مفهوم الإنتاج وأهميته في الاقتصاد الإسلامي
يعرّف الإنتاج لدى المختصين في الاقتصاد بأنه: إيجاد منفعة أو زيادتها, وإذا عرضنا هذا التعريف على ما جاء به الإسلام من تشريعات نجد أن الإسلام حث على الصناعة والتجارة والزراعة واهتم بالعمل المنتج في كافة الميادين,وهذا يعني أن مفهوم الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي قد عني فعلاً بإيجاد المنافع وزيادتها في الوقت ذاته،ويعتبر الحافز للإنتاج في النظام الإسلامي أقوى من الحافز للإنتاج في النظم الاقتصادية الوضعية,فحافز الإنتاج في النظام الاقتصادي الرأسمالي هو تحقيق الربح المادي وحافز الإنتاج في الاقتصاد الاشتراكي هو تحقيق النفع الاجتماعي,أما في النظام الاقتصادي الإسلامي فالحافز على الإنتاج ليس الربح دون غيره ولا تحقيق النفع الاجتماعي لوحده, بل يجمع الأمرين معاً ويرعاهما بمحفز ثالث هو ابتغاء الأجر من الله تعالى.فالمسلم عندما يزاول النشاط الإنتاجي المنضبط بضوابط الشريعة فهو يمارس عبادة يبتغي بها وجه الله.
مثال:دعوة الإسلام للتنمية الزراعية والتوسع في الإنتاج الزراعي في حديث الرسول r الذي يقول:
(ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طائر أو بهيمة أو إنسان إلا كان له به صدقة) فهذا الأجر الذي يحصل عليه المسلم في مجال الإنتاج الزراعي لا يتعارض مع ما يمكن أن يحققه من ربح مادي,فهو يكسب الأمرين معاً,ويمكن أن نلاحظ في هذا الحديث أن الذي يجمع بين هذين الخيرين الكسب المادي والأجر الأخروي هو المسلم فقط (ما من مسلم) فالمسلم هو الذي يجمع بين هذين الخيرين,ثم إن هذا الإنسان الذي يأكل من هذا الإنتاج ليس بالضروري أن يكون مسلماً فالرسول r قال:(أو إنسان) ولم يقل أو مسلم,كما أن الأجر ليس أجر زكاة واجبة في هذا الزرع أو الصدقة التي يبذلها طوعاً إنما هو أجر إضافي مرتبط بتقديم النفع الاجتماعي وهو مستحق بإذن الله للمسلم وإن قبض ثمن ما ينتجه نقداً،وتمتد أهمية الإنتاج في المفهوم الإسلامي في تعدد أهدافه وتنوعها كما يهدف إلى توفير فرص العمل لأفراد المجتمع المسلم وإشباع حاجاتهم, كما يهدف إلى تعزيز مكانة المجتمعات الإسلامية وجعلها مجتمعات ذات سيادة واستقلال تملك النفوذ ولا يمارس عليها النفوذ السياسي أو الاقتصادي.
لقد أصبحت المجتمعات اليوم تقاس بقدرتها على الإنتاج والتصدير, ومن العجيب أن بعض الدول التي نجحت اقتصاديا استطاعت أن تحقق من الأهداف ما لم تحققه الدول القوية عسكريا,فالإنتاج هو محور العملية الاقتصادية برمتها والمجتمعات التي تعتمد بشكل رئيس على استهلاك ما ينتجه الآخرون ستظل مجتمعات غير قادرة على التحكم بقراراتها وإدارة شؤونها.
ثانياً: عناصر الإنتاج واختلاف عوائدها.
اتجه الاقتصاديون في بداية العصر الكلاسيكي إلى تحديد عناصر الإنتاج بثلاثة عناصر : الأرض ورأس المال والعمل.ولم يكن عنصر التنظيم معروفاً لأن المشروعات كانت صغيرة وكان أصحابها يديرونها بأنفسهم وقد برز عنصر التنظيم كعنصر رابع لعناصر الإنتاج عندما ظهرت المشروعات الصناعية الكبرى,ويفضل بعض الاقتصاديين اليوم دمج العنصرين (الأرض ورأس المال ) تحت اسم رأس المال ودمج العنصرين (العمل والتنظيم) تحت اسم العمل فيكون تقسيم عناصر الإنتاج ثنائياً يشمل عنصرين هما رأس المال والعمل, بحيث تندرج الأرض وما في باطنها من ثروات طبيعية في إطار رأس المال,أما عنصر العمل فيشمل العمل الميداني الذي يقوم به العامل والعمل الإشرافي الذي يقوم به المنظم.وكل عنصر من هذه العناصر يكون له عائدٌ لقاء مساهمته في العملية الإنتاجية.
وتختلف عوائد عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي عنها في الاقتصاد الرأسمالي:
أما في الاقتصاد الرأسمالي فإن رأس المال إذا كان نقدياً فعائده الفائدة التي هي الربا في المنظور الإسلامي وإن كان رأس المال عينيا كالآلات والمعدات فيكون عائدها الإيجار, أما ما يخرج من الأرض من معادن وثروات طبيعية فأسعارها تتحدد في السوق وفقاً للعرض والطلب كما أن إيجار الأرض كمساحة جغرافية يتحدد من خلال الطلب عليها,أما العمل فإن كان إشرافاً وإدارة أي ما يقوم به المنظم من عملية التوليف من عناصر الإنتاج فهذا النوع من العمل عائده الربح أما الجهد الذي يقوم به العمال في الميدان كالمشروعات التي يديرها المنظمون فلهم الأجور كالذين يعملون في خطوط الإنتاج هؤلاء لهم الأجور الثابتة بخلاف ما لو عملوا لحسابهم الخاص فلهم الأرباح.
أما عوائد عناصر الإنتاج في النظام الاقتصادي الإسلامي فتختلف عنها في الاقتصاد الرأسمالي . فرأس المال النقدي يكون له نصيب في الربح لأن الربا لا مكان له في الاقتصاد الإسلامي, وإعطاء رأس المال الربح يحقق العدالة بحيث يكون طرفا التعاقد شركاء في المغنم والمغرم,وإذا كان رأس المال عينيا استحق الإيجار أو تقويمه بقيمة نقدية في مقابل نصيب من الربح,وتكون الآلات والمعدات في هذه الحالة ملكا للمشروع, أما بالنسبة للأرض فقد تعددت الصيغ في عائدها وإن كان بعض هذه الصيغ موضع خلاف بين الفقهاء :فإحدى هذه الصيغ المزارعة وهي اشتراك مالك الأرض مع من يزرعها ويستدلون على ذلك ما رواه ابن عمر من أن رسول الله r عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر الأرض وصيغة أخرى وهي كراء الأرض بالنقدين وهذه الصيغة أجازها معظم الفقهاء وممن خالف في ذلك ابن حزم,أما كراء الأرض بالمطعوم فقد منعه أكثر الفقهاء,أما بالنسبة للعمل فلا فرق بين النظام الاقتصادي الإسلامي بين المنظم الذي يتولى الإشراف والعامل المباشر في عملية الإنتاج من حيث العائد فكلاهما يمكن أن يكون عائده الأجر أو حصة في الربح ولا يرى بعض الفقهاء كالخرقي وابن قدامة أن يجمع العامل بين الأجر والربح في عقد واحد .


Post a Comment

أحدث أقدم