الاقتصاد الاشتراكي:
كيف عالج الاقتصاد أو كيف ينظر النظام الاقتصادي الاشتراكي للمشكلة الاقتصادية؟
النظام الاقتصادي الاشتراكي لا يقبل التوصيف الرأسمالي للمشكلة الاقتصادية, إلا أن طريقة معالجته للمشكلة وما انتهى إليه في علاجه لهذه المشكلة هو اعتراف بوجودها, لكن نظرة النظام الاقتصادي الاشتراكي للمشكلة:يرى أن المشكلة ليست ندرة الموارد الاقتصادية؛وإنما هي نتاج التناقض بين أشكال الإنتاج وعلاقات التوزيع والتي أفرزها النظام الاقتصادي الرأسمالي من خلال سماحه للأفراد بتملك وسائل الإنتاج ملكية مطلقة ومنحهم حرية التصرف كما يشاءون,وسعي أولئك الأفراد لتعظيم ثرواتهم إلى مدى كبير جعل الناس يشعرون بوجود مشكلة.فمن وجهة النظام الاشتراكي إذا أعيد النظر في أشكال الإنتاج وأساليب التوزيع وأصبحت الدولة هي التي تملك وسائل الإنتاج وهي التي تقوم بعملية تخصيص الموارد الاقتصادية بين الاستخدامات المختلفة وليس السوق فإن المشكلة تنتهي,هكذا يرى النظام الاقتصادي الاشتراكي المشكلة
وإذا نظرنا كيف يعالج النظام الإشتراكي المشكلة: نجد أنه يعالجها من خلال جهاز التخطيط المركزي .
جهاز التخطيط المركزي : هو جهاز تملكه وتديره الدولة, وهذا الجهاز هو الذي يقوم بحصر كافة الاحتياجات البشرية للشعب في المجتمع الاشتراكي أو في الدولة الاشتراكية,يقوم هو بحصر الاحتياجات أنت لا تطلب الحاجة ولا تقول: أنا أحتاج طعام, شراب, ملابس, كمبيوتر وإلى آخره, الدولة هي تقرر ماذا تحتاج! هي تحدد الاحتياجات ثم إنها تقوم بكفالة فرص العمل للجميع, توظف الجميع ولكنها لا تجعل هناك حوافز لا تجعل لهم من الحوافز ما يفاوت بينهم في الدخول والأجور بل تكون متقاربة
لا يعني أنها متطابقة أو متساوية تماما,لكن القاعدة التي يسير عليها أو الشائعة في الاقتصادات الاشتراكية لكل حسب طاقته,ولكل حسب حاجته. فبما  تعطي بما يتوفر للشخص من أجور أو رواتب تدفعها الدولة يقوم هذا الفرد بإنفاقه على السلع التي قامت الدولة بإنتاجها وطرحتها في الأسواق بأسعار محددة, الدولة هي التي تحدد الأسعار, الأسعار ما يحكمها عرض أو طلب فقد تنفذ بعض هذه الحاجات وبعض الحاجات تضل مكدسة لماذا؟
لأن الناس يريدون هذه السلعة فيتسابقون إليها ويقفون عليها طوابير حتى تنفذ, بينما حاجات أخرى قررت الدولة أن الناس يحتاجونها بقيت مكدسة, فلاشك أنه لو تمكنت الدولة في الاقتصاد الاشتراكي مثلا من إنتاج ما يحتاجه الناس بالفعل دون زيادة أو نقص لكان عملية الإنتاج التي تديرها الدولة في ظل الاقتصاد الاشتراكي ناجحة وذات كفاءة عالية, ولكن الواقع خلاف ذلك فهناك طوابير على سلع معينة,وهناك تكدس لبضائع أخرى,لأن الدولة هي التي حكمت على الناس وقررت ما الذي يحتاجون وما الذي لا يحتاجون, ولاشك أن هذا يعتبر إخفاق من إخفاقات الاقتصاد الاشتراكي,وأكبر دليل على إخفاق الاقتصاد الاشتراكي هو سرعة انهياره وسقوطه, فهو لم يعمر.
يعني نحن نحكم عليه من خلال الدولة الرئيسة التي تعتبر أو كانت المحضن الرئيس لهذا النظام الاقتصادي, وهو الاتحاد السوفيتي فهذا الاتحاد السوفيتي لم يعمر أكثر من سبعين عاما جاء ينتقد النظام الاقتصادي الرأسمالي،الذي سبقه في الوجود إلا أنه جاء انهياره أسرع من انهيار الاقتصاد الرأسمالي.








: إلى أي مدى يقبل المختصون في الاقتصاد الإسلامي التوصيف الرأسمالي للمشكلة الاقتصادية.
حاول كثير من الاقتصاديين المسلمين إيضاح موقف الإسلام من المشكلة الاقتصادية أو ندرة الموارد الاقتصادية وفيما يلي نماذج لطائفة من آراء هؤلاء الاقتصاديين:
أولاً: الدكتور عيسى عبده يقول:"الأصل في الخلق هو الوفرة, والندرة ليست أصلا من أصول الخلق, وهذا يعني أن الندرة وضع استثنائي له أسبابه"ويلخص الدكتور عيسى عبده هذه الأسباب على النحو التالي:
1/ يقول عجز الإنسان عن الإفادة بما في الأرض من طيبة,أو خدمة, طيبة يقصد سلعة .
2/ غرور ابن آدم ومبالغته بتقديم ذاته وقيمته, مما يدعوه إلى التباطؤ والدعة بقصد التقليل من التضحيات والشقاء في سبيل كسب المعاش,ويقول أيضا يذكر من الأسباب: "يتلف الناس كثيرا مما ينتجونه بتوجيهه إلى ما لا يسهم في الرفاهية الاقتصادية"  ثم يقول: "بعد هذا كله يبقى قدر من السلع والخدمات يتظالم الناس في قسمتها" هذه رؤية الدكتور عيسى عبده للمشكلة الاقتصادية ويفضِّل أن توصف الموارد الاقتصادية بالوفرة النسبية وليس بالندرة النسبية.
ثانياً: الدكتور شوقي دنيا يرى أن الندرة لا وجود لها على المستوى الكوني وقد توجد على المستوى الإقليمي, والدكتور شوقي دنيا هو تلميذ للدكتور عيسى عبده, ولم يخرج في رأيه عن رأي أستاذه في هذا الخصوص لأن الدكتور عيسى عبده إنما يتحدث عن المستوى الكوني ولا يتحدث عن المستوى الإقليمي, فالدكتور شوقي دنيا يقول إن الندرة لا وجود لها على المستوى الكوني وقد توجد على المستوى الإقليمي.
ثالثاً: الدكتور محمد عبد المنعم عفر يقول: "الإسلام ينظر إلى المشكلة الاقتصادية على أنها قصور في الوسائل المتاحة للإنسان عن تسخير الموارد الممكن له استخدامها والإفادة منها في إشباع حاجاته وتطوير طاقاته, علاوة على كسل الإنسان وتجاوزه الحد في تقديره لحاجاته" .
رابعاً: الدكتور محمد عبد المنعم الجمال يقول:"المشكلة الاقتصادية هي مشكلة الفقر الذي لازم الإنسان عبر التاريخ إلا أن الإنسان لا يشعر بوطأة الفقر إلا تدريجياً بزيادة حاجاته تبعاً لدرجة تطوره وتقدمه فالإنسان الأول رغم قلة موارده لم يكن يشعر بوطأة الفقر نظراً لقلة حاجاته".
خامساً: يرى الدكتور سعيد مرطان أن القول بالندرة النسبية للموارد الاقتصادية لا يعني عدم كفاية الموارد لتلبية الحاجات البشرية, وأكد على أن هذان مفهومان مختلفان, يقول: إنا إذا قلنا بأن الموارد الاقتصادية نادرة نسبيا فإن وصفنا للموارد الاقتصادية بهذا الوصف لا يعني أننا نرى عدم كفاية الموارد الاقتصادية لتلبية الحاجات البشرية, وهذه الآراء يكمل بعضها البعض إذ ليس بينها تعارض صريح, ونستطيع أن نوجد قاسما مشتركا بين هذه الأقوال.
مهم ! الجميع يتحرج من أن يصف الموارد الاقتصادية بالندرة النسبية وصفاً مطلقاً,يتحرج أن يصف الموارد الاقتصادية كل ممن ذكرنا يتحرج وغيرهم لم نذكره يتحرجون من أن توصف الموارد الاقتصادية بالندرة النسبية خشية أن يكون في وصف الموارد الاقتصادية بالندرة النسبية جحودا لأنعام المنعم سبحانه, خشية أن يكون فيه كفر بالنعمة فالله تبارك وتعالى يقول:{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}إبراهيم34
ومن الآيات التي تتحدث أو توحي بالوفرة قول الله تبارك وتعالى {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}النحل5،لاحظ قوله تعالى وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ فهي أكثر من الحاجة أيضا يقول الله تبارك وتعالى{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }النحل8
انظر الحاجة لم تقتصر على وظيفتها الأصلية وهي الركوب بل امتدت إلى ما وراء هذه الوظيفة الأساسية وهي الزينة{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }النحل8
إذاً هناك نصوص تتحدث عن الوفرة وفرة الموارد الاقتصادية,وأن الله تبارك وتعالى أتاح للإنسان وسخر له وحباه وأنعم عليه بالنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى,هذه النصوص تجعل المختصين في الاقتصاد الإسلامي يتحرجون من وصف الموارد الاقتصادية بالندرة النسبية هكذا بإطلاق,ولذلك نجد أن الدكتور عيسى عبده رفض أن يصفها بالموارد الاقتصادية كان يميل إلى أن توصف بالوفرة النسبية وليس الندرة النسبية, نجد أن الدكتور شوقي دنيا يقول ممكن أن توصف الموارد الاقتصادية بالندرة النسبية إذا كنا نتحدث عن مستوى إقليمي لكن إذا كنا نتحدث عن مستوى الكره الأرضية عن المستوى الكوني
فلا نصف الموارد الاقتصادية بالندرة النسبية, نجد مثلا الدكتور محمد عبد المنعم عفر والدكتور محمد عبد المنعم الجمال حاولا أن يتحدثا عن المشكلة الاقتصادية وأسبابها دون اللجوء إلى استخدام مصطلح وفرة نسبية أو ندرة نسبية, يعني حاولا أن يتفاديا الخوض بمثل هذا النوع من المصطلحات؛هل توصف بالوفرة النسبية أو بالندرة النسبية ولكن مع ذلك هناك نصوص أخرى تتحدث عن إمكانية عرض البشر إلى شيء من النقص في الموارد المتاحة لاستخدام الإنسان فكونها وردت نصوص توحي بالوفرة؛ فقد وردت نصوص تتحدث بشكل واضح وصريح عن النقص والشح في الموارد الاقتصادية,وإذا تأملنا هذه النصوص نستطيع أن نقول أن الندرة النسبية في المنظور الإسلامي تحدث في واقع الناس لحِكَم عظيمة يريدها الله تبارك وتعالى ومن ذلك:
أولا:أن النقص في الموارد حافز لعمارة الأرض وتنميتها قال تعالى:{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} الزخرف32
فالله تبارك وتعالى فاوت بين الناس في الثراء,فمنهم الغني الثري جدا،ومنهم المتوسط،ومنهم الفقير,
حال التفاوت الله تبارك وتعالى له حكمة فيه: فهو حافز لعمارة الأرض وتنميتها.
ثانياً:كذلك من الحكم الابتلاء قال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{157}البقرة
إذاً هذا ابتلاء, فالله تبارك وتعالى قرر أن الشح والنقص في الموارد يحدث في الواقع ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والثمرات والأنفس وبشر الصابرين .
ثالثاً:أن وفرة الموارد الاقتصادية بكميات كبيرة تؤدي إلى طغيان الإنسان وكفره فالله يقول:{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}الشورى27
فالوفرة تؤدي إلى الطغيان ولكي لا يقع هذا الطغيان فإن الله تبارك وتعالى ينزل بقدر ما يشاء لا يجعل النعم تتوفر بشكل كبير تصل إلى درجة الوفرة:{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ... }الشورى27
رابعاً:أن النقص في الموارد وظهور الفقراء وذوي الحاجة في المجتمع تتحقق به ممارسة عبادات أوجبها الله تبارك وتعالى ودعا إليها, فالزكاة ركن من أركان الإسلام كيف يمكن أن يقام بهذا الركن إذا لم يوجد هناك نقص وشح في الموارد الاقتصادية،وإذا لم يكن هناك فقراء يستحقون أن تدفع إليهم هذه الزكاة.
خامساً:أيضا الندرة مرتبطة بسنن كونية ومن هذه السنن أن قدرة الموارد في كفاية وإشباع الاحتياجات البشرية مرتبط بمدى التزامهم بالإيمان بالله قولاً وعملاً, وإن انحراف المجتمعات سبب في تحقق النقص في الإنتاج سواءً بسبب تسليط الله بعض مخلوقاته بإفساد وتحطيم الإنتاج أو بنزع البركة منه يقول الله تبارك وتعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }النحل112
وقال الله تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96
وكذلك في المقابل يقول الله تبارك وتعالى: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً(10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً(11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}
ثانياً:كيف يتم التغلب على المشكلة الاقتصادية في المنهج الإسلامي أو في المنظور الإسلامي ؟
جاء الإسلام بكثير من الإجراءات والتشريعات التي تسهم إلى حد كبير في معالجة المشكلة الاقتصادية وهي من الكثرة بحيث لا يمكن الإلمام بها على وجه التفصيل,كما يصعب أيضا الإلمام بكافة الوسائل التي انتهجها المسلمون لتحجيم هذه المشكلة والسيطرة عليها لكننا سنشير هنا إلى بعض القواعد العامة التي جاء بها الإسلام في هذا الخصوص لنعرف إلى أي مدى اهتم النظام الاقتصادي الإسلامي بهذه المشكلة, وكيف سعى لتوجيه الناس إلى حلها,ولذلك أولاً سيكون حديثنا من خلال أربع محاور :
المحور الأول/ الحاجات والرشد في الاستهلاك: إذا نظرنا في مفهوم الحاجة في النظام الإسلامي نجد أنه يختلف عن مفهوم الحاجة في النظم الاقتصادية الأخرى .
ففي النظام الإسلامي من المهم أن نفرق بين حاجات الكفاية والحاجات الكمالية .
فحاجات الكفاية:تتمثل في الحاجات التي لا يمكن أن تستمر حياة الإنسان بدونها .
أما الحاجات الكمالية:فهي الحاجات التي تسهم في استمرار حياة الإنسان على نحو مريح لكن ما جاوز هاتين الدائرتين يدخل في إطار الرغبات الترفيه أي الترف المنهي عنه شرعاً,وقد حث الإسلام على القناعة وعدم المبالغة في الاستهلاك, قال الله تبارك وتعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}
وقال الرسول r: (من أمسى آمناً في سربه, معافىً في بدنه, يملك قوت يومه, أمسى كأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)ومن أهم ضوابط الاستهلاك في الإسلام أن تكون السعلة المستهلكة مباحة, فلا يدخل في مكوناتها محرم وأن يتحقق التوسط والاعتدال في النفقة قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً }الإسراء29
وأن يتناسب الإنفاق مع مستوى الدخل يقول الله تبارك وتعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ... }الطلاق7
هذا فيما يتعلق في المحور الأول فالإسلام فرق بين دوائر ثلاث:
حاجات الكفاية الدائرة الأولى, الدائرة الثانية الحاجات الكمالية, الدائرة الثالثة الرغبات الترفيه وإذا وجد في المجتمع المسلم من يتجه إلى الدائرة الثالثة الرغبات الترفيه في الوقت الذي يواجه بعض أفراد المجتمع نقصاً في إشباع حاجات الكفاية؛ يكون هناك خلل وخلل خطير يشير إليه الرسول r بقوله: (والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع ) إذا لاحظنا هذا الحديث (والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع ) نجد هذا الذي بات شبعان وجاره جائع ليس بالضرورة أن يكون أشبع الحاجات الكمالية فضلاً عن أن يشبع الحاجات الترفيهية, ولكن لكون جاره جائع وهو يبيت شبعان وصفه الرسول r بهذا الوصف.
المحور الثاني/ تنمية الموارد والمحافظة عليها: اهتم الإسلام بتنمية الموارد الاقتصادية في مجال الزراعة على سبيل المثال يقول الرسول r: ( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طائر أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) وقد قال الرسول r: ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) فلا شك أن هذين الحديثين وغيرهما من الأحاديث في هذا الإطار فيهما تشجيع كبير على تنمية الزراعة وكان الرسول r يقطع الأراضي وينهى عن الاحتجار،بالإضافة إلى نهيه عن قطع الأشجار في الحروب. وفي مجال الصناعة فالصناعة تدخل في إطار عمل اليد الذي هو أفضل وجوه الكسب, أما التجارة فقد حث عليها وجعلها بديلا مشروعا عن الربا المحرم يقول الله تبارك وتعالى:{... وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... }البقرة275
وفي مجال الثروة الحيوانية ورد النهي عن ذبح الشاة الحلوب, يقول الرسول r: (إياك والحلوب) كما ورد النهي عن عسيب الفحل؛وهو أخذ الأجرة على ضراب الفحل,لأن أخذ الأجرة على ضراب الفحل تحول دون سرعة نماء الثروة الحيوانية,فهذا كله فيه تنمية الثروة الحيوانية,وهذه النصوص
لا يوقف عندها بل تتخذ نبراسا لانتهاج كل السياسات التي تتوافق مع ما يدعو إليه الإسلام ويحث عليه في تنمية هذه الموارد,ومن باب المحافظة على الموارد توجيه الإسلام إلى حفظ الأموال ومنعها من السفهاء قال الله تبارك وتعالى {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }النساء5
وقد قال الله في باب اليتيم: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ...}النساء6
كل هذه النصوص تتحدث عن منهجية الإسلام في المحافظة على الموارد الاقتصادية وتنميتها .
المحور الثالث/ عدالة التوزيع:من الأمور التي اهتم بها الإسلام وركز عليها تركيزا بالغا قضية التوزيع, وأن لا يكون المال دولة بين الأغنياء,ولم يقبل الإسلام مطلقاً وجود مشكلة الجوع والفقر المدقع دون أن تعالج في المجتمع الإسلامي,وأبرز سبل علاجها تحقيق عدالة التوزيع, والله تبارك وتعالى ذكر في تعظيم حق الفقير والمسكين الوعيد الشديد لمن يضيع حق المسكين, قال الله تبارك وتعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ(32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ(35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ(36)} وعدالة التوزيع التي جاء بها الإسلام كثيرة منها: الزكاة والإرث والوصية والوقف و الكفارات والنذور والهدية ونفقة الأقارب والأضاحي وصدقة التطوع وزكاة الفطر كل هذه وغيرها من الأدوات التي أقرتها الشريعة تسهم في دور كبير في نقل جزء من الثروة ممن يملكها إلى من يفتقر إليها .
المحور الرابع/ توجيه السوق: بالرغم أن الإسلام أقر جهاز الأسعار وتفاعل قوى العرض والطلب في نظامه الاقتصادي؛إلا إنه جعل السوق تعمل في ظل ضوابط وقيود,ومن ذلك:تحريم الربا وتحريم الغش ومنع تلقي الركبان والنهي عن النجش ومنع أن يبيع أحد بأعلى من سعر السوق أو بأقل منه,تحريم الاحتكار النهي عن بعض البيوع التي يكتنفها الجهالة والغرر،النهي عن البيع على بيع أخيه, هذه وغيرها مما ورد في كتب الفقه من المعاملات المنهي عنها لها دور كبير في توجيه السوق وضبطه وتفادي أي اختلالات ممكن أن تنشأ في ظل غياب هذه الضوابط والقيم التي توجه السوق ولاشك أن لهذه الضوابط أثراً كبيراً في ترشيد استخدام الموارد الاقتصادية وإعطاء الأولوية لتلبية حاجات الفرد الأساسية وتحقيق العدالة في توزيع عائد العملية الإنتاجية,وكذلك شرع الإسلام بعض العقود في المعاملات والتي من شأنها أن تكون دون تعطل بعض عناصر الإنتاج عن الاستخدام مثل عقود المضاربة والسلم فهذه لها دور كبير أيضا في الحيلولة دون بقاء أي عنصر من عناصر الإنتاج عاطلاً عن العمل.





Post a Comment

أحدث أقدم