4/
تعظيم المنفعة,فالمجتمعات الغربية لا هم للمستهلك
إلا الإشباع المادي،أما المسلم فإن تعظيم المنفعة لا يتوقف عند إشباع حاجات مادية
بل يمتد إلى تحقيق المنافع الروحية وابتغاء الأجر من الله عز وجل فربما يصرف جزءاً
كبيراً من دخله على أوجه الخير .
إرسال تعليق