كيف تتحدد الأسعار في الاقتصاد الإسلامي؟
تتحدد الأسعار في الاقتصاد الإسلامي من خلال التفاعل والتجاذب بين قوى العرض والطلب في ظل الأخلاقيات وضوابط التعامل في السوق الإسلامي,وقد غلا السعر على عهد النبي r,فقالوا يا رسول الله لو سعرت لنا,فقال رسول الله r: (إن الله هو القابض الباسط الرازق المُسَعِّر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم أو مال) فانظروا كيف اعتبر النبي r تعطيل آلية العرض والطلب ووضع أسعار محددة للسلع والخدمات ظلماً,والأصل في النظام الاقتصادي الإسلامي أن الأسعار تتحدد من خلال تفاعل قوى العرض والطلب لكن قد يتخلف التزام بعض المتعاملين في السوق بهذه الضوابط والقيم والأحكام الشرعية التي حفلت بها الشريعة.فما هو دور الدولة أو ولي الأمر في هذه الحالة؟ هل يشرع التدخل الحكومي أم لا؟ إن من صور هذا التدخل في السوق:التسعير من قبل الحاكم والمقصود تحديد سعر معين للسلعة أو الخدمة وإلزام الناس بهذا التسعير.
فهل أجاز الفقهاء هذا النوع من التدخل؟
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الأصل في التسعير هو التحريم،وقد استدلوا على ذلك من الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }النساء29.حيث اشترطت الآية التراضي,والتسعير لا يتحقق به التراضي ومن السنة ما ورد عن أنس t أنه غلا السعر في المدينة على عهد النبي r , فقال الناس : يا رسول الله لو سعَّرت لنا, قال رسول الله r:(إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم أو مال).
قال ابن قدامة: "والأدلة في وجهين, الأول: أن النبي rلم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه, الثاني: أنه علل ذلك بكونه مظلمة والظلم حرام"كما رأى ذلك ابن قدامة أن التسعير يحدث أثراً عكسيا حيث يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وهو عكس ما يهدف إليه التسعير,لأن الجالبين للسلع إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلداً يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون,ومن عنده بضاعة يمتنع عن بيعها ويكتمها ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلا فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها فتغلو الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين.
جواز التسعير أو وجوبه إذا دعت الحاجة إلى ذلك,أجاز بعض الفقهاء التسعير بل وجوب التسعير عندما تقع السوق تحت التأثير المفتعل التي يؤدي إلى فقدان آلية السوق دورها في تحقيق السعر العادل وتحقيق التوازن بين العرض والطلب بسبب الاحتكار ونحوه ومن أبرز الفقهاء الذين ساروا في هذا الاتجاه ابن تيمية رحمه الله فقد رفض أولاً الرأي الذي يرى عدم جواز التسعير مطلقا فقال:"ومن منع التسعير مطلقا محتجاً بقوله r:(إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم أو مال) فقد غلط فإن هذه قضية معيَّنة وليست لفظاً عاما وليس فيها أن أحدا امتنع من بيعٍ يجب عليه أو عللٍ يجب عليه أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة لكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليه والمدينة آنذاك إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبا من الجلب وقد يباع فيها شيء يزرع فيها وإنما كان يزرع فيها الشعير فلم يكن البائعون ولا المشترون أناسا معينين،ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إليه أو إلى ماله ليجبر على عمل أو على بيع،بل المسلمون كلهم من جنس واحد كلهم يجاهد في سبيل الله" . إ هـ
كما قدم ابن تيمية تفسيرا أكثر وضوحا للدلالة على جواز التسعير فقال:"فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق" ا.هـ وانظر إلى قوله وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء أي لنقص العرض وإما لكثرة الخلق وهذا يؤدي إلى زيادة الطلب فهو بلغة الاقتصاد يعني زيادة الطلب الناتج عن زيادة الخلق وكما تتم حماية المستهلك بالتسعير من جشع التجار واحتكارهم يجب أن يكون التسعير منصفا للباعة والمنتجين يقول القاضي أبو وليد الباجي: "إن التسعير بما لا ربح فيه للتجار يؤدي إلى فساد الأسعار،وإخفاء الأقوات،وإتلاف أموال الناس.
ثانياً: إلى أي مدى يمكن أن يؤثر التسعير على أداء الاقتصاد وكفاءته:
الآثار الاقتصادية للتسعير: وتتلخص بعدد من الأمور:
أولاً // نقص الكميات المتاحة من السلع وظهور السوق السوداء,التسعير يؤدي إلى الإخلال بقوى العرض والطلب حيث تقل الكميات المعروضة في السوق بسبب انخفاض هامش الربح,وهذه المشكلة
لا تقل خطورة عن غلاء الأسعار وهي تؤدي لتداول هذه السلع في الخفاء بأسعار مرتفعة.شح ونقص هذه الكميات في الأسواق يؤدي إلى هروب هذه الأسواق إلى سوق خفية هي السوق السوداء حيث تباع هذه السلع بأسعار مرتفعة,لكن الدولة تستطيع التغلب على هذه المشكلة بتوفير التسهيلات والمعونات للمنتجين حتى تتوفر هذه السلع.فإذا قامت الدولة بمنح المعونات للمنتجين توفرت هذه السلع بكميات أكبر عند السعر الذي تحدده الدولة.الدولة ممكن أن تحدد السعر وتخفضه عما كان سائداً، ولكن هذا النقص في السعر الفرق بين السعر السابق والسعر الذي حددته الدولة وهو النقص على المنتجين أو الباعة تقوم الدولة بتعويض البائعين بالمعونات لكي يظل الإنتاج متوافراً بنفس القدر من الكميات السابقة أو بمقدار الأكبر بحيث يتم الحصول على السلعة فلا تنقص ولا تظهر السوق السوداء وكل من يريد أن يحصل على السلعة يدرك حاجته منها وفي نفس الوقت لا يضار البائعون والمنتجون في البيع والاتجار بهذه السلعة .
ثانياً // زيادة التكاليف المالية والإدارية,يتطلب التسعير زيادة في التكاليف المالية والإدارية يتحمل المجتمع آثارها فبعض هذه التكاليف تسبق عملية التسعير وبعضها يستمر للتأكد من الالتزام بالسعر المحدد
مما يزيد من أعباء الأجهزة المعنية بمراقبة الأسواق والإشراف على التسعير والتزام الناس به،لكن دعم المنتجين من قبل الدولة كفيل بإيجاد التوازن بين العرض والطلب وتحقيق الربح المعقول للباعة والمنتجين.
ثالثاً // التسعير لا يحقق دوما مصلحة للمستهلك فيفترض أن تدخل الدولة لتسعير السلع والخدمات هو لمصلحة المستهلك لكن قد لا تتحقق المصلحة للمستهلك إلا في المدى القصير أما في المدى الطويل فإن مصلحة المستهلك ربما تكون في عدم التسعير فلا شك أن في المدى الطويل الأفضل أن يترك أمر تحديد الأسعار لتفاعل قوى العرض والطلب .
رابعاً // انخفاض مستوى الجودة وانعدام الحوافز نظرا لأن التسعير يؤدي إلى انعدام أثر المنافسة كحافز رئيس على اجتذاب قرار المستهلك بالشراء فإن مستوى جودة السلع والخدمات يتراجع لأن السعر موحد والمستهلك مضطر للشراء نظرا لانخفاض العرض الكلي بسبب التسعير عن الطلب الكلي.
خامساً // إهدار الموارد وتعطيلها فإذا كان التسعير مجحفا بحق المالك أو المنتج فإن ذلك سيؤدي إلى تعطيل الموارد وعلى سبيل المثال فقد أدى تسعير الإيجارات في بعض الدول إلى تعطيلها وعدم تأجيرها لأن القيمة المدفوعة غير مغرية فيتجهون إلى بيعها أو حفظها للأبناء.
سادساً // ظهور بعض المساوئ الاجتماعية مثل هدر الأوقات الثمينة في طوابير الانتظار للحصول على السلعة وكاستخدام الرشوة وسيلة للهروب من إجراءات الدولة التي تحمي نظام التسعير.
سابعاً // انخفاض وتدني كفاءة الاقتصاد في تخصيص الموارد الاقتصادية فإذا استمر التسعير وخرج عن الوضع الاستثنائي إلى وضع أقرب للاستمرار فلا شك أن في ذلك خطورة كبيرة فهو يهدد الكفاءة الاقتصادية التي تميز آلية السوق في تخصيص الموارد فبدلا ًمن أن تقود آلية السوق قرارات المنتجين والمستهلكين للوصول إلى أفضل تخصيص للموارد الاقتصادية بين الاستخدامات المختلفة تتعطل هذه الآلية وعليه فإن التسعير إذا استمر لفترات طويلة يؤدي إلى تدني كفاءة الاقتصاد في تخصيص الموارد بسبب تهميش آلية السوق.أي إلغاء تفاعل قوى العرض والطلب
ثالثاً: إلى أي مدى يمكن أن تخضع السوق لرقابة الدولة في الاقتصاد الإسلامي؟
ننتقل إلى مراقبة الحكومة للسوق في الاقتصاد الإسلامي :
فهذا له طبيعة مختلفة فهو ليس من نوع التدخل الذي يمكن أن يؤثر على آلية السوق؛بل هو مجرد مراقبة لحركة السوق ومدى التزام الباعة والمشترين بما يجب عليهم شرعاً في البيع والشراء,وهذه الضوابط الشرعية وأخلاقيات التعامل في السوق لها دور كبير في دعم آلية السوق والمحافظة على عملها بشكل صحيح,وتكون مراقبة الحكومة للسوق في الاقتصاد الإسلامي عبر جهاز الحسبة وهو جهاز يمارس وظائف واختصاصات تهدف إلى تهيئة بيئة مناسبة للتعاملات التجاري والمحافظة على السوق بشكل عام من الناحية الشكلية أو من الناحية الموضوعية, فالشكلية: العناية بالسوق من حيث البناء والترميم والنظافة, وأما الموضوعية: فالمقصود ما يجري في السوق ومتى يتوافق ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية وسلامة البيوع من المخالفات الشرعية, وقد مارس الرسول r هذا الدور بنفسه عندما دخل السوق ووجد مع أحد الباعة صُبرة طعام فأدخل يده فوجد بللاً قال: (ما هذا يا صاحب الطعام)قال: أصابته السماء يا رسول الله, فقال r: (هلاَّ وضعته أعلى الطعام كي يراه الناس من غشنا ليس منا ) نخلص إلى أن الإسلام يمنع التسعير ابتداءً, ويجعل الأسعار تتحدد من خلال تفاعل قوى العرض والطلب
ولا شك أن في ذلك دفعاً للأضرار الكبيرة المترتبة على التسعير ولا تلجأ الدولة إلى التسعير إلا لدفع ضرر أكبر ناشئ عن توجهات احتكارية في السوق, وعند ذلك تفرض الدولة أسعارا منصفة للمنتجين والمستهلكين بحيث تكون محفزة للجالبين والمنتجين ومقبولة لدى المستهلكين, أما إذا كان الارتفاع في الأسعار نتيجة زيادة طبيعية في الطلب أو نقص طبيعي في السلع فلا تسعير.

Post a Comment

أحدث أقدم